الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 80، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قاعدة تفسيرية تميز بين حق الله الخالص في التوحيد والعبادة والحق المشترك مع رسوله في الرضا والعطاء، مستدلاً بآية التوبة 59 حيث اقتصر الدعاء على الله وحده. يحذر من خلط هذه الحقوق الذي يؤدي إلى الشرك كما فعل عباد القبور.
يفسر المقطع معنى "الحسب" بأنه الكفاية بالله وحده مستدلاً بآيات من آل عمران والأنفال، ويبين أن آية الفتح جمعت بين الإيمان بالله ورسوله ثم فصلت بين حقوق كل منهما. يوضح أن التعزير والتوقير للرسول بينما التسبيح خالص لله.
يوضح المقطع أن طاعة الرسول تابعة لطاعة الله تعالى مستدلاً بآيات قرآنية تقدم طاعة الله، ويبين أن الرغبة والعبادة خالصة لله وحده. يشير إلى أن القسمة والعطاء الدنيوي يكون عبر الرسول بصفته أميراً مما يقوي إيمان العبد.
يختتم المتحدث الجلسة الحالية مكتفياً بما تم طرحه من قواعد تفريق الحقوق، ويعلن عن استكمال الدرس في الجلسة القادمة غداً. يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة لمتابعة باقي الدروس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فهذه القاعدة نافعة جدًا لطالب تفسير القرآن، وهو أن الله عز وجل - وهذا من إعجاز القرآن - عندما يذكر الشيء المختص به فيفرد نفسه بذلك الحق، لا يشرك معه أحد. وإذا كان الحق مشتركًا بينه وبين رسوله ذكر هذا الاشتراك، فجمع بين حقه وحق رسوله. وإذا كان الحق خاصًا بالرسول أفرده. فهذه القاعدة من تدبرها يستطيع أن يميز بين حقوق الله وحقوق رسوله، فيعطي كل ذي حق حقه، لأن من خلط بين الحقوق وقع في الشرك، وهذا هو حال عباد القبور: خلطوا بين حق الله وحق رسوله، فأعطوا للرسول من حق الله سبحانه وتعالى، فوقعوا في الخلط ووقعوا في الشرك. فتأمل هذه الآيات التي ذكرها أولًا: قال: الحقوق ثلاثة، حق لله وحده لا يكون لغيره، وهو عبادته وحده لا شريك له. وهذا الحق تجده كما ذكر هنا في الآيات التي فيها الأمر بالعبادة، لأن العبادة حق محض خالص لله سبحانه وتعالى وحده، فلا تجد آية فيها ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِمَا شَيْئًا ﴾، هل في آية توجد هكذا؟ ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، هل هذا موجود؟ هذا غير موجود، لأن الدعاء لا يكون إلا لله. ومما يدل على هذا سبحان الله آية في سورة التوبة: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [التوبة: 59]. لماذا قال: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾، ما قال: حسبنا الله ورسوله، مع أنه في الرضا وفي العطاء ذكر الله مع رسوله؛ لأن يكون ذلك من الله ومن الرسول؟ لكن الحسب بمعنى أيش؟ بمعنى الكفاية، فلا كافي إلا الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. وقال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 64]، يعني: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك حسبهم الله. وليس معنى الآية: حسبك الله وحسبك المؤمنون، لا، هذا تفسير خاطر، والتفسير الصحيح: حسبك الله، وكذلك المؤمنون حسبهم الله. فانظر هنا كل واحد أعطاه حقه. كذلك في آية الفتح قال: ﴿ لَتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 9]. في الإيمان جمع بين الله ورسوله، لأن المؤمن يجب عليه أن يؤمن بالله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا إيمان خاص بالله، وهناك إيمان خاص بالرسول: أن يؤمن المؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن يؤمن برسالته، وأن يؤمن كذلك بطاعته، وأن يؤمن كذلك باتباع أوامره، ونحو ذلك مما أمرنا بالإيمان به. فالإيمان مختص بالله، وكذلك هناك إيمان مختص برسول الله، فجمع الله عز وجل بينهما. لكن في قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾، هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، لأن معناهما الاحترام، وكذلك معناه التعظيم له عليه الصلاة والسلام، ونحو ذلك، فهذا خاص بالرسول. و﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾، هذا خاص بماذا؟ بالله سبحانه وتعالى، لأن التسبيح لا يكون إلا لله، منزه عن النقص والعيب، ولا يكون للرسول صلى الله عليه وسلم. فانظر كيف فصلت هذه الآية بين حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في الطاعة: هنا جمع الله عز وجل بين حقه وبين حق نبيه، لأن الله عز وجل يطاع، وطاعته سبحانه وتعالى هي الأصل، وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي تبع، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النور: 54]، فذكر طاعة الرسول بعد طاعته، يدل ذلك على أنها تبع لطاعة الله سبحانه وتعالى. فلما كانت الطاعة تكون لله وتكون للرسول صلى الله عليه وسلم ذكرت هنا مشتركة. وهكذا الآية الأخرى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، وحقه أن يرضوه، فيرضى الله عز وجل وذلك بطاعته وامتثال أمره وتوحيده، ويرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بالاقتداء به والإيمان به واتباع سنته، ونحو ذلك. وهكذا: ﴿ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 59]، الإيتاء بمعنى: مثلًا شيء من هذه الدنيا، فالله عز وجل هو الرزاق، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقسم الغنائم بين أصحابه المقاتلين المجاهدين، فيكون العطاء من الله، ويكون كذلك العطاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الأمير وهو الذي يعطي أفراد جيشه. ولما كانت الرغبة عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ [التوبة: 59]، ما قال: إنا إلى الله ورسوله راغبون، لأن الرغبة عبادة من العبادات، فأفردها الله سبحانه وتعالى هنا لأنها حق خاص به سبحانه وتعالى. فهذه القاعدة جليلة، بها يقوى إيمان العبد لما يرى أن الله عز وجل يفصل ويفصل بين حقه وبين حق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في آيات كثيرة. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي بهذا القدر، وأريد أن نذهب إن شاء الله نكمل لكم غدًا، وارتقينا إلى هنا، والله كريم. اشتركوا في القناة.