التعليقات على كتاب الأدب المفرد 45

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الرعاية والمسؤولية في الإسلام

يشرح مفهوم الرعاية والمسؤولية في الإسلام، حيث يشير إلى أن كل فرد مسؤول عن رعيته. يوضح أيضًا أهمية تولي المسؤولية بتقوى الله وعدم السعي وراءها.

أحكام التعامل مع العبيد وأدب مخاطبتهم

يتناول بعض الأحكام المتعلقة بالعبيد، مثل أداء حقوق الله وحقوق السادة، وتحريم أو كراهة استخدام ألفاظ معينة في مخاطبة العبيد. كما يذكر بعض الأحاديث النبوية التي توضح هذه الأحكام.

سد أبواب الفتنة والغلو في المدح

يتحدث عن نهى النبي عن الإطراء والغلو في المدح، وسد الأبواب التي توصل إلى الشرك، وأهمية سد الذرائع التي قد تؤدي إلى الفتنة. كما نهى عن إطلاق ألفاظ التعظيم على غير الله إلا إذا كانت مقيدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال لنا أبو خير رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثني إسماعيل، عن أبي ويس، قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». هذا الحديث ذكرنا أنه حديث صحيح، وهو في الصحيحين، وتكلمنا على قوله: «فالأمير الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته»، وأن الولاية والإمارة مسؤولية عظيمة، ينبغي لمن تولاها أن يتق الله سبحانه وتعالى فيها. وكذلك أيضًا ألا يحرص الإنسان عليها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة بالصحيحين: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها»، أي: أنك إذا سألتها، أكلت إلى نفسك، ولم توفق للقيام بحقها. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حين قال: أو سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يوليه بعض الأمور، قال: «يا أبا ذر، إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة». وهكذا أيضًا لما سأله ابن عم بن مسعود، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنا لا نعطي هذا الأمر لأحد، أو أحد سأله أو حرص عليه؛ لأن الذي يسألها لا يعلم عظم شأنها، وكذلك أيضًا لا يوفق للقيام بها». ولهذا جاء في حديث ابن عباس في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «وتجدون خير الناس في هذا الأمر أشدهم له كراهية»، يعني: خير من يقوم بالمسؤولية والإمارة أشد الناس كراهة لها؛ لأنه يعلم أن أمرها عظيم، فإذا اضطر إليها، اتقى الله سبحانه وتعالى فيها، فيقوم بما يجب عليه فيها. ولهذا نعلم من القطع ما يفعله بعض الفرق الضالة التي تجري خلف المسؤوليات وخلف سؤال الإمارة عن طريق الانتخابات أو البرلمانات أو غير ذلك، وهذا مما ينافي ما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال الإمارة، وأنه ينبغي أن لا يسألها الإنسان. وإذا اضطر إليها، إذا اضطر إلى مسؤولية من المسؤوليات، ويرى نفسه أنه أهلًا لها، فيتق الله سبحانه وتعالى فيها ما استطاع. أما أن يجري هو خلفها، فهذا من الجهل، وكذلك أيضًا من عدم التوفيق. وإذا وصل إلى هذه الإمارة، لا يوفق إليها، لا يوفق للقيام بها. فكم جرى هؤلاء الجهلة خلف هذه المسؤوليات، وإذا وصلوا إليها، لم يستطيعوا أن يقوموا بها، ولم يستطيعوا أن يقوموا بها. وكما قال رئيسنا الرئيس علي عبد الله صالح - حفظه الله وفقه الله لكل خير - حين ولي الإخوان المسلمون وزارة الأوقاف، وما استطاعوا أن يقوموا بها، قال: «هذه وزارة من الوزارات ما استطاعوا أن يقوموا بها، فكيف بالقيام بدولة؟». وصدق؛ فهم ليسوا أهلًا لهذا الأمر. فإذا كانت هذه المسؤولية اليسيرة بالنسبة للقيام بالإمارة العظيمة ما استطاعوا أن يقوموا بها، وأن يؤدوها، فكيف برئاسة دولة كاملة؟ وهكذا أيضًا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته». كذلك الرجل في بيته راعٍ، فهو يرعى أهل بيته: زوجه وأولاده، وهو مسؤول عنه، وهو مسؤول عن رعيته. فعليه أن يقوم بالواجب نحو أهل بيته من تعليمهم وتوجيههم، وأمرهم بطاعة الله سبحانه وتعالى، ونهيهم عن معصية الله ورسوله. وهكذا أيضًا أن يهيئ لهم الأسباب التي تعينهم على طاعة الله عز وجل. وكذلك أيضًا أن يبعد كل ما يكون سببًا في وقوعهم في المعاصي والذنوب، فيحرص على أن يصفي بيته من الوسائل والأسباب التي تضلهم، من وسائل الإعلام كالتلفزيون والدشوش ونحو ذلك مما ضررها أعظم ومنفسدتها أعظم. فالذي يجب عليه أن يطهر بيته منها، حتى لا يكون سببًا في إضلال أهل بيته وإبعادهم عن طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا يهيئ لهم