التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 79

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 79

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 79، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التطلع للعمل المستقبلي واستحضار ثواب العمل الحاضر

يفصل المحور الفرق بين التطلع للأعمال المؤجلة لتقوية الشوق لها، وبين استحضار ثواب العمل الحالي عند فتور الهمة لتجديد النشاط وتقوية العزيمة. يستدل بالآيات التي تبين أن المؤمن يرجو من الله ما لا يرجو الكافر فيصبر على الأذى طلباً للأجر العظيم.

تيسير مشقة طلب العلم بالنظر إلى فضائله وأضداد النعم

يوضح المحور أن تحمل مشاق طلب العلم يهون باستحضار فضائله وأجره عند الله، كما يبين أن شكر النعم يتحقق بالنظر إلى أضدادها كالفقر والمرض والضلال. يستدل بآيات قرآنية وحديث نبوي يحث على النظر إلى من هو دوننا لتقدير النعم.

تذكير بنعم الله ودعاء الشكر بالنظر إلى من دون المؤمنين

يستعرض المحور نعم الله على المؤمنين بإخراجهم من الشرك إلى التوحيد ومن الضعف إلى القوة، مع ذكر آيات الوحدة والأمن والليل والنهار. يبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى من هو دونك في الدنيا للشكر وتجنب الحسد، ويختم بنعم الله على نبيه من اليتم إلى الكفاية.

التأمل في النعم ومقارنتها بما يفتقده الآخرون

يشير المحور إلى وجوب نظر العبد إلى ضد النعم التي يتمتع بها، والتأمل فيما منّ الله عليه من نعم كثيرة لا توجد عند غيره. ويختتم بالتأكيد على انتهاء هذه القاعدة العلمية المتعلقة بشكر النعم.

  • 28 جمادى الأولى 1445هـ - 10/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

