الدرس في شرح كتاب التوحيد 138، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر من تعلم النجوم ويربط بينه وبين السحر، موضحًا أن من يخوض في علم النجوم يدخل في دائرة السحر بغض النظر عن نواياه أو حجته.
يناقش تحريم بعض أنواع علم النجوم والتأثير والكهانة، ويبين أنها جزء من السحر، ويحذر من الانخداع بتصوير السحر على أنه فن مسلي أو ممتع في الحضارة الغربية.
النظر إلى النجوم قد يكون جائزًا للاستدلال بالجهات أو معرفة المواسم، لكنه يصبح محرمًا إذا استخدم لمعرفة الغيب أو التأثير في الخير والشر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبةً من النجوم، فقد اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد»، رواه أبو داود بإسناد صحيح. والأمر كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، هذا الحديث الذي بين أيدينا إسناده صحيح، وقد أورده شيخنا الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة»، وهكذا شيخنا الوادعي في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». والمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث في باب ما جاء في ذكر أنواع من السحر. وقد مضى معنا في درس أمس الحديث الأول الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى، وأشار فيه المؤلف إلى ما يتعلق من أنواع السحر، ما يكون من العيافة، وما يكون من الطرق، وما يكون من الطيرة، وأشرنا إلى المعاني المذكورة عند أهل العلم والمسائل المبثوثة في هذه الأحكام. وها هنا انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذا الحديث لكي يبين لنا نوعًا من أنواع السحر، وأنواع السحر كثيرة جدًا، كما سيأتي معنا. وفي هذا الحديث الذي يقول فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس من النجوم»، وهي تفيد العموم، فكل من خاض في هذا المضمار فهو يدخل في الحديث، بغض النظر عن حجته، وبغض النظر عن عذره، من كان، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، عظيمًا كان أو حقيرًا، من دخل في هذا المجال فقد دخل في السحر، كائنًا من كان. قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس»، اقتبس إما أنها بمعنى تعلم، وهذا ما أُخذ من اللغة، اقتبست العلم أي تعلمته، فالاقتباس بمعنى التعلم، أو الاقتباس بمعنى الأخذ، والأخذ، وكل المعاني واردة، أي من تعلم علم النجوم أو من أخذ علم النجوم. من اقتبس شعبة من النجوم، شعبة أي طائفة، طائفة، جزء وبعض، من اقتبس شعبة من النجوم، أي من علم النجوم، فدل على أن النجوم عبارة عن علم، وما يسمى الآن بعلم الأفلاك، علم يسطر ويدوّن ويدرّس. فقال عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس شعبة من النجوم»، أي من علم النجوم، فقد اقتبس، أي فقد تحصل من هذا الاقتباس على ماذا؟ فقد اقتبس شعبة من شعب السحر، أي هو في حقيقة حاله، وإن كان قد أخذ من علم النجوم، فهو في الحقيقة قد أخذ من علم السحر. زاد ما زاد، أي كلما زاد أخذًا من هذا العلم من علم النجوم، فإنه في الحقيقة قد زاد في علم السحر. قد مضى معنى أن السحر كفر، أن السحر كفر، هذا معنى هذا الحديث بشكل عام: «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». وعلم النجوم إخواني في الله، كما سمعنا، عبارة عن علم كبير، وهو طوائف وشعب، وهو ليس على منوال واحد، بل هو على عدة محاور، ولهذا قسم العلماء علم النجوم