الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 539

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 539

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 539، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم القصاص على غير الجاني

يناقش المقطع تحريم تطبيق القصاص أو الحدود على شخص لم يرتكب الجريمة، مستنداً إلى حديث نبوي وإجماع علماء.

الكفالة والضمان في الجنايات

يتناول حكم الكفالة والضمان في الجنايات والحدود، ويبين بطلان قصة كفالة أبي ذر وعدم جواز تحمل جناية غيره.

أحكام القصاص والثأر

يشرح مبدأ القصاص في الإسلام ووجوب وقوعه على القاتل الحقيقي، ويحرم تحميل شخص ذنب غيره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله: أخبرنا يوسف بن عيسى، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، قال: أنبأنا يزيد، وهو ابن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي، أن رجلا قال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا. فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: لا تجني أم، لا تجني أم، على ولد. وفي رواية الدارقطني: قال: ألا لا يجني والد على ولده. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال صحيح، إلا يزيد بن زياد قد واتفقه أحمد بن معين. والحديث أخرجه ابن ماجة، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو الحافظ الكبير صاحب المصنف، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن يزيد بن زياد به. فهذه أيضا من الروايات التي ذكرت في الرواية الطويلة التي أخرجها الدارقطني رحمه الله، وابن حبان. وفي هذه الرواية هذه الجملة: قوله «لا يجني والد على ولده». ومعنى «لا يجني والد على ولده»: أي أن جناية الوالد لا يتحملها الولد، وجناية الأم لا تتحملها أيضا، أو لا يتحملها الولد. وكذلك العكس، فإن الجنايات لا يتحملها أحد عن أحد. والمراد بالجناية هي القتل. فالقتل والقصاص، وكذلك الحدود، لا يتحملها أحد عن أحد، وإنما تكون على الشخص نفسه. فلهذا لا يقال مثلا: إذا قتل الإنسان ولم يوجد، يقال: نقتل ابنه، نقتل أحد أولاده، لا، هذا ما يجوز. ولا أيضا يجوز أن يقول الإنسان: أنا اقتلوني بدل فلان، اقتلوني بدل فلان، حتى ولو ضمنه، فإنه لا يقتل مكانه. وهذا بإجماع العلماء. وأما القصة التي يذكرونها دائما، في أنها حصلت في عهد عمر: أن رجلا قتل أبا لأولاد، فذهبوا به إلى عمر، فقالوا له: لم قتلت؟ قال: قتل شاتي، فقتلته. فقالوا: إذن نقتلك. قال: امهلوني ثلاثة أيام حتى أخبر أهلي وكذا. فقال: من يضمنك؟ فنظر إلى القوم، ثم نظر إلى أبي ذر، وقال: هذا يضمنني. والمهم القصة معروفة على أنه ضمنه، وأن عمر قال لأبي ذر: إن لم يأتِ نقص أو نقودك أنت. هذه القصة باطلة، ودائما يأتون بها في وسائل التواصل، فهي قصة باطلة. لم يروها أحد ممن يعرف من يروون عن قصص ويروون أقصد الأحاديث والآثار. وقد يكون أخذوها من شيء من كتب الشيعة وكذا؛ لأنهم يكذبون ولا يستحيون. المهم أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يتحمل جناية غيره. أما إذا كان في الديات، لا بأس، إذا كان في الدية في الأموال لا بأس. أما في النفس فلا يجوز. وكذلك أيضا في الحدود، لو زنى رجل مثلا، فجاء ابنه وقال: أنا أُجلد بدله، هذا أيضا لا يجوز. ولا يتحول الحد إلى غيره، بل لابد أن يحد نفسه هو، لا يحدون غيره. فلهذا فالجنايات لا يكون فيها تناوب أو ضمان، وإنما الضمان أو الكفالة تكون في الأموال. الكفالة تكون في الأموال، أي في إحضار صاحب الدين. والضمان يكون في المال نفسه، إذا ضمن الإنسان مالا، فهو يكون ضمانا، إذا لم يأتِ صاحب المال أو صاحب الدين، فيطالب الضامن. وإن كان كفالة، فالكفالة المقصود بها أن يكفل هذا الكافل، يكفل أنه يأتي بصاحب الدين متى حل الأجل. لكن الحدود لا تكون فيها كفالة. ما يقول: أنا أكفله، معنى ذلك أنه لو ما أتى مثلا إنسان سرق أموالا، ثم قرر عليه القاضي الحد، قطع اليد، فقرر عليه مثلا بعد أسبوع، وتركه. من جاء وضمنوه عند القاضي، فأخرجوه من السجن، فضمنوه. فإذا ضمنوه، ليس الضمان هذا على قطع اليد، وإنما إن كان هناك ضمان، يكون ضمان على المال الذي سرقه، يكون ضمان على المال الذي سرقه. لا بأس أنه يضمنه آخر أنه يرده، لكن الحد يقام عليه. حتى لو هرب، لو هرب مثلا وذهب مكانا آخر، فمتى ما قبض عليه، يقام عليه الحد. وكذلك القاتل إذا قتل، فإنه لابد أن يقام عليه الحد نفسه. ولكم في القصاص حياة، يا أولي الألباب. فالقصاص لابد أن يكون في القاتل نفسه، ما يجوز أن يغير في غيره. ومن الجهل العظيم ما يسمع من بعض القبائل الآن، سواء عندنا هنا في اليمن أو في غيره: أنه إذا قتل رجل منهم، فلا يقتلون هذا القاتل، وإنما يقتلون رجلا من القبيلة التي قتلت صاحبهم، فهذا لا يجوز. وهذا من الجهل في القتل، لا يجوز أن يقتل غيره، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا، فقال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أولئك بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، بعدما رفع يديه كأنه يتبرأ من هذا الفعل، وهو يقول: لا تجني، لا يجني، ألا لا يجني والد على ولده. وأيضا كذلك من الجهل العظيم الذي يخيم على كثير ممن ينتسب للإسلام، أيضا مثل هذه الثأرات أن آثار تجده قديما قد مات صاحب القاتل، فيقتلون بعض أبنائه، بل أحيانا يقتلون بعض أحفاده. وهذا جهل عظيم بدين الله جل وعلا. فهذا الذي يقتل لا دخل له، ولو كان الذي قتل أباه أو جده أو أحد من أهله، فهو لا دخل له. ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾، ولا يجني والد على ولده. فلهذا فمن جنى وأتى بجناية، سواء كان بقتل أو بحد، فإن الجناية تكون عليه، والقصاص يكون عليه هو، ولا يكون على غيره. وكذلك الثأر، الثأر ما يكون على غيره، وإنما يكون عليه. بل من قتل نفسا أو قتل غيره، وهو يخص منه، لا يقال مثلا: واحد قتل صاحبنا، ونحن قتلنا صاحبه، إذا كان ليس هو الذي القاتل، فلابد أن يقام أيضا القتل أو القصاص على هذا القاتل الذي قتله. هذا خلاصة ما يذكر. والله تعالى أعلم.