الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 56، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع خطورة الحلف الكاذب عمداً (اليمين الغموس) واعتباره من الكبائر الموجبة لغضب الله والنار، ويبين أن اقتطاع حق المسلم بيمين كاذبة يوجب النار ويحرم الجنة، مع توضيح أن مرتكب الكبيرة من الموحدين تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، كما يثبت صفة الغضب لله على الوجه اللائق بجلاله.
يبيّن المقطع خطورة أخذ حق المسلم بيمين كاذبة حتى لو كان يسيراً، ويعرض سيرة عبدالله بن عمرو بن العاص كنموذج للعبادة والاجتهاد في طلب العلم، ويؤكد مشروعية كتابة الحديث النبوي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، محذراً من إهمال تدوين الفوائد العلمية.
يؤكد المتحدث على أن العبرة بحضور القلب لا الجسد فقط، مستشهداً بأحوال السلف في الحفظ والحرص على العلم، ثم يبين الكبائر من الإشراك وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس، ويختم بتحذير من النوم في الدروس ووجوب الالتحاق بالمستوى المناسب.
يُحذر المتحدث من طلب الإذن بالخروج أثناء خطبة الجمعة، موضحاً أن من يحتاج لقضاء حاجة يذهب ويعود دون استئذان، لأن الاستئذان أثناء الخطبة خطأ شائع ناتج عن حسن الظن والأدب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا». باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا، وكون العبد يحلف بالله عز وجل كاذبا، هذا يدل على ضعف الإيمان، وهكذا قلة التعظيم لله عز وجل، فما قدر الله حق قدره، فما قدر الله حق قدره، وإلا لما حلف بالعظيم الكبير المتعال كاذبا. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه» بغير حقه، أي وهو ليس بمحق في يمينه وصادق في دعواه، قال: «بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان» لقي الله وهو عليه غضبان. قال: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى آخر الآية، إلى آخر الآية. قال: متفق عليه. وهذا كما هو ظاهر فيه تغليظ تحريم اليمين الكاذبة، وهو يعلم، وهو يعلم، وأن هذا يعتبر من كبائر الذنوب التي حرمها ربنا عز وجل، وهي تعتبر غموصا تغمص صاحبها في الإثم، وسبب لانغماص صاحبها في النار والعياذ بالله. وهكذا أيضا فيه تعظيم أكل أموال الناس بالباطل، أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهانا ربنا عز وجل عن ذلك أن يأكل الإنسان مال أخيه بغير حق، بغير حق، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، نفسه طيبة بذلك، وأن ذلك يعتبر من أعظم المحرمات. قال: «لقي الله وهو عليه غضبان»، وهذا فيه إثبات صفة الغضب لله تبارك وتعالى، وهذه صفة فعلية ثابتة لله عز وجل، ثبتت في القرآن: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبَ اللَّهِ﴾، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، وغضب الله عليه، وهكذا الآيات كثيرة التي تدل على إثبات هذه الصفة لله عز وجل على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى، فليس كمثله شيء، لا يجوز أن نمثل هذه الصفة ولا غيرها بصفات المخلوقين، ولا يجوز لنا أن نعطلها، أن نعطلها، فيقول قائل: الغضب المراد به ههنا الانتقام، هذا يعتبر تعطيلا لهذه الصفة الجليلة، لهذه الصفة الجليلة. ولاحظوا كيف أن التمادي والاعتداء على حقوق الآخرين يوجب العذاب والغضب، وهكذا النار يوم القيامة، في ذلك اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه»، أي أخذ مال أخيه المسلم بواسطة هذه اليمين الكاذبة، اليمين الغموس، «فقد أوجب الله له النار»، فقد أوجب الله له النار، «وحرم عليه الجنة». ووجوب النار وتحريم الجنة على من فعل ذلك ليس على سبيل الدوام والاستمرار، فهو يعتبر من أصحاب الكبائر، ومن مات من أهل التوحيد مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب فإنه تحت المشيئة، أي مشيئة الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، أي أن الله تعالى إذا شاء غفر له وأدخله الجنة مع الداخلين الأولين، ولو شاء الله عز وجل عذبه في النار على حسب ذنبه وجرمه، ثم بعد ذلك بسبب فضل التوحيد، وماذا فضل الله على الموحدين، فإنه لا يخلد في النار، يخرج منها إلى الجنة، إلى الجنة. قال: فقال له رجل: «وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟» يعني من أخذ واقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله عليه النار وحرم عليه الجنة، طيب كيف لو كان شيئا يسيرا؟ قد يقول قائل: قلما، قد يقول قائل: كراسة، قد يقول قائل: شيئا تافها. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان قضيبا من أراك»، يعني شيء تافه جدا، فإن الله عز وجل سائل هذا الآخذ عما أخذ. قال: رواه مسلم. قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ماذا كان يلقب عبد الله بن عمرو بن العاص؟ ماذا كان يلقب؟ نعم، عابد الصحابة، عابد الصحابة، كان من أكثر الناس عبادة، هو الذي حلف أنه يقوم الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر، قال: ما عشت. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم دعاه ونهاه ووجهه، وأخبره أنه لا يطيق ذلك. قال: فصم وأفطر، وقم من الليل ونم. والنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يصوم من الشهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، وذلك كصوم الدهر. قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم يوما وأفطر يومين. قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، أفضل من ذلك. قال: صم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام. قال: يا رسول الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك، لا أفضل من ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام صيام داود، وأفضل القيام قيام داود». ماذا كان يصنع داود؟ قال: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما. أكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فعبد الله بن عمرو بن العاص يعتبر عابد الصحابة، ولهذا لما تكلم فيه الزمخشري، جار الله محمود المعتزلي، تكلم في عبد الله بن عمرو بن العاص، لماذا تكلم فيه؟ لأنه روى أحاديثا تخالف بدعهم فيما يتعلق بالنار وخروج الموحدين من النار إلى غير ذلك. رد عليه الشوكاني اليماني رحمه الله تعالى فقال له: إلى أين يا محمود برجلك العرجاء ويدك القصيرة تريد أن تتناول نجوم السماء، تريد أن تتناول نجوم السماء. وهذا كله من باب الذب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم. قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو نموذج ومثال لطالبي العلم المجتهد، كان يكتب ما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا أبو هريرة يذكر أنه ليس هناك أحد أكثر حديثا منه غير عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: فإنه كان يكتب، ولا أكتب، ولا أكتب. عاب عليه بعضهم أنه يكتب من النبي صلى الله عليه وسلم ما يسمع، فقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم في حال الرضا وفي حال الغضب إلى غير ذلك. فجاء وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «اكتب، اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». أي من في النبي صلى الله عليه وسلم. هم يا إخوان، في طلب العلم اليوم يجلس طالب العلم لا كتاب ولا دفتر ولا قلم ولا شيء، ولا شيء، ماذا عساه أن يحفظ؟ وماذا عساه أن يعي؟ أدركنا بعض زملائنا كان يكتب ما يسمعه من المشايخ، يكتب الدرس كله وهو يكتب، ثم بعد ذلك يأتي ينقح ويفرز الفوائد، فوائد العقيدة في كراسة العقيدة أو في قسم العقيدة، وفوائد الفقه في مجال الفقه، فوائد المصطلح في قسم المصطلح، فوائد عامة، فوائد في الجرح والتعديل إلى غير ذلك. حرص يا إخوان على صيد الفوائد، وهكذا اغتنام الفرائد التي تسمع من المعلم، وهذا أدعى إلى حضور الطالب، لما يكتب ويسجل ما يسمع من الفوائد، اعلم أنه حاضر. وإذا رأيته يلتفت يمينا وشمالا، ولربما صعد وخفض في رأسه، اعلم أنه يذهب ويرجع، يذهب تارة يمنه ويرجع، تارة يسره ويرجع، ثم إذا سئل قال: ما سمعت. كيف ما سمعت وأنت موجود حاضر؟ فالعبرة يا إخوان بحضور القلب مع الجسد، وليس العبرة بحضور الجسد فحسب. الشعبي كان يقول: ما كتبت سوداء على بيضاء، لماذا؟ حافظ. إذا كنا مثل الشعبي ممكن يجلس الواحد في الدرس وماذا لا قلم ولا كتاب ولا دفتر. قتادة: قرئت عليه سورة البقرة حفظها من أول مرة، كان ولد أكمه، يعني ولد أعمى، قرئت عليه سورة البقرة حفظها من أول مرة. أولاء الحفاظ يخرج أحدهم إلى السوق فيضع قطنا على أذنه، لماذا؟ لأنه إذا سمع شيء يحفظه، ما يريد يسمع البطاط بكذا والسمك بكذا، وذاك يصيح على الآخر ويقول له: أنت فعلت كذا وكذا. لا، إيش الفائدة أن يسمع فيحفظ؟ فيجعل على أذنه شيء من القطن لكي لا يسمع اللغو وما لا فائدة منه. لكن إذا جلسوا في مجالس العلم كانوا قلوبا واعية وآذانا صاغية، يسمع أحدهم فيحفظ، وإذا لم يحفظ كتب فحفظ، أو أخذ عن زميله فنقله عنده. وهكذا يا إخوان، نحن أحوج ما نكون إلى أن نتحلى بأولئك العظمة، وأولئك الهمم، المتقدمين، وكذا أيضا في علمائنا المتأخرين المعاصرين، بقية خير وعلم وفائدة. قال رحمه الله تعالى: قال، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». قال: وفي رواية أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس. قال: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم، يعني بيمين هو فيها كاذب، هو فيها كاذب. وإشهاد من هذا إيراد اليمين الغموس ضمن الكبائر، أي كبائر الذنوب التي توعد أصحابها بالنار، وهكذا بالغضب أو اللعنة، أو ترتب على بعضها حدا في الدنيا يقام على، على صاحبه، على صاحبه. ومن وقع في شيء من ذلك فالواجب أن يسارع وأن يبادر إلى التوبة النصوح، وأن يرد المظالم إلى أهلها وذويها. أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم بما نقول ونسمع، وأن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. هنا تنبيه يا إخوان حول ما يتعلق بالإخوة الذين ينامون أثناء دروس الصباح. من المؤسف يا إخوان، الدروس تقام والبعض ينام في وسط المسجد أو يتخذ له زاوية يناموا فيها، لا يصلح، لا يصلح. من نام ويعلم من نفسه ثقلا في النوم يجعل من يوقظه، الحارس موجود، قل: يا أخي العزيز أنا هنا نائم، أيقظني، وإلا سيوقظ بماذا؟ وإلا سيوقظ عن طريق الحارس، الحارس يأتي أي واحد نائم وقت الدروس يوقظه بالعصا، يوقظه بالعصا. قلنا: من علم من نفسه ثقلا في النوم يجعل من يوقظه، أو ينبه الحارس: أنا هنا موجود، أيقظني إذا بدأت الدروس، إذا بدأت الدروس. فهذه ظاهرة سيئة بدأت تظهر، النوم أثناء الدرس، البعض ريس معه درس، يلتحق بدرس يناسب مستواه، أنت ما شاء الله عليك مستفيد، عندك حصيلة، لست محتاجا إلى هذه الدروس، تعال كلم المسؤول عن الدروس وقل: أنا، أنا، أنا عندي ما عندي، الرأي أنك تصلح إلى أنك ممكن تفرغ، وماذا لا تحضر؟ وإلا فالواجب على الجميع أن يلتحق بدرس يناسبه، بدرس يناسبه، ما يصلح الناس تدرس والبعض نائم، الناس تدرس والبعض جالس. فدروس المستويات كما سمعتم وعلمتم من أجل الجميع، كان عنده ظرف، عنده عذر، عنده أمر أو آخر، يأتي ويجد صدورا رحبة وواسعة تسمع وتعي وتقبل، إن شاء الله عز وجل. ما عنده التنبيه الثاني: يوم الجمعة، يوم الجمعة أثناء الخطبة، البعض يريد ينصرف يستأذن، لا، ما في استئذان أثناء خطبة الجمعة، إذا احتاج الحمام يذهب ويرجع ولا يستأذن أثناء الخطبة، هذا من الأخطاء التي قد تقع، ماذا بسبب حسن الأدب وحسن الظن قد يقع فيها البعض، فكان التنبيه على ذلك. طيب، إلى هنا يا إخوان، وجزاكم الله خيرا، شكرا.