إلى عدة أقسام، منها ما يكون من العلم الجائز، ومنها ما يكون الذي لا يجوز، وهو محرم، بل يصل إلى حد الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ومنها ما يصل إلى حد الشرك الأصغر. والمؤلف رحمه الله تعالى سيأتي معنا في باب سيأتي، بابًا يتعلق بهذا الأمر، سماه «باب التنجيم»، «باب ما جاء في التنجيم»، سيأتي معنا التفصيل في مسألة علم النجوم. لكن يهمنا في هذا الباب أن نفهم هذا الحديث على هذا الفهم، ألا وهو أن من علم النجوم، وهو النظر في النجوم وأخذ شيء من علمه من علم الأفلاك، ما يصل إلى حد السحر، وهو على صور، منها ما يكون ما يسميه العلماء بعلم التأثير، أن يظن الظان أن مجرى الأفلاك وتحرك الكواكب ومسار النجوم أنه يؤثر فعلًا وقصدًا وعمدًا في حوادث الأرض. حتى إن بعضهم لربما يريد أن يعرف أمور الخير والشر عن طريق النظر، وهذا من بعض فعل أهل الكهانة، فعل أهل الكهانة، الكهان، وسيأتي لنا فصل خاص بهم، يتفننون في معرفة علم الغيب، يتفننون في معرفة علم الغيب، ذاك يتخذ الطرق، قد مر معنا، ومنهم من يتخذ النار، سيأتي معنا، ومنهم من يتخذ مسألة النظر في الكف، ومنهم من يتخذ القراءة في الفنجان، ومنهم من يتخذ النظر في النجوم، فهو علم السحر. علم، حتى قد مر معنا في أوائل كتاب السحر أن من أهل العلم من نظر إلى كل التعاريف الموجودة في تعريف السحر لم يرتضها، لماذا؟ قال: لأنها ليست جامعة مانعة، كما صرح بهذا الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في «أضواء البيان»، عندما أشار إلى أن السحر لا يمكن أن ينضبط بضابط لكثرة فنونه وصوره وأجزائه، كثيرة جدًا. وما الكهان إلا جزء من السحر، وما العيافة وما الطرق وما القراءة في الفنجان وغير ذلك من علم التأثير والاستمداد من الشياطين والنجوم إلا جزء من أجزاء علم السحر، وهو علم، علم خبيث، من دخل في غماره أو بقى في غمرته، هلك دينه ودنياه، ولا تغتر يا عبد الله بما نسمعه في هذه الحضارة الغربية أنهم يقدسون علم السحر، يسمونه الآن بماجيك، أي السحر، ويصورون أهل السحر بأنهم أناس يأتون بالبهجة للأطفال، وأنهم بهذه العصر السحرية يحولون هذا الشيء إلى دمى متحركة ويظهرون الفرح. لا يا عبد الله، هذا السحر، هذا ضحك على الذقون، بل كان أهل الغرب هؤلاء الذين هم الآن يلمعون علم السحر، بالأمس كانت أوروبا عندهم أنهم يحكمون على الساحر بحكم واحد، كل من ثبت عنه السحر حكمه شيء واحد، ألا وهو أن يحرق حيًا، هذا معروف، من نظر إلى الحضارة الغربية قديمًا، كانوا لا يتهاونون أبدًا في السحر، كان الساحر ممقوتًا في كل الشرائع والأديان والمِلَل والنحل، ليس في الإسلام بل في جميع الأديان. حتى في الحضارة الغربية، إذا عثر على أن امرأة تزاول السحر أو أن الرجل يتعاطى السحر، مباشرة يقيدونه في سارية، ثم يجمعون تحته الحطب، ثم يحرق وهو حي، تنكيلًا بفعلته وجريمته الشنعاء، لأن السحر كان منبوذًا في الأمم لعظيم خطره. وجاء الإسلام على هذا المنحى، لكن ليس بهذه الصورة، وإنما يقتل ضربة بالسيف، أو بأي صورة من صور الإعدام، يقتل الكافر، لكن بالأمس كانوا يتفننون في تعذيبه، هذا كان، لكن الآن تجد أن الغرب بالعكس، وهم في كل ما دخلت عليهم الأزمان انتكست عليهم الفطر، فأصبحت المحرمات عندهم من الجائزات، وما كان من المباحات أصبح عندهم من المحرمات، انتكست فطرهم لانتكاس دينهم وأخلاقهم. حتى قد بلغنا أن من رؤساء الدول الآن من لربما يتعاطى أو يجعل من عماله كاهنًا، قد جاء هذا في التقارير الإخبارية، على أن بعض الرؤساء يستعين بالكهنة، ويجعل من مستشاريه كاهنًا، وهذا يعطيه الأخبار في الانتخابات المستقبلية، كم نسبة النجاح تتوقع لي؟ فيأتي الكاهن يقرأ في النجوم وفي الكواكب وفي الأفلاك ويعطيه نسبة النجاح، فتجد هذا الزعيم يركن إلى قول الكاهن، فيأخذ بأسباب الفشل، يحاول أن يتملص، يحاول أن يسرق الأصوات، يحاول أن يرتشي وغير ذلك حتى يأتي الكاهن بالنسبة المتوقعة في نجاحه، هذا موجود الآن. يصغون ليتا للسحرة والمشعوذين والكهان، ولكن أهل الإسلام أمرهم نبينا صلى الله عليه وسلم بتكذيب السحرة ولعنهم وعدم تصديقهم. ومما أذكر في التاريخ الإسلامي أن حادثة وقعت لبعض الأمراء من أمراء المسلمين، أنه أراد أن يغزو بلدة لكي يحررها، وعلى ما أظن -إذا ما كنت قد نسيت- أظن في فتح عمورية، في فتح عمورية، فأراد هذا الإمام الهمام أن يغزو تلكم البلاد، إذ كان من بعض الأصوات النشاز من أصحاب الكهانة وممن ينظر في النجوم أنهم حذروا الإمام من الخروج في هذه الأوقات، وأن هذه أوقات نحس، وأنها مشؤومة، وأنك إن خرجت ستفشل ويقضى عليك وعلى جيشك. إلا أن هذا الإمام استعان بالله وما بالى، وهذا الذي ينبغي، عدم المبالاة؛ لأن هؤلاء من إخوان الشياطين، فمضى واستعان بالله وأخذ من أخذ من جنده وقاتل حتى انتصر وفتح الله على يديه. وكان من بديع ما قيل من الأبيات في هذا الفتح ما ذكره أحد الشعراء بقوله: «السيف أصدق أنباء من الكتب»، أي من كتب السحر والكهانة، «السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب، بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب»، ثم ذكر أبياتًا يمدح فيها الإمام، وحق له أن يمدح؛ لأنه ما انصت للكهنة ولا للمشعوذين ولا لمن يقرأ في النجوم. الشاهد إخواني في الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن النظر في النجوم، وهذا النظر يستمد منه العلم بالغيب أو معرفة الخير والشر، هذا من علم السحر. ومن هنا عندما وقعت ظاهرة الكسوف في زمنه عليه الصلاة والسلام، أشار إلى هذا عليه الصلاة والسلام بقوله: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله»، ثم علق على مسألة الكسوف: «يخوف الله بهما عباده، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»، لأن لها تعلق بحصول الخير من ميلاد عظيم، أو لها أثر في الشر من موت عظيم، ليس لها علاقة. «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخوف الله بهما عباده، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»، فهذه إشارة إلى أن علاقة المسلم بالأفلاك والنجوم لها حد، لها حد، وهذا سيأتي معنا كما قلنا في باب أعده المؤلف رحمه الله تعالى في «باب التنجيم»، وسنتعرف عينها بالتفصيل على كيف أن يكون النظر إلى النجوم من الأمور المحرمة، بل تصل إلى حد الشرك، إما الأكبر وإما الأصغر، أو أن النظر إلى النجوم قد يكون جائزًا، قد يكون جائزًا في الاستعانة مثلًا بالجهات، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، أو كذلك معرفة بعض المواسم من مواسم البحار ومواسم الثمار، هذا سيأتي معنا في التفصيل. لكن الذي يذكره العلماء في باب السحر المحرم أنك تستمد من علم النجوم التأثير في الخير والشر أو في معرفة علم الغيب، هذا ما أذكره في هذا المقام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.