ما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى، من إتيان لهم بالأشرطة الطيبة: أشرطة القرآن والمحاضرات النافعة والدروس الطيبة. وهكذا أيضًا كذلك لو استطاع أن يأتي لهم بالكمبيوتر الذي هو وسيلة كذلك تستخدم في نشر الخير، واستعمال السيديات الطيبة التي فيها القرآن والدروس التي ينتفعون بها، فهذا أمر طيب. وهكذا كل أمر يكون في سبب صلاحهم، يأمرهم بالصلاة كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا يجنبهم المعاصي والمحرمات، ويتق الله سبحانه وتعالى فيهما استطاع. قال: «وعبد الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه». كذلك عبد الرجل - أي: عبد للذي يملكه - فهو راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه، يعني: مسؤول عن مال سيده. فعليه أن يتق الله سبحانه وتعالى في هذه المسؤولية. قال: «ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». وشاهد منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «عبد الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه». قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن عيسى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عبد الله بن سعد - مولى عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال: سمعت أبا هريرة يقول: «العبد إذا أطاع سيده، فقد أطاع الله عز وجل، فإذا عصى سيده، فقد عصى الله عز وجل». وهذا الحديث بهذا السند الضعيف؛ فعبد الله بن سعد مجهول، كما قال الإمام الألباني رحمه الله. قال: باب من أحب أن يكون عبدًا. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العبد المسلم إذا أدى حق الله، وحق سيده، له أجران». والذي نفس أبي هريرة بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لا أحببت أن أموت وأنا مملوك. ومع ذلك فإن الحرية أفضل. ومع ذلك فإن الحرية أفضل. ولهذا حث الشرع على عتق الرقاب وفكها، وجعل على ذلك الأجر العظيم. ومع ذلك إذا أحب الإنسان أن يكون عبدًا، فإنه يتق الله سبحانه وتعالى في حق سيده، ويؤدي حق الله وحق سيده، ويكون له في ذلك الأجران. قال: باب لا يقول عبدي. قال: حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثني أبي، عن حازم، عن العلاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقول أحدكم: عبدي، أمتي؛ كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله». وليقل: غلامي، جاريتي، وفتاي، وفتاتي. في الحديث الصحيح، وهو في الصحيحين. وبهذا اللفظ هو في صحيح الإمام مسلم، وجاء في البخاري بنحوه. وفي هذا الحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن إطلاق هذا اللفظ على العبد، فلا يقول السيد: عبدي، ولا يقول كذلك للجارية: أمتي. قال: «كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله»، أي: الكل عبد لله، السيد والمملوك كلهم عبيد لله سبحانه وتعالى. فكره النبي عليه الصلاة والسلام هذا اللفظ، وهذا من الأدب أن لا يقول الإنسان هذا اللفظ، فلا يقول السيد لعبده: عبدي، ولا يقول لأمته: أمتي. قال: «وليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي». وأن هذا النهي للتحريم، أكثر أهل العلم على أنه للكراهة، وبعض النقل الإجماع على ذلك، على أن هذا النهي هو للكراهة وليس للتحريم. حتى أهل الظاهر كذلك قالوا: بأن هذا النهي للكراهة، واستدلوا على الجواز بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾، ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾، فأطلق الله سبحانه وتعالى على المماليك لفظ العبودية: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾، وأيضًا يضم إلى الجواري: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾. وقال: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾. فالذي جاء الأفضل والأكمل هو ألا يناديه بهذا اللفظ، بل يقول: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي. قال: باب هل يقول سيدي؟ قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، وحبيب، وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم: عبدي، وأمتي، ولا يقولن المملوك: ربي، وربتي». وليقل: فتاي، وفتاتي، وسيدي، وسيدتي. كلكم مملوكون، والرب الله عز وجل. والحديث صحيح، وهو أيضًا في البخاري. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا أبو مسلمة، عن أبي نظرة، عن مطرف، قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنت سيدنا. قال: «سيدكم الله». قالوا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: «قولوا بقولكم، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ». والحديث صحيح. فبعث أبو هريرة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو نهى أن يقول السيد لعبده: عبدي، كما مر، ولجاريته: أمتي. وكذلك نهى المملوك أن ينادي سيده بقوله: ربي، وربتي؛ لأن الربوبية لله سبحانه وتعالى. قال: «والرب الله عز وجل»، فهذا اللفظ لا يطلق إلا على الله سبحانه وتعالى. يجب إطلاق لفظ الربوبية إذا كانت مقيدة، يقال: رب الأسرة، ورب البيت، ونحو ذلك، هذا جائز. أن الربوبية العامة والمطلقة فهي لله سبحانه وتعالى. ولما كان في هذا اللفظ فيه إطلاق هذا اللفظ الذي هو من حق الله سبحانه وتعالى، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وعضد به رحمه الله على جواز إطلاق لفظ السيد. قال: «وليقل: فتاي، وفتاتي، وسيدي، وسيدتي»، أي: أنه يجوز أن يقول المملوك لسيده: سيدي، وتقول الجارية لسيدتها: سيدتي. أو هكذا يظن. يقول المملوك لسيدته: سيدتي، فهذا جائز. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «السيد الله»، استدل به بعض أهل العلم على المنع من إطلاق لفظ السيد على غير الله سبحانه وتعالى. وذهب بعض العلماء إلى الجواز، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «قوموا إلى سيدكم». وهكذا أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحسن: «إن ابني هذا سيد». وهكذا أيضًا في قول عليه الصلاة والسلام في الحسن والحسين: «سيدا شباب أهل الجنة». وغير ذلك من النصوص التي وردت في إطلاق لفظ السيد. فجمع بين هذه الأدلة بعض أهل العلم، فقالوا: السيادة المطلقة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، فالسيد الله تبارك وتعالى. وأما السيادة المقيدة فلا بأس أن يقال: فلان سيد القوم، أو يكون شيء قبيل أو نحو ذلك، سيدهم، فيقال: سيد بني فلان، فهذا جائز. وبعض العلماء قال: إذا كان إطلاق لفظ السيد فيه معنى الإطراء والتعظيم، فهذا لا يجوز. وأما إذا كان إطلاقه بغير معنى التعظيم والإطراء، فهو جائز. وبهذا يجمع بين هذه الأدلة. وفي حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه، حين قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: أنت سيدنا. قال: «السيد الله». قالوا: أفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: «قولوا بقولكم، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ». نهاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يبالغوا في مدحه وإطرائه، وأن ذلك سبب لإغواء الشيطان لهم بأن يثنون عليه ويطرونه ويرفعونه فوق منزلته. فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك، سدًا لذريعة الشرك. وكما جاء في البخاري من حديث عمر رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». هكذا سد النبي عليه الصلاة والسلام الأبواب التي توصل إلى الشرك. ومن ذلك المجاوزة في المدح والثناء؛ فإن ذلك سبب للغلو، وهو مذموم. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». الغلو في الإطراء والمدح والثناء، فهو سبب لهلاك الإنسان. فلهذا نهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وما يفعله بعض الضلال من طوائفهم ومدحهم للنبي عليه الصلاة والسلام مما أوقعهم في الشرك، وجعلوا للنبي عليه الصلاة والسلام ما هو لله سبحانه وتعالى، هذا خلاف ما أمر به عليه الصلاة والسلام. كقول قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم. هذا من المدح والإطراء الذي تجاوز فيه حده، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام ما هو لله سبحانه وتعالى من علم الغيب، وأن هذه الدنيا هي من فضل النبي عليه الصلاة والسلام، وكل هذا من الغلو، من مجاوزة الحد. وقول الآخر: دع دعوة النصارى في نبيهم، وقل ما شئت فيه مدحًا واحتكمي. فهذا أيضًا كذلك من مجاوزة في الإطراء والمدح، وكل ذلك منهاه عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضًا نهى عليه الصلاة والسلام عن أن يفني الرجل على الرجل، ويطريه في المدحة، بل أمر عليه الصلاة والسلام بأن يرش في وجهه التراب؛ لأن ذلك سبب لإهلاك هذا الممدوح. وسيأتي ذكر بعض هذه الأحاديث في بابه. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يسد هذه الأبواب ألّا تكون سببًا في هلاك أصحابها، إما في الوقوع في الشرك، أو كذلك في الوقوع في السلام والمعصية. طيب الله هنا يؤونكم في درس آخر. والله تعالى أعلم.