نعم، الذي لم يجب وقته، وبين النظر إلى ثواب العمل الحاضر الذي كلما فترت همة صاحبه وتأمل وتأمل وتأمل ما يترتب عليه من الخيرات استجد نشاطه وقوي عليه وهانت عليه مشقته، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104]. نعم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله. وبعد: فقد ذكرنا أن هذه القاعدة اجتمعت على ثلاث جمل. الجملة الأولى: في ما يرشد الله عز وجل عباده في كتابه من جهة العمل، وهو إلى قصر نظرهم إلى الحالة الحاضرة التي هم فيها، بمعنى أنهم يوجهون جل فكرهم وجهدهم على هذا العمل الحاضر، ولا يشتغلون بغيره من الأعمال المستقبلة. وأما الأمر الآخر، والجملة الأخرى من هذه القاعدة: في الأعمال الأخرى من جهة الترغيب فيه والترهيب من ضده، وإلى ما يترتب عليها من المصالح. ذكر هنا أن المراد بهذا: أن الأمور المتأخرة، يعني التي أنت ترغب وتحب أن تعمل بها لكن لم يحن الوقت للقيام بها، فهنا الله عز وجل يرشد العاملين إلى فضلها فيرغب فيها، يرغب في هذا العمل. مثل: على سبيل المثال، نهى الله عز وجل في أول الأمر المؤمنين عن الجهاد، لكن رغبهم فيه، ها، ذكر لهم فضله وأجوره نحو ذلك. فما هي الحكمة من هذا الترغيب؟ كما ذكر هنا: لتقوى هممهم على العمل المثمر للمصالح والخيرات، من أجل أن تتشوق النفس إلى ذاك العمل وتحرص على إدراكه بهذا الترغيب. وهذا كالترغيب المتنوع من الله على أعمال الخير، والترهيب من أفعال الشر بذكر عقوباتها وثمراتها الذميمة. يعني: الخير يرغب فيه، والشر يرهب منه، يرهب من حتى لا يقربه المسلم. ثم قال: فاعرف الفرق بين النظر إلى العمل الآخر الذي لم يجئ وقته، وبين النظر إلى ثواب العمل الحاضر الذي كلما فترت همة صاحبه وتأمل ما يترتب عليهم الخيرات استجد نشاطه، وقوي عليه، وهانت عليه مشقته. يعني بمعنى: أن من ثمرات الترغيب في العمل أن العبد ينشط في إدراكه وفي الاستمرار فيه. هذه فائدة الترغيب. مثلا: أنت الآن بدأت في حفظ القرآن، أردت أن تحفظ القرآن، فاقرأ النصوص الواردة في الترغيب في ذلك، كقول الله عز وجل: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا». تقرأ الأحاديث التي ترغب في ماذا؟ في هذا العمل الذي قدمت عليه. فهذا مما ينشط ويقوي همم لطلب العلم. تسمع محاضرة عن همة السلف، وعن فضل العلم، فهذا يعطيك ماذا؟ يعطيك شحنة كما يقال. فالبطارية بدأت تضعف، بدأت تفتر، بدأت تكسل عن طلب العلم، فسمعت محاضرة عن فضل العلم، وعن الترغيب في العلم، فتشحن هذه البطارية، فتنشط في طلب العلم، وتقوى، تقوى في طلب العلم. وهكذا: ضعفت في قيام الليل، تقرأ فضل قيام الليل. ضعفت في صيام النوافل، تقرأ فضل الصيام في سبيل الله، وهكذا. فهذا معنى قوله: كلما فترت همة صاحبه وتأمل ما يترتب عليه من الخير استجد نشاط، استجد بمعنى تجدد نشاط، وقوي عليه، يعني صار عنده قوة، وهانت، وهانت عليه مشقته، لا يبالي بالتعب الذي يناله من أجل الوصول إلى هذا المقصود الأعظم. واستدل بهذه الآية: ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾. الآن المجاهد يقابل العدو، وقدم روحه في سبيل الله، ربما يصاب في يده، في رجله، في... ها، ربما يتألم من هذه المصيبة، ربما يهزم فيشعر بشيء من الضعف أو الضيق أو نحو ذلك، لكن يتذكر ما أعده الله للمجاهدين في سبيله، فهذا التذكر يهون عليه هذه المصيبة؛ لأنه يريد ما عند الله. هو الآن جاهد في سبيل الله لأنه يريد ما عند الله، فالعدو يتألم كما أنك تصاب، العدو يصاب، كما أنك تهزم العدو يهزم، فالعدو يتألم. لكن أيش الفرق بين المسلم والكافر؟ الكافر يتألم، وإيش الذي يرجو؟ يرجو أمر دنيا وما ناله، لكن أنت ما ترجو الدنيا، أنت ترجو إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة. واضح هذا الآن؟ فإذا بتذكر فضل هذا العمل الصالح يهون عليك مشقة هذه العبادة. في طلب العلم الآن: تركت أهلك، تركت يعني بيتك، تركت الأكل الطيب، وجيت هنا في رز ناشف وخبز يابس، فأنت تقول لنفسك: نعم، أنا نغص علي شيء من الدنيا، لكن أرجو ما عند الله، أرجو أن ينفع الله بي فأستفيد وأفيد وأتعلم وأعلم، فترجو ما عند الله، فيهون عليك هذا... ماذا؟ مشقة الطلب، ومشقة هذا العمل الصالح. قمت الليل في وقت برد، الساعة الثالثة، توضأت وقمت، وتركت نومك، وتركت الدفء، الدفء الغطاء ونحو ذلك، وتحملت هذه المشقة. أيش تريد؟ تريد ما عند الله، تريد رحمة الله، تريد مغفرة ذنوبك، تريد تربية نفسك. تستشعر هذه الفضائل، فتذكر فضائل العمل الصالح يهون عليك مشقة هذا العمل، ويعطيك من النشاط، ومن القوة، ومن الشحنة التي بها تقوى وتنشط في فعل هذه الطاعة. والله حسنا. نعم، وما إرشاده من جهة النعم التي على العبد من الله؟ بالنظر إلى ضدها ليعرف قدرها ويزداد شكره لله. وفي القرآن منه كثير: يذكر عباده نعمته عليه، الدين والإسلام، وما ترتب على ذلك من النعم، إلى قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران: 164]، إلى قوله: ﴿ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]، أي: إلى الزيارة بشكر نعم الله. وقوله: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26]. وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القصص: 71]، إلى آخر الآيات، حيث يذكرهم أن ينظروا إلى دل ما هم فيه من النعم والخير، ليعرفوا، ليعرفوا قدر ما هم فيه. وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». وقوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 69]. وقوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6-8]، إلى آخرها. نعم، هذه الجملة، أو هذه الجملة الثالثة من هذه القاعدة، وهو النظر من جهة النعم. فهذا النظر ينبغي أن يكون إلى النظر إلى ضدها. وبعضهم يعبر بتعبير آخر: وهو أن تنظر إلى مواطن الضعف التي مرت بك، مواطن الضعف التي مرت بك. فمثلا: