شرح كتاب التوحيد 139

شرح كتاب التوحيد 139

الدرس في شرح كتاب التوحيد 139، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

السحر بالنفث في العقد ومعناه

يتناول شرح حديث أبي هريرة حول السحر بالنفث في العقد، ويبين معناه وعلاقته بالشرك. يوضح أن الحديث ضعيف السند لكن صحيح المعنى.

استخدام النفث في العقد في السحر والرقية

السحرة يستخدمون النفث في العقد لتعزيز السحر، وقد ذكر الله النفاثات في العقد في القرآن، واستخدم النبي النفث في الرقية الشرعية.

تأثير العقيدة على قوة السحر والاعتصام بالله

قوة السحر تتأثر بعقيدة الناس، والاعتصام بالله يمنح الإنسان الهداية والكفاية، والتوكل على الله يحمي من تأثير السحر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وللنساء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وُكِل إليه». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو في معرض كلامه حول بيان شيء من أنواع ومن صوري السحر. وهنا أشار إلى هذا النوع، وهما يقوم على النفس وعلى التعقيد. فذكر حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وُكِل إليه». ويكون النظر أولًا، إخواني في الله، في هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى. الحديث، إخواني في الله، الصحيح أن فيه انقطاعًا، وهو معل من جهة الانقطاع، كما أشار إلى ذلك الإمام المنذري رحمه الله تعالى، حيث علق على هذا الحديث بعد إيراده في الترغيب بقوله: رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه عند الجمهور. زد على ذلكم أن للحديث علّة أخرى، إذ أن أحد رواته رمي بالجهالة، كما أشار إلى ذلك الحافظ رحمه الله تعالى. فالشاهد أن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يصح، لكنه لم يصح سندًا، أما المعنى فصحيح. معنى هذا الحديث صحيح، ولهذا أشار العلماء إلى ذلكم، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى تعليقًا على هذا الحديث: قال: ومعناه صحيح. ومعناه صحيح، أي أن فقرات هذا الحديث قد دلت الأدلة الكثيرة على صحتها. فأن السحر يستخدمون النفث، هذا قد دلت الأدلة أن الساحر قد وقع في الشرك، قد دلت عليه الأدلة، ومن تعلق شيئًا وكل إليه، قد دلت عليه الأدلة. ولهذا فلو قلنا على ضعف الحديث، إلا أن المعنى صحيح، وفيه ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يتوصل إليه في بيان أن من أنواع السحر هذا الباب، وهذه الصور التي بين أيدينا. ففي الحديث: «من عقد عقدة ثم نفث فيها». والنفث هو النفخ مع الريق، نفخ لكن يكون مصاحبًا مع الريق، وهو أقل من التفل. التفل يكون مع خروج البصاق، خروج البصاق، أما النفث عبارة عن خروج النفخ مع الريق، هذا هو النفث. والنفث على العقد، وهي الأشياء المعقودة التي تعقد، وهذا من فعل السحرة، فهم يستعينون بهذين الأمرين: بمسألة التعقيد، ومسألة النفث. وما علاقة هاتين الصفتين بالسحر؟ أولًا التعقيد، التعقيد المراد منه عند السحرة تأكيد إبرام السحر، على قدر ما يعقد الساحر، كأنه يستوثق أن السحر قد تمكن من صاحبه، أي المسحور. ومن هنا تجد أن اعتماد السحرة كثيرًا ما يكون على الأشياء التي تعقد، يستعين بالحبال، يستعين بالخيوط، يستعين بالشعر. وحيانًا هذه العقود تكون ظاهرة، وحيانًا تكون صغيرة كالعقد الموجودة في الشعرة. يأتي بالشعرة ويعقدها، يعقد بشعرة واحدة، وهي دقيقة، لكن تخيل العقدة في الشعرة كيف تكون دقيقة غير مرئية ظاهرة. فالساحر يفعل هذا، يستعين بالعقد لقصد ماذا؟ تمكين السحر. وطبعًا الساحر أكثر ما يرجو أن يكون هذه الأشياء التي تعقد أن تكون مأخوذة من أصحابها، من المسحور، يأتي شيء من ثيابه فينتزع خيط، يأتي بشيء من شعره، من شعره، كما وقع ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه سحر بمشط ومشاطة، أخذ شيء من شعره عليه الصلاة والسلام. ولا يزال السحر إلى الآن إذا أرادوا أن يسحروا شخصًا ما، حرصوا على أن يأخذ شيء من آثاره، وعن طريق هذا الشيء تعقد به العقد، تعقد به العقد. ومن هنا كان من رأي جماعة من أهل العلم أن الإنسان إذا تخلص من شعره، سواء كان رجلًا أو امرأة، يرى بعض العلماء أن الشعر ينبغي أن يدفن، يدفن، لماذا؟ حماية لك، وهذا أثر عن الإمام أحمد، الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يرى أن الشعر يدفن، مثل إنسان حلق شعره، أو رجل حلاق مثلًا عنده شعور يتخلص منها، إن استطاع أن يدفن. أو امرأة حلقت شعرها، وخاصة الذي يقص على نفسه، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يرى هذا، وهكذا وينقل هذا كان عن بعض السلف أنه كان يفعل ذلك. فهذا الإمام استطاع أن يتخلص من شعر حتى، وكان من حجة الإمام أحمد رحمه الله لما سئل: ما السر في دفن الشعور والأظفار ونحوها؟ قال: حتى لا يعبث بها السحرة، حتى لا يعبث بها السحرة، لأن الساحر إذا ضفر بشيء يستطيع من خلاله أن يصل إليه. فالشاهد أن قضية التعقيد هذه مما يعمله الساحر. أضف إلى ذلك مسألة النفث، وهو أنه يخرج من ريقه، من جوفه، ما يكون مع العقدة، فيأتي بالعقدة ينفث عليها، العقدة الثانية ينفث عليها، العقدة الثالثة ينفث عليها. وهذا قد جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، من شر النفاثات في العقد، هذا فعل الساحر، يجمع بين الأمرين: النفث مع التعقيد. وفي هذه الآية، كما أشرنا إلى أن الله ذكر هنا الإناث، لما بالتغليب، لأن أكثر من يزاول مهنة السحر النساء، أكثر من يزاول مهنة السحر النساء، فجاء الوصف هنا للسواحر للغلبة. ومن شر النفاثات في العقد، وهكذا السحر هم بمجموعهم يستعينون على تقوية السحر بأمرين اثنين: بأمر خارجي وهو التعقيد، وبأمر داخلي ما خرج من الريق. هنا يأتي السؤال: ما علاقة النفث؟ النفث هي الطريقة التي بها يستطيع الساحر أن يخرج خبثه إلى المسحور. الساحر خبيث، جسمه خبيث، كافر من أشد الناس كفرًا، خبثه لابد أن يخرج في عمل السحر، فكيف يخرجه؟ يخرجه عن طريق الريق، فينفذ، فإذا نفذ أخرج ما في نفسه من الخباثة، فيصل هذا الأثر على السحر، فيزداد قوة: تعقيدًا ونفثًا. فالنفث هي عبارة عن طريقة موصلة للخبث الإنساني البشري. والناس يتفاوتون، ولهذا كذلك من هذا الباب مسألة العين، مسألة العين، بعض الناس لا يستوعب كيف العين تصيب، كيف هذا الإنسان هنا، وذاك الشيء في المكان يبعد عنه مسافة، ثم يصيبه بإحراق، بكسر، كيف هذا؟ قال علماء: وذلك لأن الحاسد عنده نفس خبيثة، في هذه اللحظة وهو التطلع، وأن من خبث هذه اللحظة خرج مع النظر كالإشعاع، يخرج فيصيب المحسود في نفسه، وفي ماله، وفي أهله. فالإنسان إذا عنده خبث، فإنه عن طريق هذه الطرق يخرج ما في نفسه إلى الطرف الثاني. وهذا موجود حتى في عالم الحيوانات، عالم الحيوانات يوجد هذا التأثير من خلال النظر ونحو ذلك. نرجع إلى موضوعنا: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وهكذا حتى من باب الشيء يذكر بالشيء، في باب الرقة الشرعية، الإسلام بيّن الإنسان إذا أراد أن يرقي رقية شرعية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والرقية الشرعية، فإنه يستعين في رقيته على ماذا؟ على النفث أيضًا، تريد أن تقرأ على نفسك، تجمع الكفين كما كان النبي يفعل هذا، صلوات ربي وسلامه، يجمع الكفين، ثم يقرأ القرآن، المعوذتين، ثم ينفث في يده، ثم يمسح في نفسه، أو كان يمسح على المرضى. لماذا النفث؟ إخراج ما في نفسه من الطيبة، وما حمله القلب من الإيمان، يظهر أثره في الخارج. فالشاهد، إخواني في الله، فالساحر يستعين بسحره على ماذا؟ بالنفث والتعقيد، على الإضرار بالمسحور. ولهذا في هذا الحديث: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر»، أي هذا من عمل السحر الذي لأجله يسحر غيره. قال: «ومن سحر فقد أشرك»، قد مضى ذلك معنا في أوائل باب ما جاء في السحر، وبيان أن السحر شرك، وفصلنا القضايا المتعلقة وما يتفرع من السحر. ثم قال: «ومن تعلق شيئًا وكل إليه»، من تعلق بشيء، فالله يكلك إلى هذا الشيء الذي أنت اعتمدت عليه. وهذا قد جاء مصداقه في أحاديث صحيحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: قال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري، تركته وشركه، أنت وشركك، أنت وشركك». فالله يحيلك إلى ما اعتمدت عليه، وما ركنت إليه. وهكذا في هذا الحديث: «ومن تعلق شيئًا وكل إليه». وهنا مسألة، يفيد إذا أختم بها المقام، أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتتعلق كذلك بهذا الكلام: «من تعلق شيئًا وكل إليه». قوة السحر، إخواني في الله، يستمد قوته من عقيدة الناس. قوة السحر يستمد قوته من عقيدة الناس، من عقيدة الناس. ولهذا فلو أن سحرًا ما عمل هنا، ونفس السحر عمل هنا، ونفس السحر عمل هنا، تجد أن تأثيره يختلف، مع أن الساحر واحد، والسحر هو هو. ما الذي يحدد قوة السحر؟ قال العلماء: البيئة، البيئة الإيمانية. قال العلماء: إذا وجدنا أن ساحرًا ما أراد أن يعمل السحر في بلاد المسلمين، نعم له أثر، لكن أثر هذا السحر لو أنه فعله في بلاد الكفار، من اليهود والنصارى، فإنه أعظم أثر. وهذا السحر لو أنه فعله عند الوثنيين، فإنه أشد خطرًا، مع أنه الساحر واحد، والسحر هو هو. ما تغير؟ نفس الكلمات، نفس العقد، والتنفيذ هو هو، لكن ما الذي جعل هذا السحر يقوى هنا، ويقوى هنا، ويقوى هنا؟ العقيدة الموجودة، العقيدة الموجودة. ولهذا، إخواني في الله، من ذهب إلى بلاد الملاحدة، إلى بلاد الوثنيين، إلى بلاد المشركين، ينبهر بقوة السحر، قوة عجيبة، لأن العقيدة خاوية. اذهب يا عبد الله إلى بلاد الهند، وهي القمة الآن في زمان الحاضر في الشرك والكفر والردة، شركيات ما الله بها عليم، ذاك الذي يعبد العجل، ذاك الذي يعبد الفأر، ذاك الذي يعبد الفروج، ذاك الذي يعبد الأحجار، ذاك الناس معبودات لا تعد ولا تحصى، قمة الشرك. لما كانت البلاد خاوية من العقيدة، انظر إلى أثر السحر، أصبح السحر عندهم في الشوارع، يعمل في الشوارع، تمشي هذا رجل ساحر يأتي بأفعى يلعب بها، وذاك يأتي ينام على المسامير، وذاك يأتي بسيخ هنا ويخرج هنا، هذا بلاش، تجد في الشوارع بلاش، هذا سحر ينتشر عندهم انتشارًا عظيمًا، لأن العقيدة هناك خاوية. ومن تعلق شيئًا وكل إليه، ما تعلق بالله، فجعل السحر يؤثر فيهم تأثيرًا عظيمًا. فإذا انتقلت وخرجت من بلاد الوثنيين، وانتقلت إلى أهل الكتاب، إلى اليهود والنصارى، السحر فيهم مؤثر، لكن ليس كتأثير الوثنيين. وإذا خرجت من بلاد الكفار، وانتقلت إلى بلاد المسلمين، تجد أن للسحر أثر، لكنه أثر ضعيف، مقارن بما تجده في غيرها. من أين جاء ذلك؟ قال العلماء: من العقيدة. فلما كان المسلم على عقيدة صحيحة، فإن أثر السحر يضعف فيه، وكلما ضعفت عقيدتك، فإن السحر يكبر ويؤثر فيك. ولهذا يا عبد الله، فإن من أعظم ما يتحصن به المسلم والمسلمة من أثر السحر، ما يكون من شدة عقيدته بربه، من شدة تعلقه بالله جل وعلا. ومن يعتصم بالله، فالله جل وعلا كافي وهادي، وهو حسبه جل في علاه. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.