الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 59، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يناقش المقطع حديثين، أحدهما ضعيف ينهى عن السؤال بوجه الله إلا للجنة، والآخر صحيح يأمر بإجابة من استعاذ بالله وإعطاء من سأل به. كما يفرق بين الاستعاذة كطلب دفع الضرر قبل وقوعه والاستغاثة كطلب رفع الضرر بعد وقوعه.
يبيّن المقطع أحكام الاستجابة لمن سأل بالله كسنة، ووجوب إجابة دعوة الوليمة، واستحباب مكافأة صانع المعروف. ويستشهد بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع المطعم بن عدي وموسى عليه السلام مع والد المرأتين.
يوضح وجوب مقابلة المعروف بالمعروف أو الدعاء بالخير عند العجز عن المكافأة. ويحرم إطلاق ألقاب مثل «شاه شاه» أو «ملك الأملاك» على البشر لأنها مختصة بالله وحده.
يؤكد المقطع على وجوب أدب المخلوق تجاه خالقه سبحانه. ثم يختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله مع ذكر اسم المترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، قال في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال: باب كراهة أن يسأل بوجه الله غير الجنة، وكراهة من سأل بالله تعالى وتشفع به وتشفع به. قال رحمه الله تعالى: قال عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، لا يسأل بوجه الله إلا الجنة». قال: رواه أبو داود، والحديث ضعفه غير واحد من أهل العلم، فهو من طريق سليمان بن المعاذ وهو ضعيف، وقد ضعف الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في ضعيف الجامع وغيره، وهكذا ضعفه شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. وقوله: «لا يسأل» أي لا يطلب بوجه الله، أي أن يقول السائل لغيره: أسألك بوجه الله، أسألك بوجه الله. قال: «إلا الجنة، إلا الجنة» أي إلا ذلك النعيم المقيم عند رب العالمين تبارك وتعالى. وكما سبق فالحديث لا يصح. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعيدوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». قال: حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي بأسانيدهما الصحيحين. وهذا الحديث يوجه فيه النبي صلى الله عليه وسلم ويحث ويحبب على هذه الأمور العظيمة الكريمة. قال: «من استعاذ بالله فأعيدوه»، والاستعاذة هي طلب العوذ، وهو الالتجاء والاحتماء والاعتصام بالله تبارك وتعالى. والاستعاذة بالله عز وجل عبادة عظيمة، عبادة عظيمة أمر الله عز وجل بها، ولهذا عندنا في المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وهكذا ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وهكذا الأمر بالاستعاذة في سور عديدة وآيات كثيرة. والاستعاذة تكون بطلب دفع الضرر الذي يخشى وقوعه، يعني قبل أن يأتي الضرر ويقع، فيستعاذ العبد بالله عز وجل من ذلك. أما الاستغاثة وهي طلب الغوث، فهي تكون طلب رفع الضرر الذي وقع ونزل بالشخص أو بالبلاد والعباد. وقوله: «من استعاذ بالله فأعيذوه» أي سأل بالله عز وجل أن يمنع ويكفي، وهكذا يجار من شر قد يقع. استعاذ بك شخص في أمر تقدر عليه وهو دفع ذلكم الظالم، فماذا قال؟ «فأعيذوه، فأعيذوه». وهذا فيه الحث على إجابة من استجار واستعاذ بالله عز وجل، وذلك كله إجلالاً وتعظيماً لله تبارك وتعالى. قال: «ومن سأل بالله فأعطوه»، من سأل بالله أي أن يعطى شيئاً، يقول: أسألك بالله إلا أعطيتني هذا. فالأكمل والأفضل إذا كان المسؤول يقدر على الإعطاء أن لا يرد هذا السؤال، وليس هذا على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب والحث والحض على مثل هذا الأمر العظيم. قال: «ومن دعاكم فأجيبوه»، والدعوة التي يجب إجابتها هي دعوة الوليمة، دعوة الزواج. أخوك صنع لك طعاماً وأحب أن تأتي فتكون معه، ألا يستحق أن يكرم وأن يؤتى؟ وهكذا، تجاب دعوته. ومن لم يجب الدعوة فقد عصى، عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. إذن إجابة دعوة الزواج هذه واجبة، وهي من حق المسلم على أخيه المسلم. أما غيرها فمن باب الاستحباب، وهكذا الإكرام. قال: «ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه»، «كافئوه» أي قابلوا هذا المعروف بالمعروف، والإحسان كذلك بالإحسان. وهذا فيه بيان لصفة عظيمة من صفات المتقين وعباد الرحمن المؤمنين، ألا وهو أنهم يعرفون الفضل لأهله. ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. والمعروف يا إخوان الذي يصنع بمثابة دين عند المصنوع له، وينبغي أن يكافئ من صنع إليه المعروف. النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف، رجع وقد عامله أهل الطائف بتلكم المعاملة السيئة، وينتظره بمكة الأذية إذا هو رجع، فطلب من يجيره، من يدخل في حمايته، فكلم غير واحد فلم يجبه، أجابه المطعم بن عدي، أحد صناديد قريش وكبار المجرمين والمشركين بها. فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم الجوار فأجاره، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه وأمامه المطعم بن عدي وأولاده قد لبسوا الحديد وأخذوا السلاح، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وطاف حول الكعبة سبعة أشواط. فلما كان غزوة بدر الكبرى وأسر المسلمون، أسروا سبعين من المشركين، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لأعطيتهم إياه». انظر معرفة المعروف ورد الجميل لأهله. موسى عليه الصلاة والسلام لما سقى لتلكم المرأتين، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل، كافأه والد المرأتين بماذا؟ بأن أكرمه واستضافه، وعرض عليه أن يتزوج بإحدى ابنتيه. إذن لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه. أما اللئيم يا إخوان، ما يعرف المعروف ولا يقابل الجميل إلا بالجحود والإنكار والإساءة. إذن من صنع إليك معروفاً اعتبره ديناً ينبغي أن يرد، وينبغي أن يقابل برد الجميل. وكما كان يقال قديماً: «لا يفرح برد الهدية إلا من لا يكافئ». يريد الناس يعطوه ويعطوه، وما يظن أن هذا العطاء ينبغي أن يقابل بماذا؟ بالمعروف، ورد الجميل إلى أهله، رد الجميل إلى أهله. وإذا لم يجد الإنسان ما يكافئ به صاحب المعروف، كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية، وماذا؟ يثيب عليها. يقبل الهدية ويثيب عليها. فإذا لم يجد الإنسان ما يعطيه لمن صنع إليه المعروف، ماذا يفعل معه؟ يا أبا جعفر، أعطاك قلماً جميلاً أو ثوباً جديداً أو طعاماً لذيذاً، أنت ما تدري ماذا تعطيها الآن، ماذا تفعل معه؟ معاملة خير، وماذا وعد؟ دعاء خير. نعم، أحسنت. ومن دعاء الخير على صف الرابع عندهم في المقرر، فأين فرسانكم؟ أرأيتم؟ لا، بس، نعم. نور الدين، صنع إليك شخص معروفاً، ومثل ما سبق في الأمثلة، قال أبو جعفر: تدعو له بماذا؟ تدعو له: جزاك الله خيراً. هذا يا إخوان يعني من صنع ذلك فقد أبلغ في الثناء، فقد أبلغ في الثناء. قال رحمه الله تعالى: قال: باب تحريم قولي «شاه شاه» للسلطان وغيره. «شاه» أي ملك، و«شاه شاه» أي ملك الملوك. قال: لأن معناه ملك الملوك، ولا يوصف بذلك غير الله سبحانه وتعالى. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله عز وجل رجل تسمى ملك الأملاك». متفق عليه. قال سفيان بن عيينة أحد رجال إسناد الحديث: «ملك الأملاك مثل شاه شاه». وهذه في أصلها في لغة الفرس، في لغة الفرس، وهم يكثرون من هذه الألقاب. وملك الإنسان يا إخوان ملك قاصر، الملك لله، أي الملك المطلق. وأما ملك الإنسان فملك قاصر مقيد، ملك ضعيف. ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتعاظم في هذا الباب مهما ولي من الملك، وإنما يجب عليه أن يتحلى بالتواضع. أما الكبرياء والعزة، فالعزة المطلقة إنما لله تبارك وتعالى. ولهذا يأتي شخص مثلاً يبالغون في هذا، يقال: السلطان المعظم، السلطان المعظم، وهكذا صاحب الجلالة، ونحوها من الألقاب التي ينبغي أن يبتعد عنها لما فيها من التعظيم المفرط للمخلوق. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من سمى نفسه أو سماه غيره بمثل هذا، فهذا يدل على الذل والصغار الذي ينال هذا الشخص. وهكذا أيضاً الحديث فيه النهي عن التسمي بأسماء الله الحسنى التي خص نفسه بها، أو المضاهاة والمشابهة له في صفة من صفاته العليا. وذكروا أن من هذا القبيل: «أقضى القضاء»، بعضهم يذكر «قاضي القضاء»، لكن «أقضى» على صيغة أفعل، هذه المنهي عنها. و«قاضي القضاء» هذه قد أجازها من أجازها من أهل العلم. فعلى كل، هذا الحديث فيه وجوب الأدب من المخلوق تجاه الخالق سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر