الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالكافرين، ويوضح الفرق بين لعن الكافر عموما والمعين. كما يستشهد بمواقف للنبي وأقوال الله تعالى في هذا السياق.
يناقش هذا الفصل خطورة النميمة ككبيرة من كبائر الذنوب وتأثيرها على المجتمع، مشيرا إلى أنها تسبب حرمان دخول الجنة وعذاب القبر، مستندا إلى الأحاديث النبوية.
يفصل هذا الفصل شرح حديث النبي عن خيار الناس الذين يذكرون الله برؤيتهم، وعن شرار الناس الذين يتصفون بالنميمة والإفساد بين الأحبة، مبينا صفات كل فريق.
يتناول هذا الفصل التحذير من صفات ذميمة مثل تتبع عيوب الآخرين ونشرها، ويعتبر أن هؤلاء الأشخاص من شرار الناس حسب وصف النبي، ويشجع على الابتعاد عن هذه الصفات.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب لعن الكافر، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد. قال البخاري: كثيرا ما يقول حدثنا محمد ويسقط ولا يبين من هذا محمد، قد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في التهذيب أن غالبا ما يقول فيه الإمام البخاري حدثنا محمد وهو الذهلي، قال: فهو لا يصرح باسمه إما أن يقول حدثنا محمد، وتارة يقول محمد بن خالد، وتارة محمد بن عبد الله، وذلك لسبب ما وقع بينه وبين الذهلي. قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا يزيد عن أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، ادع الله على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانا، ولكن بعثت رحمة». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم، وفيه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو، أن يدعو الله على المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لم أبعث لعانا، ولكن بعثت رحمة». وفيه ما كان النبي عليه الصلاة والسلام من الخلق العظيم، ومن ذلك ما كان في قلبه عليه الصلاة والسلام من الشفقة والرحمة حتى على الكافرين، كان عليه الصلاة والسلام يحب أن يهديهم الله سبحانه وتعالى، وأن يرجعوا إلى الإسلام، وأن ينقذهم من النار، فلهذا قال: «إني لم أبعث لعانا، ولكن بعثت رحمة». فالنبي عليه الصلاة والسلام رحمة للخلق كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنَتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ الرَّحِيمِ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام رحمة حتى مع الكفار، مع ما فعلوا به عليه الصلاة والسلام من أذية من سب وشتم وتنقص واتهام له بالسحر والجنون، بل والتعدي عليه ورميه بالحجارة، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام رحيما بهم، أرسل الله سبحانه وتعالى له ملك الجبال حين خرج من الطائف ورمي عليه الصلاة والسلام بالحجارة، فناداه ملك الجبال وأخبره أن الله سبحانه وتعالى أرسله إليه إن شاء أن يطبق عليهم الأخشبين لفعل، أي لو أراد منه أن يسقط عليهم الجبلان المحيطان بمكة لفعل ذلك، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا». ولعن الكافر إذا كان اللعن على وجه العموم فهذا جائز، ألا لعنة الله على الكافرين، ألا لعنة الله على الظالمين. وأما الكافر المعين فإن كان مات على الكفر فكذلك يجوز أن يلعن إذا كان قد مات على الكفر. وأما إن لم يمت وهو ما زال حيا فإنه لا ينبغي لعنه لأنه لا يدرى بمآله، وهل يختم له بالكفر أو بالإسلام، فيترك ذلك. ولهذا لما لعن النبي عليه الصلاة والسلام أقواما أنزل الله سبحانه وتعالى عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، لعنهم فناهاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وبعد ذلك أسلموا وحسن إسلامهم. فينبغي للمسلم أن يحذر من اللعن، قال رحمه الله: باب النمام، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن إبراهيم، وهو النخعي، عن همام بن الحارث، قال: كنا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان، فقال حذيفة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه أن بعض التابعين أخبروا حذيفة رضي الله تعالى عنه أن رجلا من الناس يرفع الحديث إلى عثمان، أي إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وكان أميرا، فقال حذيفة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات»، أين أمام لا يدخل الجنة قتات. وفي هذا بيان أن النميمة كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، وأنها سبب لحرمان دخول الجنة، سبب لحرمان دخول الجنة. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة» هل معنى أنه صار كافرا بذلك كما قد يقال بذلك بعض الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة؟ الجواب: لا، إذا حصلت منه من غير استحلال مع اعتقاده أنه حرام، فإن عقوبته أنه لا يدخل الجنة، أي لا يدخل الجنة دخولا أوليا، لا يدخل الجنة دخولا أوليا، وإنما يعاقب أو يعرض للعقاب، ثم بعد ذلك إن كان من أهل التوحيد فإن مصيره إلى الجنة. وقوله: «لا يدخل الجنة القتات»، من أهل العلم من فرق بين القتات والنمام، فقال: النمام هو الذي يحضر كلام القوم ثم ينقله، يكون في مجلس مع أناس يسمع كلامهم ثم يذهب وينم: فلان قال كذا وكذا. والقتات الذي يستمع إلى حديث القوم وهم لا يعلمون، يستمع لأناس وهم لا يعلمون أنه يستمع لهم، ثم يذهب وينشر كلامهم وينقل حديثهم، فهذا قتات. فالمهم أن النميمة ذنب عظيم وكبير من كبائر الذنوب، وهو نقل الكلام لإيقاع الإفساد، تنقل حديث من شخص إلى شخص حتى توقع العداوة والبغضاء، تأتي إلى فلان وتقول له: فلان قال كذا وكذا، وأنت تعرف أن بينهما شحناء وبينهما عداوة، فيكون في هذا في نقل هذا الكلام مفسدة عظيمة، وكلام هذا في ذاك، وهذا في ذاك، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. «لا يدخل الجنة قتات»، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بعذاب أحد الرجلين الذين مر عليه الصلاة والسلام وهما يعذبان في قبر، قال: «ولا يعذبان في كبير»، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، كان يمشي بالنميمة ينشر الكلام، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعذب في قبره، هذا في حياة البرزخ، كيف إذا بعث يوم القيامة؟ وأن ما مفسد ربما يفسد قرية بكاملها بسبب النميمة، وربما يفسد كذلك أيضا دعوة كاملة، يفسد دعوة كاملة بسبب النميمة ونقل الكلام فيوقع الشحناء والبغضاء والعداوة، والله المستعان. قال: وحدثنا محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، شهر ضعيف، عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخياركم؟» قالوا: بلى، قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله». أفلا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال: «المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت». الحديث بهذا السند ضعيف، لكنه حسن في الشواهد، قد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بخيار الناس، قال: «ألا أخبركم بخياركم؟» قالوا: بلى، قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله»، أي إذا رآهم الإنسان ذكر الله سبحانه وتعالى لما يرى من صلاحهم، وكذلك أيضا من نور الاستقامة، فإن الاستقامة لها أثر لها أثر في بدن الإنسان، وكذلك أثر في وجهه، تنظر إلى الطائع المستقيم تجد آثار عبادته واستقامته في وجهه، وتنظر إلى الفاسق العاصي فترى آثار فسقه ومعصيته كذلك في وجهه، فالطاعة لها نور. فخير الناس كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «الذين إذا رؤوا ذكر الله»، أي إذا رأيته ذكرك بالله سبحانه وتعالى، أو كذلك أن يكون المعنى أنه يكون ذاكرا لله جل وعلا، إما أن تراه في صلاة أو تراه في ذكر أو تراه في علم، فتكون رؤيتك له مذكرة لك بالله سبحانه وتعالى. ثم قال: «أفلا أخبركم بشراركم؟» قالوا: بلى، قال: «المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت»، هؤلاء شرار الناس كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، مشاؤون بالنميمة، ينقلون الكلام من هنا إلى هنا: فلان قال، فلان قال، كل ينقل الكلام، ومشيهم بالنميمة إفساد، المفسدون بين الأحبة، ربما يكون بين شخصين محبة وصداقة فيأتي هذا النمام يفسدها بنميمته: فلان قال فيك كذا وكذا، هكذا نعم، قال: والله قال هذا الكلام، أنا سمعته، خلاص، وسعى في الإفساد بين الأحبة، ثم يتكلم هذا في هذا، وهذا في هذا، وانتشر الفساد وانتشر الفساد، ربما حتى كان هذا بين أهل العلم، قد تقع النميمة من بعض من ربما ينتسب إلى العلم، من قد ينتسب إلى العلم لكن لهوى أو لمرض يقع في هذا الذنب العظيم، فينم بين أهل العلم حتى يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وهذا أعظم أعظم من فعلها مع أي أحد من الناس. إذا فعلتها مع أي أحد من الناس من عوام الناس وقمت بهذه النميمة فقد ارتكبت الذنب العظيم، فكيف إذا كان بين أهل العلم وبين حملة العلم؟ فذلك أعظم، فهذا شأن النمام أنه يفسد يفسد بين الأحبة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت. وكما قيل: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة، يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة. ومن صفات هؤلاء الأشرار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: الباغون للبراء العنت، في بعض الروايات: الباغون للبراء العيب، يتتبعون عيوب الناس، إنسان على استقامة وعلى خير فيذهبون ويتتبعون عيوبه حتى يسقطوه وحتى يشوهوا صورته وسمعته، فيبغون له العيب، هذا من صفات هؤلاء الأشرار الباغون للبراء للبراء العنت. فهذه من الصفات الذميمة التي ينبغي أن يحذر منها المسلم، وأن يعلم أن من اتصف بها فهو شقي، فهو من شرار الناس كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، يتتبع عورات المسلمين، عورات المسلمين: فلان فعل، فلان قال، أو فلان ذهب وفلان خرج، وهكذا أيضا الأعظم إذا كان ذلك من أهل العلم، يتتبع عورات العلماء حتى يشوه صورة هذا العالم، فهذه يأخذ من هنا ومن هنا، وفلان من هذا العالم فلاني هذا عنده أربعمائة خطأ، عالم من علماء المسلمين يأتي هذا الشرير ثم يتهمه بهذه الاتهامات ويأتي له بعيوب من هنا ومن هنا يتتبعها ويفتش عنها حتى يسقطه، هذا شأن هؤلاء الأشرار الباغون للبراء العنت. فهذه الصفات الذميمة ينبغي للمسلم أن يحذر منها وأن يحذر ممن اتصف بها، وأن يعلم أن هؤلاء من شرار الناس كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.