الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث الرابع والثلاثون من الأربعين النووية الأمر بتغيير المنكر ومراتبه الثلاث. يُوضح أن تغيير المنكر باليد يجب أن يكون لمن له سلطة لتجنب المفسدة الأعظم.
المراتب الثلاث لتغيير المنكر تشمل الإنكار باليد للذين لهم سلطة، والإنكار باللسان للجميع، والإنكار بالقلب كآخر المراتب. الإنكار بالقلب واجب على كل أحد ولا يسقط أبدا.
إنكار المنكر يجب إذا تحقق حصوله، ولا يجوز التجسس على الناس أو تتبع عوراتهم بدون دليل. الإنكار واجب على من له سلطة أو ولاية في منع المنكرات.
أصحاب السلطة والقوة ملزمون بإنكار المنكر لمنع الشر، حتى دون مشاهدته مباشرة، لما لديهم من قدرة على إزالته. يُشدَد على أهمية دورهم في درء الشر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام زكريا يحيى شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية، الحديث الرابع والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. قال الشارح - فقه الله -: هذا الحديث رواه مسلم وحده دون البخاري، فهو من أفراده عنه. وفي الحديث الأمر بتغيير المنكر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره»، والأمر يفيد الإيجاب؛ لأن هذا الأمر للوجوب. قال: فتغيير المنكرات بالإنكار واجب، والمنكر شرعا كل ما أنكره الشرع بالنهي عنه على وجه التحريم، فخرج بهذا ما نهى عنه على وجه التنزيه، هذا ليس بمحرم، إنه مكروه، فتركه أولى من فعله. أما ما نهى عنه الشرع على وجه الإلزام بالترك، فهذا هو المحرم الذي يكون فعله منكرا. قال: فالمنكرات هي المحرمات، وتغيير المنكر على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى تغيير المنكر باليد، والمرتبة الثانية تغيير المنكر باللسان، والمرتبة الثالثة تغيير المنكر بالقلب. والمرتبة الأولى موكولة إلى ذي السلطان، كولي الأمر أو نائبه، أو الرجل في بيته. نعم، المرتبة الأولى هي تغيير المنكر باليد، هذا لمن له سلطة، كولي الأمر أو من ينيبه ولي الأمر في القيام بإنكار المنكر؛ لماذا؟ حتى لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ لأن الإنسان إذا غير المنكر بيده مما لا سلطة له عليه، سيقوم من عليه المنكر يدافع، وحصل بذلك مفسدة ربما تسفك الدماء. نعم، بسبب ذلك، فيوكل هذا الأمر إلى من له سلطة في تغييره. فإن ضيع ذلك، فهو من يتحمل الإثم؛ يعني إذا كان هناك منكرات يفعلها بعض الناس في محلات أو نحو ذلك، الذي يغير هذه المنكرات باليده هو ولي الأمر، هو ولي الأمر. فإن تركه كذلك ولم يغير، فهو الآثم، هو المتحمل للإثم. لكن أنت تستطيع أن تغير بلسانك. نعم، هكذا أيضا الرجل في بيته، فهو السلطان في البيت، الرجل في البيت يستطيع أن يغير بيده إذا رأى منكرا في بيته يغيره بيده؛ لأنه له سلطة. كذلك المدير مثلا في الإدارة له سلطة في إدارته، يستطيع أن يغير بيده. نعم. قال: والمرتبة الثانية حظ كل مسلم أيضا، باللسان. المرتبة الأولى لو استطاع الإنسان أن يغير بيده، إذا استطاع أن يغير بيده مع أمن الفتنة وعدم ترتب مفسدة أعظم، فلا بأس. فلا بأس أن يغير. نعم، إذا رأى من يفعل منكرا، يستطيع أن يغير بيده، يكسر آلات اللهو التي يلهون بها أو نحو ذلك، أو رأى من يشرب الخمر فيعني أنكر عليهم، وراقب الخمر، وله يعني قوة، وهو يعني يتيقن أنه لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم، فلا