التعليق على كتاب التوحيد 9

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضائل التوحيد وثمراته كما ذكرها الشيخ السعدي

يستعرض المقطع فضائل التوحيد العظيمة التي نقلها الشيخ السعدي كتفريج الكربات ونيل الأمن والهدى ورضا الله وقبول الأعمال. ويبين أن العز الحقيقي في تعلق القلب بالله وحده مما يكفر السيئات وينال النصر والحياة الطيبة.

معنى الأمة في وصف إبراهيم عليه السلام وشروط التوحيد

يفسر المقطع وصف إبراهيم عليه السلام بأنه أمة قانتاً حنيفاً مبيناً أن الأمة تعني الإمام المقتدى به والقانت الدائم الطاعة والحنيف المائل للتوحيد. ويوضح أن تحقيق التوحيد يشترط العلم به والاعتقاد الجازم والانقياد العملي لمقتضاه.

أركان تحقيق التوحيد: العلم والاعتقاد والانقياد

يستدل الشيخ باستكبار المشركين عن كلمة التوحيد مبيناً أن الكبر بطر الحق وغمط الناس. ويخلص إلى أن تحقيق التوحيد لا يتم إلا بجمع ثلاثة أركان هي العلم والاعتقاد والانقياد العملي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله من كثيرا طيبا، ونفاركم فيه. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قبل ما نبدأ في هذا الباب، أعجبني ما ذكره الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه "القول السديد في مقاصد التوحيد"، في شرحه لكتاب التوحيد، عدة فوائد ذكرها من فوائد التوحيد ومن فضائل التوحيد، فناسب هنا أن نقرأها لأهميتها. فذكر هنا ثمرات وفوائد وفضائل كثيرة للتوحيد لنعلم أهمية التوحيد. فقال رحمه الله: "ومن فضائله -أي التوحيد- أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما". وهذا ورد فيه أدلة كثيرة أن التوحيد من أسباب تفريج كربات الدنيا والآخرة. فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فمن كربات الدنيا الأهواء المضلة والفتن المدلهمة، فمن أعظم أسباب الخروج من هذه الفتن التوحيد. التوحيد. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهو القائل صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عباس: "احفظ الله يحفظك". فمن أعظم ما يحفظ الإنسان التوحيد، فإذا حفظ التوحيد وحقق التوحيد تكفل الله عز وجل بحفظه وكلاءته ونصره. ثم قال رحمه الله: "ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل". وهذا يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. فدل ذلك على أن من أتى بالتوحيد فإنه لا يخلد في النار، وإن كان عنده بعض الكبائر التي توجب دخول النار، لكن لا يخلد في هذه النار إذا كان عنده التوحيد. قال: "وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية، يعني لا ابتداء ولا انتهاء". وهذا قد تقدم معنا. قال: "ومنها أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة". وهذا يدل عليه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال: "ومنها أنه السبب الوحيد لنيل رضى الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه". ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام: "من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟" قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه". ما معنى "خالصا من قلبه"؟ يعني أتى بالتوحيد. قالوا: "من أعظم فضائله أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت". ويدل على ذلك قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. ويدل على ذلك أيضا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾، يعني لم يأتوا بالتوحيد. فجميع الأعمال متوقفة في القبول على التوحيد، على التوحيد، وكلما كان توحيد العبد أعظم كلما كان القبول أكمل. قال: "من فضائله أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات". فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه. وهذا حق، فإن الموحد يدفعه توحيده إلى عمل الصالحات، وقد تقدم معنا في حديث عتبان في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". وأن المراد بذلك عمل الطاعات التي هي من