الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الحث على المبادرة والمسارعة في فعل الخيرات والطاعات التي يخشى فواتها، بخلاف أمور الدنيا والفتن التي يُؤمر فيها بالتأني. ويستدل بأحاديث وآيات وأقوال السلف تبين أن الحزم الحقيقي يكمن في العجلة للخير والتأني للشر، وأن السابقين إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الجنات في الآخرة.
يؤكد المقطع على أهمية اغتنام رمضان بالطاعات وتجنب الغفلة، مبيناً أن الحزم الحقيقي هو التثبت عند مخافة العواقب. كما يشرح قاعدة قرآنية للثبات تتمثل في تذكير النفس بما يفوتها من الخير وما يلحقها من ضرر عند الإقدام على المعصية، لأن مجرد النهي لا يكفي لردع أكثر الناس.
يستعرض المقطع آثار الذنوب من قسوة القلب وضيق الصدر، ويبين أن المعصية تجلب أضعاف الألم. ثم يستدل بآيات تحذر من فتنة المال والأولاد، وتؤكد أن من يجادل عن الباطل يخسر يوم القيامة، بينما من يطلب حرث الآخرة يضاعف الله له، ويختم بتحذير من اغترار المتع الدنيا الزائلة.
يحذر المقطع من أن العلماء وطلبة العلم قد ينحرفون عن الاستقامة إذا افتتنوا بالدنيا ولم يستشعروا المعاني العظيمة في آيات الله. ويؤكد أن عدم استحضار هذه المعاني يؤدي إلى الانتكاس والخروج عن الطريق المستقيم.
نقرأ لا مفوتون، الحمد لله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد، فهذا الجزء الثاني أو القسم الثاني من القاعدة؛ لأن القاعدة الثالثة والأربعين فيها جزءان: الجزء الأول يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يخشى من عواقبها، وهذا مرّ معنا في الدرس الماضي. والجزء الثاني: ويأمر ويحث على المبادرة في أمور الخير التي يخشى فواتها. ففي أمور الدنيا وفي أمور الفتن لا يتعجل الإنسان، لكن في أمور الآخرة، في أمور القرب والطاعات، وما شرعه الله على الاستباق فيه، وعلى المبادرة إليه، وعلى التنافس فيه، فهذا يجب أن يعجل فيه ويبادر إليه؛ لأنه يخشى أن يفوت. وهذا المعنى جاء فيه حديث يحسنه العلامة الألباني من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التأدت، التأدت في كل شيء خير». التأدت: يعني التأني وعدم العجلة. «التأدت في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة». إلا في عمل الآخرة، ومعنى عمل الآخرة: يعني الأعمال الصالحة التي أمرنا بالاستباق فيها. وأورد أبو نعيم في الحلية عن حاتم الأصم أنه قال: «العجلة من الشيطان إلا في خمسة أمور: إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، والتوبة من الذنب، وقضاء الدين». هذه خمسة كلها جاء الشرع بالمبادرة إليها. فمثلا: إطعام الضيف، هذا جاء في القرآن: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٦]. راغَ: أي خرج خفية، ثم أتى، والفاء تفيد التعقيب، يعني مباشرة أتى وطاف. وهذا من الإكرام: ألا تؤخر الضيف في طعامه لأنه يكون جائعا. وتجهيز الميت: جاء فيه الأمر بالتعجيل، تعجيل دفن الميت. هذا ما يقال فيه: تأنوا، تأنوا، لا، خلاص، فيه الإسراع، جاء الأمر بالإسراع. وأيضا تزويج البكر: حتى لا يقع في الفتنة، ما نقول: لا نتعجل، لا نتعجل، ننتظر، لا، إذا خلاص قادرون على تزويج، يزَوَّج. وأيضا قضاء الدين: لأن الإنسان قد يموت فيفجأه الموت ويبقى الدين في ذمته فيعذب به، فهنا يعجل في ذلك. والتوبة من الذنب: لأن الإنسان لو لم يتب من ذنبه ومات، لكان هذا الذنب على ظهره، لا يعني يفارق هذا الذنب لأنه لم يتب منه. فهذا كله يدل على هذه القاعدة الجليلة: فأعمال الخير، كل ما استطعت أن تبادر إليه فافعل؛ لأنه يخشى أن يفوتك، يخشى أن يفوتك. طلب العلم: أنت الآن قادر، وبكرة من تدري؟ بعد سنة، سنتين، غير قادر. إذن لا تفوت على نفسك هذه الفرصة، بادر، لا تقول: لا، السنة الثانية. الحج: الآن أنت مستطيع، عندك مال، عندك قدرة، لا تقول: لا، بعد سنة، سنتين، أبدا، بادر وسارع؛ لأنه قد يفوتك، قد يذهب عليك المال، قد يأتيك المرض. