كتاب الأمور المنهي عنها 58

كتاب الأمور المنهي عنها 58

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 58، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

لغو اليمين وكفارة اليمين المقصودة

يشرح المقطع مفهوم لغو اليمين الذي لا كفارة فيه وهو ما يجري على اللسان بلا قصد، مستدلاً بالآية الكريمة. ثم يبين كفارة اليمين المقصودة عند الحنث وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مع تفصيل الشروط.

كفارة اليمين: ترتيب الخيارات وشرط العجز قبل الصيام

يوضح المقطع أن تحرير رقبة من خيارات الكفارة وأن الصيام لا يجوز إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو التحرير. كما يؤكد على وجوب حفظ الأيمان وعدم التسرع فيها مع التفريق بين اليمين المنعقدة واللغو.

كراهة الحلف في البيع وآثاره على البركة والكسب

يبين المقطع كراهة الحلف في البيع حتى لو كان صادقاً لأن الحلف ينفق السلعة لكن يمحق البركة والكسب. يستدل بأحاديث أبي هريرة وأبي قتادة ويوضح معنى متفق عليه في مصطلح المحدثين.

الخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين. ويقر بأن الله تعالى أعلم بكل شيء.

  • 20 جمادى الآخرة 1446هـ - 21/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: "باب العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه". قال: "وهو أي لغو اليمين"، قال: "هو ما يجري على اللسان بغير قصد اليمين، كقوله على العادة"، أي: ما اعتاده الشخص أو اعتاده الناس. قال: "كقوله على العادة: لا والله، وبلى والله، ونحو ذلك". قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. ما أكدها صاحبها وأتى بلفظ اليمين مع قصد اليمين والحلف. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. فكفارته أي: إذا حنث، حلف وأكد اليمين ثم حنث، حلف أنه يفعل شيئًا ثم لم يفعل، أو أنه لا يفعل أمرًا ثم فعله، هذا حنث. فما هي كفارة اليمين؟ قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فأي الثلاث على التخيير، فأيها فعل أجزأ ذلك في كفارة اليمين. فأطعم عشرة مساكين، والمسكين هو من أسكنته الحاجة، عنده شيء لكن لا يكفيه، قد يكون موظفًا وله راتب لكن لا يكفيه، قد يكون عاملًا يتقاضى أجرة لكنها لا تسد حاجته، فهذا يقال له مسكين. قال الله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمُسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾. لمساكين: قيل يملكونها، وقيل يعملون فيها. ﴿لِمُسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾. فإطعام عشر مساكين، وهذا الإطعام قد يكون فطورًا أو غداء أو عشاء، هذا الإطعام... آه، ماذا يكون؟ في أي وقت من الأوقات. ويحسب المسكين صغيرًا كان أو كبيرًا، أهم شيء أن يكون ممن يأكل الطعام. فلو كان ابن ثلاث أو أربع أو خمس سنوات ويأكل، فيحسب في تعداد المساكين. كان شابًا، كان شيخًا، رجلًا، امرأة، يدخل في ذلك، أو يدخل ذلك في المساكين. ويجوز أن يخرجها نيئًا، يعني غير مطبوخ، ويكون لكل مسكين نصف صاع. نصف صاع: أي ما يقارب الكيلو أو الكيلو والربع، فيكون ماذا للمسكين الواحد. ويجوز أن يخرجه جاهزًا مطبوخًا ويعطيه للمسكين. فأيها فعل أجزأ في كفارة اليمين، وهكذا في غيرها من أنواع الكفارة التي يكون فيها الإطعام، يكون فيها الإطعام. قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. إذن لا يشترط أن يتكلف ماذا يأكل، فيطعم منه، ليس شرطًا أن يأتي باللحم والمرق أو السمن والعسل أو غيرها، وإنما من أوسط... وعد لي ما يطعم الشخص أهله، يطعم الشخص به ماذا أهله. هناك خيار آخر: إذا لا يريد الإطعام، ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، أو كسوتهم، فيعطي المسكين كسوة، وما يصح أن يطلق عليه كسوة، قد يكون ثوبًا معوزًا إلى غيره. قال في الخيار الثالث: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. وتحرير رقبة: أي تحرير عبد أو أمة، وتخليصها من الرق ومن العبودية. ومن العبودية. ولاحظوا كيف أن ديننا حريص على... آه، ماذا؟ على تخليص الناس من الرق. فجاء الإسلام وقد بلغ الرق ذروته، يعني كان الرقيق، وكان الرق والعبودية كانت منتشرة انتشارًا عظيمًا، انتشارًا عظيمًا. كان للرقيق أسواق يباع فيها العبيد ويتاجر فيه بالإماء إلى غير ذلك. فحث على تحريرهم وعتقهم، وأخبر عن الأجور العظيمة التي ينالها من فعل ذلك. أنت تحرر عبدًا من الرق، فربنا عز وجل يعتق بكل عضو منه عضوًا منك من النار، عضوًا منك من النار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وها هي الكفارات يأتي في مقدمتها تحرير رقبة. تحرير رقبة. فأي الثلاث على الخيار، أيها فعل أجزأ في كفارة اليمين. قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾. فماذا نستفيد من هذا؟ فمن لم يجد، يا أبا الفاروق؟ فمن لم يجد، ماذا نستفيد من قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، بعد أن أتى بثلاثة على التخيير. قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾، أي: ماذا؟ نعم، أي أنه لا يجوز الصيام إلا إذا تعذر الإطعام أو الكسوة أو التحرير. فما يفعله البعض اليوم، عليه كفارة يمين، ماذا يفعل؟ مباشر يذهب ويصوم ثلاثة أيام، لا يجوز إذا كان مستطيعًا على الإطعام. فاستطيع تطعم عشر مساكين. قال: نعم، أستطيع. طيب، لماذا صمت؟ لماذا صمت؟ فهذه من المواضع التي يخطئ فيها الكثير من الناس. إذا... إذا لم يستطع إحدى الثلاث انتقل إلى الصيام. وصيام ثلاثة أيام: هذه يجوز أن تكون متتابعة، وهو الأفضل والأبرأ للذمة، ويجوز أن تكون متفرقة. قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. إذا حلفتم. وماذا قال؟ ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. لا يتسرع الواحد في الأيمان على الصغير والكبير: والله، وبالله، وتالله. ما الذي حملك على الاستعجال في اليمين يا إخوان؟ اليمين أمرها عظيم، ومن تعظيم... من تعظيم الله عز وجل ألا يتساهل العبد منا في الأيمان ويلقي... ويلقي بها في أي حال وعلى أي أمر. الله عز وجل يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، أي: لا تحلف ابتداء إلا عند الحاجة أو الضرورة. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، أي: أن الإنسان إذا حلف فعليه أن يفي بهذا اليمين، إلا إذا كان الخير في غيرها، فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وإذا حلف على... أو حلف يمينًا لغوًا، يقول له شخص: يعني خرج إلى الدكة، وجد صاحبه يأكل "إندومي" مثلًا، يأكل إندومي. طيب، قال له: تفضل. قال: لا، لا، شكرًا. قال: تفضل، والله، والله تفضل. أبهي، والله تفضل. ليس المقصود منها اليمين، وإنما من الكلمات التي تجري على الألسن ولا يراد بها اليمين، وإن كان ظاهرها ولفظها اليمين. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. إذا نية اليمين تكون موجودة. طيب، وإذا حلف يمينًا لغوًا، فـ... آه، ماذا؟ فليست منعقدة، ولا يلزمه أن يحنث ويكفر إذا لم يفعلها. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: في قول الرجل. وذكر الرجل هنا على سبيل... ماذا؟ ذكر الرجل هنا يا أبا عبد الرحمن على سبيل التغليب، وإلا فيدخل فيه قول المرأة. قالت: في قول الرجل: لا والله، وبلى والله. قال: رواه البخاري. وصحابة رضي الله تعالى عنهم هم أعلم بالتنزيل، نزل القرآن فيهم، فقول أحدهم: نزلت في كذا، أو... ماذا؟ جاءت في كذا، فهذا له حكم الرفع. قال رحمه الله تعالى: "باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا". كراهة الحلف في البيع، والكراهة قد تأتي للتحريم، والكراهة قد تأتي للتنزيه. وفي اصطلاح السلف، الغالب إطلاقهم للكراهة على التحريم. قال: "كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا". وهنا الكراهة في هذا الحديث محمولة على كراهة التنزيه. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الْحَلِفُ مُنْفِقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ». متفق عليه. ما معنى "متفق عليه" يا أبا فواز؟ أخرجه البخاري ومسلم. زد: أخرجه البخاري ومسلم، وماذا؟ نعم يا أبا أحمد: أخرجاه بلفظه ومعناه. طيب، أحسنت. الأخوة يرفعون... يا أبا مصطفى: نعم، عن صحابي واحد أو من حديث صحابي واحد يقال له متفق عليه. وإذا أخرجه البخاري عن أبي هريرة مثلًا ومسلم عن ابن عمر، لا يقال فيه متفق عليه، وإنما يقال: أخرجه الشيخان، أو البخاري ومسلم، إلى غير ذلك. وقوله: «الْحَلِفُ مُنْفِقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ»، أي: مُنْفِقَةٌ رواجها وبيعها أو شرائها، إذا حلف صاحبها عليها. لكن... لكن قوله: «مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ»، ممحقة: يعني مذهبة لبركة البيع والشراء، كما جاء في رواية البخاري. قال البخاري في روايته: «مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». ومسلم رحمه الله تعالى قال: «مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ»، للكسب. قال: عن أبي قتادة رضي الله عنه، ما اسمه أبو قتادة يا أبا حاتم؟ الحارث بن ربعي الأنصاري، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو قتادة يا إخوان، فارس وبطل من أبطال الإسلام. قال: عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِيَّاكُمْ». ما معنى «إِيَّاكُمْ» يا أبا نصر؟ لما تقول لشخص: إياك، أنت تأمره أو تحذره؟ تحذره. إذن هي اسم فعل أمر بمعنى: احذروا، احذروا. قال: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ ثُمَّ يُمْحِقُ». رواه مسلم. قال: «فَإِنَّهُ يُنْفِقُ»، أي: السلعة. والله أعطيت فيها كذا، والله أنها كذا وكذا، فهذا سبب لرواج وإنفاق السلعة والبضاعة. لكنه... ماذا؟ يمحق بركة الرزق وبركة البيع والشراء. إذن في البيع والشراء يجتنب الحلف، بالنسبة للبائع أو للمشتري، ولا يحلف إلا عند الحاجة، عند الحاجة. إذا طلب منه وألح عليه، فيحلف إذا كان صادقًا، وإلا فالأصل أنه... ماذا؟ لا يحلف. وأما إذا حلف بالله كاذبًا، فهذه يمين غموس، وهي تعتبر من أكبر الكبائر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا وصل. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.