لوازم الإخلاص، من لوازم الإخلاص لله سبحانه وتعالى. قال: "ومنها أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين". وهذا كذلك يدل عليه قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة الحجرات: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. فتجد الموحد من أكثر الناس إقبالا على الطاعات، ومن أبعد الناس نفورا من المعاصي والسيئات. ولذلك تكثر المعاصي عند أهل الشرك، تكثر المعاصي عند أهل الشرك، فلا تجد مشركا لا يسلم من تلك المعاصي، سواء كان الزنا أو اللواط أو حلق اللحية أو الإسبال أو أكل أموال الناس بالباطل أو إلى غير ذلك. أما الموحد فتجده من أشد الناس بعدا عن هذه المنكرات. قال: "ومنها أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام". فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضى بأقدار الله المؤلمة، لأن من التوحيد التوحيد بأن الله سبحانه وتعالى قد قدر الأشياء قبل وقوعها، وأنه ما من مصيبة في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب قد كتبه الله سبحانه وتعالى. وهذا من الإيمان بالقضاء والقدر وهو من أركان الإيمان. قال: "ومن أعظم فضائله أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجرهم". وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، أن العبد يعلق قلبه بالله عز وجل وحده، لا بقبر ولا بضريح ولا بجني ولا بشيطان ولا بشيء، وإنما يعلق قلبه بالله عز وجل ويعتز بذلك، فالله عز وجل يرفعه، كما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ولكن المنافقين لا يفقهون. فالذي قد تعلق بغير الله تجده في ضعف وخور وفي اضطراب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. خذلان عظيم عندما يعلق العبد قلبه بغير الله. وقد جاء في حديث عبد الله بن عكيم، الذي يحسنه العلامة الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من تعلق شيئا وكل إليه". من تعلق شيئا وكل إليه. إذا تعلق بحجر وكله الله إلى هذا الحجر، فماذا يغني هذا الحجر عن صاحبه؟ من تعلق بقبر وكل إلى هذا القبر، فماذا يصنع هذا القبر بصاحبه؟ لا يصنع له شيئا، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا أن يملك لهذا المخلوق نفعا أو ضرا. ومن تعلق بالله فهو كافي، وكفى بالله وليا ونصيرا. قال رحمه الله: "ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه". هذا من تعلق بالله وحده. قال: "ومن فضائله التي لا يلحق فيها شيئا أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرا، وتضعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب". لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم في آيات كثيرة يأمر فيها بالإخلاص الذي معناه التوحيد: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. وقال أحد السلف: "رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تقلله النية". النية المراد بها التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. فبالتوحيد تعظم الأعمال القليلة، بالتوحيد تعظم الأعمال القليلة. قال: "كما في حديث أبي سعيد المذكور في الترجمة، يعني حديث: لو وضعت لا إله الله في كفة، ووضعت السماوات وعامرهن غير والأراضين السبع في كفة، لرجحت بهن لا إله الله". يعني أن هذه الكلمة تغني عن أعمال كثيرة من أخلص فيها لله. قال: "في حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله، التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر". وهذا الحديث أيضا صحيح، رواه الإمام أحمد وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يوم القيامة يؤتى برجل فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا، فيعرف بذنوبه، فيقال له: هل لك حسنة تمح عنك هذه الذنوب؟ فيقول: لا يا رب، ليست لي حسنة، فيقول الله عز وجل: بلى، إنك لا تظلم، إن لك عندنا حسنة، فيخرج له بطاقة فيها لا إله إلا الله، وسيئاته في تسعة وتسعين سجل، يعني تسعة وتسعين دفتر، السجل بمعنى دفتر، سيئات كثيرة، فتوضع هذه السجلات في كفة، وتوضع هذه البطاقة التي فيها لا إله إلا الله في كفة، فمن التي ترجح؟ البطاقة التي فيها لا إله إلا الله ترجح وتغلب هذه السجلات الكثيرة". فهذا فيه دليل على أن التوحيد، من أخلص لله عز وجل فيه، فإن سيئاته تتساقط وتتقابل عند كلمة التوحيد. قال: "وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم من يقولها لا تبلغ هذا المبلغ". يعني العبرة ليست بالقول وإنما بما في القلب من الإخلاص. قال: "لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام في قلب هذا العبد"، يعني من الإخلاص. قالوا: "من فضائل التوحيد أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف، وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال". كل هذا من ثمرات التوحيد. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. الرسل هم أول من دعا إلى التوحيد، وهم أعظم من حقق التوحيد، وكذلك أتباعهم. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فدعوة الأنبياء ودعوة أتباعهم دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك. وهكذا مما يدل على هذا المعنى قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. انظروا إلى هذه الثمرات العظيمة، وانظروا إلى شرط تحققها ووقوعها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. ما هو الشرط؟ ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، يعني يوحدونني ولا يشركون بي شيئا. فمن حقق التوحيد ونبذ ما يضاده من الشرك فوعده الله عز وجل بهذه الوعود العظيمة، من النصر ومن التمكين ومن الأمن ومن التيسير لليسرى وإلى غير ذلك، كل هذا من فوائده وثمرات التوحيد. قال: "ومنها أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمنع عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره". وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة. الله أعلم. ودليل ذلك قوله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فلنحيينه حياة طيبة. قال رحمه الله: "أي شيخ محمد عبد الوهاب: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب". وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. ذكر هذا الباب، وهو في الحقيقة كالمتمم والمكمل للباب الذي قبله. ما هو الباب الذي قبله؟ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. فكذلك من فضل التوحيد أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما سيأتي معنا في الحديث، كما سيأتي معنا في الحديث. فهذا الباب في الحقيقة هو كالمكمل والمتمم للباب الذي قبله. وذكر هذه الآية، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. تفسير الآية: يثني الله عز وجل على عبده ورسوله الخليل إبراهيم عليه السلام، وأنه كان أمة. ومعنى "أمة" هنا ماذا؟ معنى أمة هنا؟ قد مر معنا هذا قريبا. ما معنى "أمة" ها هنا؟ أمة يعني إماما يقتدى به. "أمة" يعني إماما. فأمة في القرآن تأتي على أربعة معان، هذا أحدها. معنى "أمة" ماذا؟ إماما يقتدى به. وتأتي بمعنى الطائفة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾، يعني في كل طائفة من الناس. وتأتي بمعنى الدين، ودليله: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾، يعني على طريقة وعلى دين. وتأتي بمعنى الزمن، ودليله قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، يعني بعد زمن. فتأتي "أمة" بأربعة معان. ففي هذه الآية أتت بمعنى الإمام الذي يقتدى به. فإبراهيم إمام الموحدين، إمام الموحدين. أليس هو الذي كسر الأصنام عندما رأى قومه يعبدونها من دون الله؟ كسر الأصنام ولم يترك لهم إلا كبيرهم، وعلق عليه الفأس ليحاجهم بذلك، ووقف في وجه هؤلاء المشركين، وهو الذي دعا طيلة حياته إلى التوحيد، وهو إمام يقتدى به عليه السلام. "قانتا": ومعنى "قانتا" القنوت يأتي بمعنى طول القيام، القنوت يأتي بمعنى طول القيام، ويأتي بمعنى دوام الطاعة، دوام الطاعة والاستمرار فيها. قل لك: فلان قانت، يعني مستمر مداوم على طاعة الله. وقد تأتي بمعنى طول القيام، فقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، يعني يطيل القيام في صلاته. فمعنى هنا "قانتا" يعني مداوم على الطاعة مستمر عليها في كل حال. "ولم يكن من المشركين": و"حنيفا"، الحنيف هو المائل، هو المائل من الشرك إلى التوحيد، والمائل من المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة. فهذا معنى الحنيف، الحنيف في اللغة بمعنى المائل. "ولم يكن من المشركين": هذا توكيد، توكيد لقوله "حنيفا". حنيفا يعني على التوحيد، مال من الشرك إلى التوحيد، فإذا لم يكن من المشركين أتت كالتوكيد لما تقدم. ووجه الشاهد من هذه الآية أن الله عز وجل أثنى على إبراهيم لأنه نموذج من نماذج كثيرة في من حقق التوحيد، في من حقق التوحيد. وما معنى تحقيق التوحيد؟ ما معنى تحقيق التوحيد؟ معنى تحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك، ومن البدع، ومن المعاصي، ومن المعاصي. وليس معنى "من المعاصي" أن الموحد لا يعصي، ولكن المراد أنه لا يصر على المعصية، لا يصر على المعصية. لأن بني آدم كلهم خطأون، وخير الخطأين التوابون. وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، إنكم تخطئون بالليل والنهار". فالإنسان ما يسلم من الخطأ وما يسلم من المعصية، ولكنه يتندم على هذه المعصية ولا يصر عليها ولا يقيم عليها، وإنما سرعان ما يرجع ويتوب ويستغفر الله سبحانه وتعالى. فإذن المراد بقوله "من حقق التوحيد" يعني تحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك والبدع والمعاصي، بمعنى عدم الإصرار عليها. وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين في شرحه لكتاب التوحيد أن تحقيق التوحيد لا يكون إلا بأمور ثلاثة. تحقيق التوحيد لا يكون إلا بأمور ثلاثة: الأمر الأول: العلم. فلا يمكن أن تحقق شيئا قبل أن تعلمه، فلابد أن تتعلم التوحيد أولا، ما هو التوحيد الذي أمر الله عز وجل به؟ وهذا دليله قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فقدم العلم على القول والعمل. هذا الأمر الأول الذي يتحقق به التوحيد: العلم. فلذلك ما وقع من وقع في الشرك إلا بسبب جهله بالتوحيد، فهو يقول لا إله إلا الله ويدعو القبر، أو يدعو الضريح، أو يذبح لغير الله. هذا دليل على ماذا؟ دليل على أنه لم يعرف ويعلم معنى التوحيد، ما يعلم معنى التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ومعناه أنك لا تدعو إلا الله وحده، ولا تستغيث إلا بالله وحده، ولا تذبح إلا لله وحده. فلجهله بمعنى التوحيد وقع في الشرك. هذا الأمر الأول. الثاني الذي به يتحقق التوحيد: الاعتقاد. فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت لم تحقق التوحيد. ودليل ذلك قال الله عز وجل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. هل مشركو العرب لا يعلمون معنى "لا إله إلا الله"؟ هل يعلمون معنى "لا إله إلا الله"؟ نعم يعلمون معنى "لا إله إلا الله"، ولذلك أبوا أن يقولوها، أبوا أن يقولوها لأنهم إذا قالوها معناه أن يتركوا كل ما يعبدون من دون الله. فهم علموا معناها لكن ما اعتقدوا في هذه الكلمة التي معناها "لا معبود بحق إلا الله"، فاستكبروا عن العمل بها وعن كذلك الاعتقاد بها. وأما الثالث فهو الإنقياد. فإذا علمت واعتقدت، قل: "أنا أعلم أن لا إله إلا الله، يعني لا معبود بحق إلا الله، واعتقدت ذلك"، لكنه ما عمل بمقتضى ذلك من الإخلاص لله، من الإنقياد لشرع الله، من العمل بأوامر الله، من ترك ما نهى الله عنه. فهذا أيضا لا يحقق التوحيد، هذا لا يحقق التوحيد. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. والكبر معناه غمط الناس، تركوا الحق، هو غمط الناس، بطر الحق بمعنى ترك الحق وغمط الناس. وهم استكبروا عن العمل بها مع أنهم يعلمون معناها. فإذا لا يكون العبد محققا للتوحيد إلا إذا جمع هذه الأمور الثلاثة: العلم والاعتقاد وماذا؟ والإنقياد. العلم والاعتقاد والإنقياد. وأخذنا دليل كل واحد من هذا. والوقت قد داهمنا وانتهى، فنكمل ما بقي في درس قادم.