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يُعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ» يعني: تأتيك أمور تمنعك من الحج. ففهمتم هذا الآن؟ فهذه القاعدة: أي أمر من أمور الخير يخشى فواتها بعد قليل، فبادر إلى فعلها، بادر إلى فعلها، لا تؤخرها، لا تؤخر. واستدل بهذه الآيات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. المغفرة: هذا يشمل التوبة من الذنب، ويشمل الأعمال التي تكفر الذنوب كالإكثار من الصلوات، والإكثار من الحج والعمرة، ونحو ذلك. هذا كله مسارع إلى المغفرة، مسارع إلى المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. كل عمل يقرب إلى الجنة ويدخل الجنة، طيب. وفي الآية الأخرى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]. أي خير، استبق إليه، نافس. ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. ﴿وَأُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]. هذا صفات المؤمنون الكمل، صفات المؤمنين الكمل: أنهم يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، مسارعة ومسابقة. وفي الآية الأخرى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠-١١]. هذا السابقون، السابقة الأخرى ليست على سبيل التوكيد، وإنما الأولى لها معنى والثانية لها معنى آخر. ولذلك ماذا قال هنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي؟ قال: «أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات». هذا السابقون، هذه السابقون الأولى: الذين يسبقون إلى عمل الخيرات في هذه الدنيا. «قال: هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات». فالسابقون الثانية: المراد به المسابقة إلى دخول الجنات وإعطاء الكرامات من رب البريات سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟ والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولذلك قال: وهذا الذي أرشد الله عباده إليه هو الكمال. إذا أردت الكمال في إيمانك وفي أعمالك، أن تكون حازما، أن تكون حازمين. والحزم الحقيقي هو في عدم العجلة في الأمور التي يخشى من عواقبها، وفي عدم التأني في الأمور التي يخشى فواتها. هذا هو الحزم، هذا هو الحزم. ولذلك قال: أن يكونوا حازمين، لا يفوتون فرص الخيرات، لا تفوت. جاءك موسم الطاعات: رمضان، لا تفوته بالتسكع في الشوارع، أو بالاهتمام بالمأكلات والمشروبات، وتفوت على نفسك الصلاة والذكر وقراءة القرآن. لا، هذا من الحرمان، هذا من الحرمان. وأن يكونوا متثبتين: هذا في النوع الأول، فتثبت، هذا من الحزم، لا تستعجل خشية وقوع المكرهات والمضرات. وهذا معنى قوله: في التي يخشى من عواقبها. فهذا هو الحزم. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. طيب، اقرأ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. تذكر الله، ما يثبت لها الخير، وما يحذر لها من الضرر. فهذا في القرآن، وهو من أثبت الأشياء في حصول الاستقامة. لأن العلم والنهي المجرد لا يكفي أكثر الناس في كفهم عما لا ينبغي، حتى يكرنوا، حتى يكرنوا. لذلك ما يفكر من المحبوبات التي يجد أكثر المزعة على المحبوب الذي يكره الله، وما يحذر من المكروه المترتب عليه. وذلك قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. فإذا بان للناظر أصولها وقواعدها، سهل عليه تنزيل كل ما يرد منها على الأصل المتقرر، والله أعلم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم. وبعد، هذه أيضا قاعدة نافعة ومفيدة ذكرت في القرآن، والمتأمل في الآيات التي ذكرها يتبين له عظم هذه القاعدة. هذه القاعدة من أسباب الثبات على الاستقامة كما ذكر المؤلف هنا، وهي من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة. فهي قاعدة ليست لعامة الناس، بل لي ولك، ولكل مسلم، ولو كان عالما، ولو كان شيخا كبيرا، ولو