كنت فقيرا فصرت غنيا، تذكر كما جاء في الآية: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾، وجدك ضالا، فهذا... وجدك عائلا أي فقيرا فأغنى. فذكره الله عز وجل بهذه النعمة. كنت ضالا، أي: غافلا عن العلم، جاهلا، في الشرك أو في البدع أو في المعاصي، فمن الله عليك بالعلم والسنة. فتذكر ما كنت عليه من قبل، تذكر ما كنت عليه من قبل. كنت كذلك يتيما، يتيما ضعيفا، لا أبا لك، وصرت قويا شابا تقوم بنفسك، فاشكر نعمة الله عز وجل. وهكذا. وذكر لهذا أمثلة كثيرة، ذكر لهذا أمثلة كثيرة. ويقولون: ما يعرف قدر النعمة إلا من حرمها. لا يعرف قدر النعمة إلا من حرمها. إذا أنت صحيح، فانظر إلى المرضى. إذا أصابك مرض، تتذكر نعمة الصحة، أنك كنت صحيحا، تخرج وتدخل وتقرأ وتعمل جميع أعمالك، الآن مرضت، عجزت عن هذه الأعمال. انظر: صرت مقعدا لا تتحرك، لا تقرأ، لا تخرج، لا تدخل. فما يعرف قدر النعمة إلا من حرمها. فتنظر إلى ضدها: أعطاك الله العافية، انظر إلى المرضى. أعطاك الله الغنى، انظر إلى الفقراء. أعطاك الله العلم، انظر إلى الجهلة. وهكذا. وذكر على هذا أمثلة كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]. إذن: ذكرهم بضد ما هم فيه من النعمة. كانوا في ضلال، كانوا يعبدون الأصنام، كانوا يعني يزنون، كانوا يقتلون، كانوا يأكلون الميتة، كانوا آه في ضلال مبين، واضح، تقاتلون على أتفه الأسباب. فمن الله عز وجل عليهم بهذا الدين، فأخرجهم من ظلمة الشرك إلى التوحيد، ومن ظلمة المعصية إلى الطاعة، ومن ظلمة يعني البدع إلى السنة، وهكذا. فذكرهم بهذه النعمة، وذكر لهم ضدها، وذكر لهم مواطن الضعف الذي كانوا فيها. وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 103]. ذكر ما هم عليه من العداوة: كانوا متقاتلين، كانوا متخاصمين، كانوا متعادين، فجعلهم بهذا الدين أخوة متحابين مجتمعين. فذكرهم بهذه النعمة. وكذلك في الآية الثالثة: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ﴾ [الأنفال: 26]. هذا في أول الأمر، كان المسلمون مستضعفين قليلا، يخاف المسلم أن يتخطفه من حوله من الكفار، ومن القبائل، ومن غيرها. ﴿ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ﴾ [الأنفال: 26]، آواكم وأيدكم بنصره، يعني: قواكم ونصركم على عدوكم، ﴿ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26]. فذكرهم بهذه النعمة. وكذلك الآية التي بعدها: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القصص: 71]. الليل هذه نعمة، طيب، والنهار نعمة. فإذا أخذت إحدى النعمتين تعطلت مصالح الخلق. تصور لو أن اليوم كله ليل، كيف سيعمل الإنسان؟ كيف سيتحرك؟ كيف سينام؟ كيف سيقوم؟ كيف سيقوم؟ ما في شمس، ربما يموت، يتعفن ببعض مناطق ما تأتي فيها الشمس أسبوع أو أسبوعين، يعيشون في ضنك وفي شقاء. فالله عز وجل ذكر العباد: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا ﴾، سرمدا معناه: متواصلا، ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ﴾ [القصص: 71]. وفي الآية: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القصص: 72]، نهار بس، ما في ليل، ﴿ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ [القصص: 72]. فذكرهم الله عز وجل في هذه النعم وبضدها. وهكذا في هذا الحديث: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم». هذا في أمور الدنيا. انظر إلى من هو أسفل منك: أنت عندك بيت، فلان ما عند بيت. أنت عندك كتاب، فلان ما عند كتاب. أنت عندك مال تشتري به، تأكل به، فلان ما عنده مال. انظر إلى من هو دونك. أنت في الشهر تستلم مئة دولار، فلان ما يستلم ولا دولار واحد. احمد الله. انظر إلى من هو دونك، لا تنظر إلى من هو أعلى منك، تقول: فلان استلم كذا، وأنا لا استلم، قليل. لا، في أمور الدنيا انظر إلى من هو دونك. وهذا يجعلك تشكر نعمة الله عليه، ولا يعني تحسد غيرك، ولا تكفر نعمة ربك. هذا من فوائد هذا الحديث: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر»، أجدر بمعنى: أحرى، «ألا تزدروا»، تزدروا يعني: تحتقروا، «نعمة الله عليكم». لا تقول: أيش معاي؟ أنا مع... معاي شيء. انظر إلى فلان، معه ومعه. لا، لا تنظر إلى فلان من هو أكثر منك في الدنيا. لكن في أمور الآخرة: نعم، انظر إلى من هو فوقك حتى تنافسه، حتى تنافسه في أعمال الآخرة. أما في الدنيا فلا، انظر إلى من هو دونك، دونك. وذكر هذه الآية: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ ﴾ [الأعراف: 69]، يعني: اذكروا نعم الله. وأيضا آية فيها منة من الله لنبيه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ [الضحى: 6]. من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: مات أبوه وهو في بطن أمه، فعاش يتيما عليه الصلاة والسلام، فآواه الله ورباه الله سبحانه وتعالى حتى شاب وكبر وأرسل إليه. فذكره الله عز وجل بهذه النعمة. ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [الضحى: 7]. فهذا المراد بالضلال هنا: عدم العلم. ليس المراد به الضلال يعني: الوقوع في الشرك، أو في الكفر، أو نحو ذلك. إنما المراد بالضلال هنا: عدم العلم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ﴾ [النساء: 113]. الآية هذا ذكر العلم أنه بمعنى هذه الآية: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]. ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 8]. عائلا يعني: فقيرا، فأغناه الله بالفتوحات والجهاد في سبيل الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل رزقي تحت ظل رمحي». ففي النعم: ينظر العبد إلى ضدها، وإلى ما منى الله عز وجل عليه من نعم كثيرة لا توجد عند غيره من الخلق. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القاعدة، وإلى هنا، والله تعالى أعلم، في سبيل الله.