التعليقات على كتاب الأدب المفرد 93

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 93، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الرحمة في الإسلام وجزاء من يرحم الناس

يشرح هذا الفصل أهمية الرحمة في الإسلام ويبين جزاء من يرحم الناس، حيث يوضح أن الرحمة من صفات المؤمنين وأن الله يرحم من يرحم عباده. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية تؤكد أن الجزاء من جنس العمل.

مظاهر الرحمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول هذا الفصل مظاهر الرحمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة مع الأطفال والعيال، ويستشهد بأحاديث تُظهر رحمته بولده إبراهيم وبتقبيل الأطفال، مما يدل على أهمية الرحمة في التعامل معهم.

الرحمة بالحيوانات وتحريم تعذيبها

يشرح هذا الفصل أهمية الرحمة بالحيوانات وحرمة تعذيبها أو قتلها بدون سبب، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية تُحرم تعذيب الحيوانات وتأمر بالرحمة بها، كما يُبين وجوب النفقة على البهائم التي يحبسها الإنسان.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا آدم وابن أبي إياس، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا عثمان مولى المغيرة - من شعبة - يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم - الصادق المصدوق أبا القاسم صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي». الحديث حسنه علامة الألباني رحمه الله، وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الرحمة لا تنزع إلا من قلبي شقي ممن كتب الله سبحانه وتعالى عليه الشقاوة في الدنيا والآخرة؛ لأن الرحمة من الإيمان، ومما أمر به شرعًا، فإذا كان القلب خاليًا من الرحمة، فهو قلب مريض، وقلب كهذا دال على أن صاحبه شقي، وهذا حال أهل الكبر، ومن حرم الإيمان، والتقوى؛ فإنه يكون ذا قلب شقي، وذا قلب قاسي، فالرحمة لا تنزع إلا من شقي. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس، ومنصور، وإسماعيل، ومنصور، عن أبي حازم، وإسماعيل، عن أبي خالد، قال: حدثني جرير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». والحديث صحيح، وقد مر معنا في الأبواب التي سبقت، وفيه بيان أن من لا يرحم الناس لا يرحمه الله؛ الذي لا يرفق بالناس، ولا يرحمهم، ولا يبعد الضرر عنهم، وهكذا أيضًا الذي يعاملهم بالعنف والشدة؛ فهذا لا يرحمه الله عز وجل، والجزاء من جنس العمل، ومفهومه أنك إن رحمت الناس رحمك الله؛ إذا رحمت الناس في التعامل معهم، وبالإحسان إليهم، وبعدم إيقاعهم في ما يكون فيه مشقة عليهم، وضرر، إلى آخر ذلك؛ فإذا فعلت ذلك فرحمتهم رحمك الله، وإذا شققت عليهم فإن الله سبحانه وتعالى يشق عليك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية - أو في حديث معاوية - لما أخبر بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر المسلمين شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه». دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يتولى أمور المسلمين فيرفق بهم، ويحسن التعامل معهم، ويخفف عنهم؛ فدعا الله عز وجل أن يرفق به، والذي يشق على الناس، وعلى المسلمين بما أتاه الله جل وعلا من منصب؛ فدعا النبي عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أن يشق عليه كما شق على الناس. فلما سمع ذلك معاوية رضي الله تعالى عنه جعل على حوائج المسلمين رجلًا؛ جعل رجلًا خاصًا يتولى أمور المسلمين وما يحتاجون إليه؛ خوفًا من أن يقع في هذا الأمر الذي دعا به النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا يمن الرحمة؛ فالذي يرحم الناس يرحمه الله، بل البهائم كما سيأتي، وكما مر معنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والشاء إن رحمتها رحمك الله». فالبهيمة - كما سيأتي - إذا رحمتها رحمك الله، ولو كانت هذه البهيمة مما يتقدر منه، وربما كان مما هو نجس، ومع ذلك إذا رحمتها رحمك الله، وإذا شققت عليها شق الله سبحانه وتعالى عليك، وهي بهيمة؛ فكيف بإنسان مسلم؟ فالأمر أشد. قال: باب رحمة العيال. قال: حدثنا حرم بن حفص، قال: حدثنا أهيب، قال: حدثنا أيوب، عن عمر بن سعيد، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالعيال، وكان له ابن مسترضع في ناحية المدينة. وأجاء في بعض الروايات - كما في مسلم - أنه إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام إبراهيم، وفي ناحية المدينة - يعني في القرى التي حول المدينة - كانت له مرضعة، وكان ظئرها قينًا؛ ظئرها يعني زوج مرضعتها، زوج مرضعتها، وقينًا يعني حدادًا. قال: وكنا نأتي وقد دخنا البيت بإذخر، فيقبله ويشمه. والحديث صحيح، وأصله في مسلم، والشاهد منه هو رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالعيال؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالعيال - يعني بالأطفال والأولاد - كان عليه الصلاة والسلام شديد الرحمة بهم، ومن ذلك هذا الابن الذي له؛ كان يأتي عليه الصلاة والسلام فيقبله ويشمه، وهذا من الرحمة. كما مر معنا في الأبواب السابقة أن من رحمة الأولاد والأطفال تقبيلهم، وأن عدم تقبيلهم دليل على قسوة القلب، دليل على قسوة القلب، وفي هذا الحديث أيضًا جواز الاسترضاع؛ الاسترضاع أن يتخذ الأب امرأة تقوم برضاعة ولده إذا لم تستطع - مثلًا - الأم أن تقوم بالرضاعة؛ إما لمرض، أو مثلًا ماتت بعد الولادة، أو لكون - مثلًا - ليس في ثديها لبن، ونحو ذلك؛ فلا بأس أن يتخذ لهم مرضعة تقوم برضاعته؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن إبراهيم. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا مروان، قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ومعه صبي، فجعل يضمه إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترحمه؟» قال: نعم، قال: «فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين». والحديث كذلك صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، والشاهد منه ظاهر؛ أن هذا رجل أتى النبي عليه الصلاة والسلام ومعه صبي - ولد له - فكان يضم هذا الصبي يضمه إلى صدره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أترحمه؟» قال: نعم، قال: «فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين»؛ أي أن الله سبحانه وتعالى - وهو أرحم الراحمين - أرحم بك من رحمتك بولدك؛ أرحم بك من رحمتك بولدك، وهو جل وعلا المتصف بصفة الرحمة، وهو أيضًا جل وعلا الرحمن الرحيم. فأنت كما أنك ترحم هذا الولد وهذا الصبي؛ فالله جل وعلا كذلك أعظم رحمة بك، أعظم رحمة بك؛ هذا إذا رحمته، وأما إن لم ترحمه؛ فإن الله سبحانه وتعالى - كما مر معنا - لا يرحم الله من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله، وإذا رحمت الناس رحمك الله، ومن ذلك رحمة العيال والأولاد. قال: باب رحمة البهائم. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا؛ فدخلت فيها النار؛ يقال: والله أعلم، لا أنت أطعمتيها، ولا سقيتها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتيها؛ فأكلت من خشاش الأرض». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وانظروا هنا إلى العكس؛ هذه المرأة أساءت إلى هذه الهرة؛ حبستها حتى ماتت، لم تطعمها، ولم تسقيها، ولا هي أطلقتها؛ وجعلتها تأكل من خشاش الأرض - يعني من هوام وحشرات الأرض - فماذا كان الجزاء؟ أنها عذبت، ودخلت النار؛ بسبب حبسها لهذه الهرة؛ لأن هذا عمل ينافي الرحمة؛ هذا عمل ينافي الرحمة. فلو أنها حبستها، وأطعمتها، وسقتها؛ فلم يكن عليها في ذلك بأس؛ لهذا قال: «لا أنت أطعمتيها، ولا سقيتها حين حبستيها»؛ يعني لو أنك أطعمتيها وسقيتها؛ لم يكن في ذلك بأس، ولكن حبست وتركت من غير طعام، ولا شراب؛ حتى قتلت صبرًا بسبب الحبس؛ تعذبت الهرة بسبب ذلك؛ الذي يبقى الحيوان إذا بقي من غير طعام، ولا شراب؛ فإنه يعذب؛ يبقى في عذاب؛ يتألم من الجوع والعطش حتى يموت. فلما فعلت بها ذلك؛ عقبها الله سبحانه وتعالى، وعذبها الله عز وجل بسبب ذلك؛ فدل هذا الحديث على أن المسلم قد يدخل النار بسبب فعله لشيء من المعاصي؛ ولو كانت - ولو كانت يسيرة في ظنه، وهكذا أيضًا ما عدم علمه بعقوبة هذا الفعل؛ فهذه امرأة عذبت في هرة؛ بسبب حبسها لهذه الهرة؛ منعت عنها الطعام والشراب؛ فعذبت، ودخلت بسببها النار. قال بعض العلم: يا كافرة، وليس بذلك ما يدل؛ وفي هذا الحديث ما يدل أنها كافرة؛ بل الظاهر أنها مسلمة، أنها مسلمة؛ ودخلت النار بسبب حبسها لهذه الهرة، وهكذا أيضًا دل الحديث على تحريم قتل الهرة؛ وأنه لا يجوز أن تقتل بهيمة ينبغي أن ترحم. وما يفعله كثير من الأولاد؛ تجدونهم يأتون بهرة؛ فيضعونها في موضع؛ ثم يرمون عليها بالحجارة؛ ويعذبونها بذلك حتى تقتل؛ أو ربما عصبوا خيطًا في حلقها؛ وشدوه حتى يشنقوها؛ أو غير ذلك من أفعال القتل التي يفعلونها مع الهرة؛ وهذا لا يجوز؛ هذا من تعذيبها؛ ومما كذلك نهى عنه الشرع؛ فينبغي أن لا تفعل ذلك بها؛ إلا بضرورة تقتل؛ إذا كان منها ضرر؛ ولا يمكن أن تدفع إلا بالقتل؛ هرة مؤذية؛ تبعد وترجع؛ كلما أخذت مكانًا رجعت؛ وتضرر منها أهل البيت؛ فهنا لا بأس أن تقتل؛ ما دام القتل بإحسان؛ تقتل بإحسان القتل؛ وأما أن تعذب وتقتل من غير سبب؛ فهذا لا يجوز؛ فهذا لا يجوز. وهكذا أيضًا دل الحديث على وجوب النفقة على البهائم؛ وجوب النفقة على البهائم؛ الذي يملك بهيمة؛ ويحبسها عنده؛ يجب عليه أن ينفق عليها؛ يجب عليه أن ينفق عليها عنده شاء؛ فينبغي عليه أن ينفق على هذه الشاء؛ أو بعير؛ أو بقرة؛ أو دجاجة؛ أو غير ذلك من الحيوانات؛ إذا حبسها؛ واجب عليه أن يقوم بنفقتها؛ ولا يتركها من غير نفقة؛ من غير طعام؛ ولا شراب؛ فهذا يحاسب؛ ويعذب على ذلك.