بأس. إذا أمنت الفتنة وعدم ترتب مفسدة أعظم، فلا بأس أن ينكر بيده. قال: ومرتبة الثانية حظ كل مسلم؛ فلا تختص بذي السلطان، لإجماع المسلمين عملا بجريان الإنكار باللسان على الواقعين في المنكرات في عهد الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. ذكره الجويني في غياث الأمم. أي: عبد الملك الجويني، الملقب بإمام الحرمين، له كتاب اسمه غياث الأمم في تياث الظلم. قال: وأما المرتبة الثالثة، فهي كسابقتها؛ يعني المرتبة الثانية. الآن الإنكار باللسان، هذا يستطيع كل مسلم إذا رأى يعني منكرا أن يغير بلسانه، ينصح من رآه يفعل هذا المنكر بالتي أحسن، بالرفق واللين. هذا الأصل في الدعوة وفي الإنكار أن يكون برفق؛ حتى يستجيب لك المنصوح، لك إذا عاملته بالقسوة والشدة والغلظة سينفر، ما سيقبل منك. فلابد أن تكون رفيقا في إنكارك. وهكذا أن تكون عالما، وأن تكون عادلا؛ كما قال الإمام الثوري رحمه الله: من أراد أن ينكر المنكر أو يأمر بالمعروف، فلابد من ثلاث خصال: أن يكون عالما بما يأمر، وعالما بما ينهى، ورفيقا بما يأمر، ورفيقا بما ينهى، وعادلا بما يأمر، وعادلا بما ينهى. تكون عالما تعلم أن هذا منكر، ما تنكر شيئا وليس بمنكر. هذا من خطأ. كذلك أيضا أن تكون عادلا في إنكارك لهذا المنكر، تكون إنكارك بعدل، لا بظلم يعني، فتنكر شيئا ويكون إنكارك فوق ما يستحق، فتكون واقعا في الظلم. كذلك أيضا أن يكون هذا الإنكار برفق، أن يكون برفق. وليس يعني إذا رأيت من يفعل منكرا: يا هذا، اتق الله، هذا لا يحل لك، هذا لا يجوز، ونحو ذلك، برفق. قال: المرتبة الثالثة فهي كسابقتها من جهة عمومها؛ يعني لجميع الناس، وهي الإنكار بالقلب؛ لأنها جعلت آخر المراتب في الحديث، ووصف مقامها بقوله صلى الله عليه وسلم: «وذلك أضعف الإيمان». نعم، هذه المرتبة لا يعذر في تركها أحد كما سيأتي. قال: ومن لم ينكر بقلبه، فهو ناقص الإيمان، ولا يخرج من مطلق الإيمان. لا يخرج من مطلق الإيمان؛ يعني أصل الإيمان هو مؤمن، لكن ضعيف الإيمان. الذي لا ينكر بلسانه وينكر بقلبه هو ضعيف الإيمان. وإلا فالأقوى من ذلك أن ينكر بلسانه. قال: والمرتبتان الأوليان مشروطتان لوجوبهما بالاستطاعة، وبدونها تسقطان؛ يعني أن يكون مستطيعا أن ينكر بيده، أن يكون مستطيعا عنده قوة أو عنده استطاعة، ولا يترتب على ذلك مفسدة أعظم. أما إذا كان ضعيفا، لو جاء ينكر بيده على من يفعل المنكر ربما آذوه، آذوه ولم يستطع أن يدفع شرهم، فهنا لا ينكر. أو كذلك أيضا الإنكار باللسان، أن يكون مستطيعا عنده استطاعة وقدرة أن ينكر بلسانه. فإن كان لا يستطيع خشية أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم، فحينئذ ينتقل للمرتبة الثالثة، وهي الإنكار بالقلب. قال: أما المرتبة الثالثة، فهي واجبة على كل أحد، لا تسقط بحال؛ لثبوت القدرة عليها في حق كل أحد. يعني كل واحد ينكر بقلبه، ينكر هذا المنكر الذي يفعله من يفعله؛ لأن هذا الشيء ما يعذر أحد بتركه، وليس هناك مانع يمنع منه. قال: وتغيير المنكر بالقلب يكون بكراهته والنفرة منه وبغضه؛ يعني ينكر هذا الشيء، يبغضه ويكرهه وينفر منه. هذا والإنكار بالقلب. قال: ولا يلزم اقترانها بتغير الوجه تكدرا؛ فتمعن من ذلك أنك لا تجلس في هذا الموضع الذي فيه المنكر، أنك ما تجلس. ما تقول: الله، أنا منكر بقلبي، تجلس في سهرة غناء، تقول: الله، هذا منكر، الله المستعان، ها أنت جالس تستمع. طيب، اخرج، قم، ما أجلسك معهم؟ يعني تنكر بقلبك، لابد أن تخرج من هذا الموضع الذي فيه المنكر، ولا تحضر المنكر معهم. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يَنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. إنه في الآية الأخرى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. قال: ووجوب تغيير المنكر شرط في هذا الحديث برؤيته بالعين الباصرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا»، فالرؤية هنا بالعين، ولا يراد الرؤية التي بمعنى العلم؛ أي الرؤية القلبية؛ لأن الفعل لم ينصب إلا مفعولا، وهو «منكرا». وهذه علامة فعل «رأى» البصري؛ لأن العلمية منه ينصب مفعولين؛ يعني «رأى» تأتي بصرية يراد بها الرؤية البصرية، رؤية العين. وضابطها أن تنصب مفعولا واحدا. أن تنصب مفعولا واحدا، تقول: رأيت رجلا، هذا مفعول واحد. إذن هذه رؤية بصرية، رؤية بصرية. وهنا «رأى من رأى منكم منكرا» نصبت مفعولا واحدا، إذن رؤية بصرية. فإذا نصبت مفعولين فهي رؤية قلبية؛ مثل قول الشاعر: رأيت الله أكبر كل شيء مشاهدة. نعم، فهنا نصبت مفعولين، فتكون رؤية قلبية، رؤية قلبية بمعنى العلم. والمقصود من هذا أن إنكار الإنسان المنكر إذا رآه بعينه، إذا رآه بعينه. أما إذا لم ير شيئا، إذا لم ير شيئا، ليس له أن يذهب ويتتبع عورات الناس. رأى أناسا دخلوا في بيت، يقولوا: إيش يفعلون هؤلاء؟ العلم يفعلون منكر، يذهب يتجسس عليهم؟ لا، هذا ما يجوز. نحن نهينا عن التجسس. شيء ظهر تنكره، أما شيء لم يظهر وليس عندك به علم، فليس لك أن تتبع عورات الناس؛ إلا إذا كان يعني من هو من أهل الجهات المختصة في تتبع مواضع المنكرات ونحو ذلك، ووجدت قرائن يعني التحف حول هؤلاء النفر أو حول هذا البيت أن فيه منكرا من المنكرات، فتتبعوا وتيقنوا ونظروا، فلا بأس لهم؛ يعني بذلك؛ يعني أن يقوموا بتتبع هذا الأمر حتى يعني يفسدوا هذا المنكر؛ لأنه لو تركوه لترتب عليه يعني مفسدة أعظم وشر كبير، ولهم سلطة في مثل ذلك، فلا بأس. أما كون الإنسان يتتبع الناس لأجل أن ينكر المنكر، لا. إذا ظهر منكر أنكرته، لم يظهر شيء، فليس لك أن تتبع الناس وتتجسس عليهم. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره». إذا لم ير، ليس عليه شيء. إذا لم ير، ليس عليه شيء. قال: والسماع المحقق في منزلة المعاينة؛ فإذا رأى الإنسان منكرا أو سمعه بنفسه متحققا، تعلق به الإنكار. نعم، كذلك السماع، لو سمع شيئا هذا أمر يقيني كالرؤية. إذا سمع منكرا فيغيره. سمع غناء أو مزامير أو نحو ذلك، أو من يسب مثلا الدين أو الربا، يا ذنب الله، فهذا منكر سمعه، فعليه أن يغيره. فحينئذ يكون تغيير المنكر إما بما يراه بعينه، أو بما يسمعه بأذنيه، أو بما تحقق يعني حصوله ووقوعه بشهود أو بقرائن أو نحو ذلك. قال: فإن لم يره ولا سمعه بنفسه، لم يكن الإنكار عليه واجبا؛ إلا باعتبار دليل خارجي، ككونه ولي الأمر أو نائبه في الاحتساب على المنكرات؛ يعني في تتبعها وإفسادها. فإذا كان كذلك له أن يتأكد ويتتبع وينظر. نعم، وإن كان فعل المنكر خفيا. قال: وما في حكمهما، فهؤلاء وإن لم يروا أو يسمعوا، يتعلق وجوب الإنكار بهم؛ لأن هذا واجب عليهم أن ينكروا المنكرات بما لهم من سلطة ومن قوة؛ حتى يدرأوا الشر بذلك. قال: والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.