الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 57، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستحب للمسلم إذا حلف على يمين ثم رأى أن الخير في خلافها أن يأتي بالخير ويكفر عن يمينه استناداً إلى الأحاديث الصحيحة. وتجب الكفارة عند الحنث وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
بيّن المقطع خيارات كفارة اليمين المختارة من إطعام أو كسوة أو عتق، ومن لم يجد صام ثلاثة أيام، وأوضح أن الحالف مخير بين التكفير أولاً ثم الحنث أو العكس. كما استدل بحديثي أبي موسى وأبي هريرة على جواز الحنث في اليمين إذا رأى خيراً منها مراعاة لقاعدة درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى.
يبيّن المقطع أن التمادي في اليمين التي يترتب عليها ضرر بالأهل أو بالنفس أشد إثماً عند الله من الحنث فيها وتكفيرها. وأن الواجب شرعاً هو الحنث والكفارة دفعاً للضرر مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم وبنص الإمام النووي رحمه الله.
إذا حلف الشخص على ترك معصية، فلا يجوز له أن يرجع عن يمينه ويرتكب تلك المعصية، بل يجب الوفاء باليمين لكونه فعلاً للأفضل والأكمل. ويستدل العلماء على ذلك بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي أوردها النووي في هذا الباب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفر عن يمينه». وهذا من الأمور التي دعا إليها شرعنا، أن الشخص إذا حلف على شيء أنه يفعله، ثم رأى أن الخير في تركه، أو حلف على أن يترك شيئاً ثم رأى أن الخير في فعله، فهنا يأتي الخير ويكفر عن يمينه. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فيكفر عن يمينه ويأتي ذلكم الأمر الذي فيه خير، الذي فيه خير. وكم يرتجل الإنسان في بعض المواقف، فبسبب اندفاع أو سبب غضب أو عاطفة، لربما يحلف على شيء، ويكون الخير في غير ذلكم الشيء الذي حلف عليه. قال رحمه الله تعالى: قال عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأْتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك». متفق عليه. وقال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير». رواه مسلم. وهذا والذي قبله فيه استحباب الحنث باليمين إذا كان عدم إنفاذ اليمين أفضل عند الله عز وجل منها. يحلف شخص أنه لا يدخل بيت فلان من الناس، كأن يكون أمه، خاله، قريبه، صديقه، يحلف مثلاً أنه لا يأكل شيئاً من أنواع الأطعمة، إلى غير ذلك. فهنا يا إخوان يجوز أن ماذا؟ يترك هذا اليمين ويحنث ويكفر عن يمينه إذا كان في الحنث خير، وهكذا أيضاً أفضل. وفيه كذلك أن من حنث بيمينه تلزمه كفارة، تلزمه كفارة، وهذه الكفارة هي كفارة يمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. هذه ثلاث أشياء، الحالف الحانث مخير في أن يعمل بواحد منها: إما أن يطعم عشر مساكين، أو يكسوهم كسوة، أو يعتق رقبة. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. وهذا هو المطالب به المسلم، عدم الاستعجال في الأيمان. لكن متى محتاج إلى اليمين جاز وأن يحلف بالله عز وجل أو بصفة من صفاته، ثم إذا رأى أن ترك العمل باليمين هو الأفضل والخير، ترك ذلك وكفر عن يمينه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واستدل العلماء بهذا الحديث وما كان في معناه على قاعدة المصالح والمفاسد التي هي من القواعد التي عليها مدار هذه الشريعة، فيقدم المسلم ماذا؟ أعلى المصلحتين، وهكذا ماذا؟ يرتكب أخف الضررين، أخف الضررين، تُدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. قال: وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». متفق عليه. ولنا فيه أسوة حسنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. ويجوز أن يكفر أولاً ثم يحنث في يمينه ثانياً، ويجوز أن يحنث في يمينه أولاً ثم يكفر ثانياً. مثلاً: حلف أنه لا يعمل في هذه المهنة، مهنة البناء، النجارة، الوظيفة، فبعد ذلك ظهر له أن الخير والأفضل أن يرجع إلى مهنته، فماذا يفعل؟ يجوز أن يكفر أولاً ثم يحنث ثانياً، ويجوز أن يحنث أولاً ثم يكفر ثانياً، فكل ذلك يعتبر جائزاً. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَلْجَأَ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ...» ثم أو ماذا؟ «لأَنْ يَلْجَأَ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ...» أهله، أثم، أثم، آثم، آثم له. نعم، قال: «لأَنْ يَلْجَأَ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ عِنْدِي بِيِئَةُ الْمُخَفَّفَةِ عِنْدَكُم بِالْمُشَدَّدَةِ». يلجأ، أي نعم، يلجأ. قال: «لأَنْ يَلْجَأَ» أي يتمادى فيها كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى، يتمادى فيها ولا يكفر. قال: «لأَنْ يَلْجَأَ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثِمٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ». متفق عليه. قال: قوله «يَلْجَأُ» بفتح اللام وتشديد الجيم، أي يتمادى فيها ولا يكفر. وقوله «آثِمٌ» أي له عند الله تعالى. قال: هو بالثاء المثلثة، أي أكثر إثماً، أكثر إثماً. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأَنْ يَلْجَأَ» يعني يتمادى الواحد ولا يكفر يمينه. «لأَنْ يَلْجَأَ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثِمٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ». وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى: ذكر أن من حلف يميناً تتعلق بأهله بحيث يتضررون بعدم، بعدم حنثه فيها، فماذا؟ فينبغي أن يحنث. لا ضرر ولا ضرار، والله عز وجل قد جعل لنا فرجاً ومخرجاً بأن نكفر عن هذه اليمين، ولا يعتذر الواحد بعظم اليمين في أنه لا يحنث إذا ترتب على عدم الحنث ضرر على الأهل أو على النفس أو غير ذلك. وإذا كان الشخص معظماً فينبغي أن يتذكر ذلك أولاً قبل أن يحلف. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. قال النووي رحمه الله تعالى: قال: فينبغي أن يحنث فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه. فإن قال: لا أحنث بل أتورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم، قال: فهو مخطئ، فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث وإقامة الضرر لأهله أكثر إثماً من الحنث. ولابد من تنزيله على ما إذا كان الحنث لا معصية فيه. مثلاً: بعض الناس يحلف، يقول: خلاص، والله هذه آخر مرة آتي لكم بسمك. ما لك، ليش تحلف؟ ما الذي حصل؟ يعني مثلاً: يوم من الأيام أتى بعيد العيد، هذه الأيام موسمها، فتأتي المرأة وتقول: كل يوم عيد، كل يوم عيد، ما في ثَمَد، ما في نوع آخر. يقول: عاذ، هكذا والله لا آتي لكم بصيد أبداً، لا عيد ولا غيرها. ما رأيكم؟ أليس هذا فيه إضرار بأهل؟ الجواب: بلى. طيب، ما هو الأولى؟ الأولى أن يحنث ويكفر عن يمينه، وماذا؟ لا يتمادى في اليمين، لا يتمادى في اليمين. فالتمادي في اليمين مع وجود الضرر الذي يعود على الأهل، هذا أعظم عند الله تبارك وتعالى. أما إذا كان حلف على ترك معصية، على ترك معصية، فلا يجوز له أن يرجع، فلا يجوز له أن يرجع عن هذا اليمين ويرتكب المعصية، وإنما تترك اليمين لارتكاب الأفضل والأحسن والأكمل.كذا ذكر العلماء استدلالاً بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث التي ذكرها النووي رحمه الله تعالى في هذا الباب، وما كان في معناها من الأحاديث. وبه نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.