كان طالب علم مستفيد. فالقاعدة هذه في الحقيقة هي من أعظم أسباب الثبات، ومن أعظم أسباب البعد عما يضر باستقامة العبد من الوقوع في المعاصي والذنوب. فمعنى هذه القاعدة: إذا مالت نفسك، أو خفت أن تميل، ما مالت لكن خفت أن تميل هذه النفس إلى ما لا ينبغي. وقوله: «إلى ما لا ينبغي» يعني: إلى المعاصي والذنوب. مالت نفسك للنظر إلى الصور، صور النساء، أو مالت نفسك إلى الغناء، أو مالت نفسك إلى الزنا، أو مالت نفسك إلى كذلك الغيبة، أو النميمة، أو مجالس القيل والقال، أو نحو ذلك. فهنا: ذكر هذه النفس بعقوبة هذه المعصية، بعقوبة هذه المعصية، والعقوبة تكون بأمرين اثنين: الأمر الأول: فوات الخير. يفوتك من الخير لقدر وقوعك في المعاصي، لأن القلب يقسو ويغفل فيترك الكثير من الخير. المعاصي تثقل عن الخير وعن العبادات. لذلك لما جاء رجل إلى سفيان الثوري وقال له: أريد أن أقوم الليل لكن ما استطعت، قال: كبلتك ذنوبك. انظر: بسبب الذنوب فاته قيام الليل، بسبب الذنوب فاته حفظ القرآن، بسبب الذنوب فاته إحراز الصلاة في جماعة. فإذا أردت أن تقدم على معصية، ذكر هذه النفس بما يفوتك من الخير، يذكره الله ما يفوتها من الخير. وأيضا: ما يحصل لها من الضرر. فإن المعاصي لها آثار وعواقب سيئة، ربما تكون في القلب، وفي البدن، وفي النظر، وفي المال، وفي الصحة، ونحو ذلك. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. بسبب المعاصي يكون الران على القلب، هذه من أشد العقوبات، من أشد العقوبات: قسوة القلب. جاء أثر عن مالك بن دينار أنه قال: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب». أعظم، يعني عقوبة يعاقب بها العاصي: قسوة القلب. بعض الناس يقول لك: فلان عاصي لكن عنده أموال، طيب، كيف إقباله على الطاعة؟ كيف بعده عن المعاصي؟ تجده خاوي. والله هذه العقوبة، عقوبة قسوة القلب، أعظم من أن يؤخذ ماله، أو أن تؤخذ صحته، هذا أعظم. فهذه قاعدة مفيدة جدا: إذا أردت أن تقدم على أي معصية، تذكر ما يفوتك من الخير، وما يحصل لك من الضرر. فإذا جعلت هذه القاعدة نصب عينيك، بإذن الله لا تميل نفسك إلى أي معصية، إلى أي معصية، بإذن الله عز وجل، ولا تترك نفسك أي طاعة، أن القلب يكون صافيا سليما مقبلا على الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر قال: لأن الأمر والنهي المجرد لا يكفي أكثر الخلق في كفهم عما لا ينبغي. يعني: لو قال الله: لا تزنوا، لا تغتابوا، وسكت، نهي فقط، هذا بعض الناس ما يبالي بهذه النواهي، ما يبالي بها، لأن ما ذكر فيها الأثر، أثر هذا الترك، ونتيجة هذا الترك، وكذلك فوائد هذا الترك. هذا معنى قوله: لا يكفي أكثر الخلق في كفهم عما لا ينبغي، حتى يقرن بذلك ما يفوت من المحبوبات، يعني: ما يفوت هذا العبد من المحبوبات التي تزيد أضعافا مضاعفة على المحبوب الذي يكرهه الله. أنت الآن لما تنظر إلى امرأة سافرة، هذا لذة، لكنها لذة مؤقتة، تفوتك بهذه اللذة المؤقتة لذة دائمة، وهي لذة الطاعات، ولذة الذكر، ولذة القرآن، وراحة النفس. ولذلك قرر ابن القيم أن من آثار الذنوب والمعاصي: قسوة القلب، وضيق النفس، وكثرة الهموم والغموم. إذن هذه الآن المعصية التي أنت أحببتها ومالت نفسك إليها وتلذت بها لحظة، أعقبها ماذا؟ ماذا أعقبها؟ أضعاف مضاعفة على المحبوب الذي يكرهه الله، فأتك أضعاف مضاعفة من الراحة ومن اللذة. قال: وما يحصل من المكروه المترتب عليه، يعني: المكروه المترتب على هذه المعصية. ثم استدل بآيات عدة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. طيب، الآن هنا ذكر أن الأموال فتنة، إذن هذا مجرد تحذير من الاغترار بفتنة المال أو الولد. ثم ذكر سبحانه وتعالى الآثار المترتبة على الاجتناب هذه الفتنة والابتعاد عنها، ما هي هذه الآثار؟ قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. يعني: من ترك هذه الفتنة التي ربما يحصل بها شيء من متاع الدنيا، إذا عندك مال، وهنا فإذا يقولون: اقتران الأولاد بالمال، لأن الأولاد هم سبب في وقوع الفتنة في المال. يعني: الإنسان الآن ربما يرابي، ربما يكذب في بيعه، يغش، يسرق، لماذا؟ يقول لك: عندي أولاد في البيت يحتاجون وكذا. ها، فمن أجل الأولاد يقع في فتنة الدنيا، وفتنة المال. فيقرن دائما المال بالولد. فهمتم هذا الآن؟ فالله عز وجل يقول للمؤمنين: إياكم أن تقعوا في هذه الفتنة، فلا تأخذوا مالا لا يحل لكم حبا في هذا المال ورغبة في شهوة هذه الدنيا، فإن ما عند الله أعظم. فلو تذكر الإنسان هذا، أراد أن يغش أو أراد أن يربي، يقول: هذا حرمه الله، وأنا سأصبر، وإذا صبرت فالله عز وجل سيعطيني أجرا عظيما كما في هذه الآية. إذن هذا يمنعه من ماذا؟ من الوقوع في فتنة المال والولد. فأنتم هذا الآن، هذا هو المقصود. الآية الثانية: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]. يعني: أنت الآن في الدنيا تجادل على أهل الباطل، يُراد بالمجادلة عن أهل الباطل والوقوف معهم. طيب، يوم القيامة، من يجادل عنهم؟ هل تستطيع أنت أن تجادل عنهم؟ هذا فيه ذكر مضرة وخطورة: من يجادل عن أهل الباطل، فإنه يوم القيامة لا يستطيع أحد أن يجادل عنهم، ويعاقب من يجادل عنهم، لأن فيه هذا تهديد ووعيد لمن يجادل عنهم. تجادل عنهم الدنيا، يوم القيامة من يجادل عنهم؟ ما تستطيع أن تجادل عنهم. فهذا فيه ذنب للمجادل، والمجادل عنهم فيه ذنب للجميع، وأن يوم القيامة لا أحد يكون وكيلا على أحد، وإنما الله عز وجل هو الذي يحكم بين عباده. فهذا فيه أيضا تهديد لهؤلاء. الآية الثالثة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. هذا فيه ترغيب في حرث الآخرة: عملت قليلا من الخير، ضعفه الله عز وجل لك، هذا يرغبك في فعل ماذا؟ في فعل الخير. ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها: تريد الدنيا، لربما تعطى، تريد عمارة، أُعطيت العمارة بالكذب، بالحيل، بالغش، بأكل المال بالباطل، لكن يوم القيامة ما له في الآخرة من نصيب، ما لك شيء في الآخرة. وأيهما أعظم: أن تجد الأجر في الدنيا أو في الآخرة؟ في الآخرة. فإذن هذا فيه ماذا؟ فيه منع للإنسان من أن يغتر بهذه الدنيا، أو أن يعمل العمل لغير الله. هذا أيضا يستدل بها العلماء في أبواب الإخلاص وذم الرياء. فإن من إرادة العمل للدنيا: أن يراد به غير الله، أن يراد به غير الله. ثم ذكر الآية الثالثة: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧]. متعناهم: يعني أعطيناهم من هذه الدنيا، من شهواتها محرمة، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون: جاءهم الموت، جاءهم العذاب، جاءهم العقاب، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون. إذن ماذا نفعهم ما كانوا يتمتعون به؟ لذة يعني ستين سنة، سبعين سنة، مئة سنة، ثم ماذا بعد ذلك؟ ثم بعد ذلك عذاب وعقاب. هل أغنى عنهم هذه المعاصي التي كانوا يعملونها في الدنيا؟ فهنا فيه تحذير من التمادي في الشهوات وفي الملذات. فهذه القاعدة في الحقيقة، كما ذكر، أصل في استمرار العبد على الاستقامة، كما قال في أوله: من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة، وقال في وسط ذلك بأكثر... نعم. فهنا لما ذكر فتنة الأموال والأولاد التي مالت بأكثر الخلق عن الاستقامة، يعني: الأموال هذه من أعظم الفتن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». وقال صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ». «وَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ». اتقوا الدنيا: يعني الدنيا بأموالها، برياستها، بجاهها. فكم من ربما عالم أو طالب علم مستفيد أو نحو ذلك افتتن بهذه الدنيا، فانتكس وخرج عن الاستقامة، لأنه لم يستشعر هذه المعاني العظيمة التي ذكرها الله عز وجل في مثل هذه الآيات، وفي مثل هذه القاعدة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.