الدرس في شرح كتاب التوحيد 141، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث "إن من البيان لسحرًا" ويبين معناه وتأويل العلماء له، حيث يرى الجمهور أنه يدل على فضيلة البيان والبلاغة. يُفسر الحديث بأن البيان يؤثر في النفوس مثل السحر.
الجمهور يرى أن الحديث يحمل على مدح البيان إذا استخدم في الحق، بينما يرى آخرون أنه قد يحمل على الذم إذا استخدم في تزيين الباطل أو رد الحق. استخدمت الفصاحة والبلاغة في بعض الأحيان لأغراض مذمومة.
يتناول المقطع ذم استخدام البيان والبلاغة إذا كان مبالغًا فيه أو تكلفًا، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذم البليغ المتكلف. استخدام البيان يجب أن يكون في نصرة الحق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحرًا»، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه. والمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث «إن من البيان لسحرًا» في هذا التبويب، والذي لا زلنا فيه «باب بيان شيء من أنواع السحر»، فأشار إلى حديث ابن عمر، والذي فيه يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان»، والبيان بمعنى الفصاحة والبلاغة «إن من البيان لسحرًا». قد يقول قائل: وما علاقة البيان والبلاغة والفصاحة بأن المؤلف أوردها في كتاب السحر؟ الجواب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف البيان بأنه سحر، قال: «إن من البيان لسحرًا»، وهنا يأتي السؤال، وهو: ما الوجه ولماذا سمى نبينا صلى الله عليه وسلم البيان سحرًا؟ قال العلماء: إن البيان، وهي البلاغة والفصاحة، تعمل ما يعمله السحر، وذلك من حيث التأثير على النفوس، إذ أن السحر في اللغة العربية هو كل ما خفي ولطف سببه، فهذا هو السحر في اللغة، والبيان كذلكم البيان يؤثر في النفوس بل تأثيرًا بليغًا. لربما تجد أن الرجل أتى على أمر، فلربما محادثة ما بينه وبين شخص آخر، يتغير تتغير فكرته ويتغير وجهة نظره الذي أتى بها، قد يكون مندفعًا، بل ربما يأتي وعليه هالة من الغضب والاندفاع والانزعاج، فلربما جلس الطرف الثاني يخرج منه بغير الوجه الذي دخل به، يتغير جذريًا، من أين هذا؟ بماذا غيره؟ هل معه عصى سحرية؟ لا، عنده لسان، بلسانه ببلاغته وفصاحته أثر، ولهذا فإن البيان والفصاحة والبلاغة تؤثر في النفوس كتأثير السحر على أصحابه، هذا الذي عناه نبينا صلى الله عليه وسلم «إن من البيان لسحرًا». تأتي مسألة وهي التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم: هل هذا الحديث خرج مخرج المدح أم خرج مخرج الذم؟ هل هذا الحديث يستفاد منه فضيلة البيان والبلاغة وأنها أمر محمود يحمد عليه فاعله، أم أنه يحمل على أن الفصاحة والبلاغة من الأمور المذمومة التي ما ينبغي أن يدخل فيها أحد؟ فهي تذم، العلماء هنا على قولين اثنين، وعلى رأيين اثنين. أكثر العلماء ذهبوا إلى أن هذا الحديث المراد منه المدح، المدح للبيان، وفيه فضيلة للبلاغة والفصاحة، كما أشار إلى ذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى، قال: الناس يتلقون هذا الحديث على أنه مدح للبيان، الناس أي العلماء يتلقون هذا الحديث على أنه مدح للبيان. ومما يؤيد هذا المعنى ويؤيد رأي الجمهور ما جاء في سبب الحديث، إذ أن الحديث في البخاري أصله ما قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «قدم رجلان من المشرق، أي من مشرق الجزيرة، قدم رجلان من المشرق فخطبا في زمن رسول الله، والنبي يسمع فخطبا»، قال: «فعجب الناس لبيانهما»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من البيان لسحرًا». فسياق هذا الحديث كيف أنهم أي هؤلاء الرجال مكنوا من الخطابة، والنبي يسمع، دل على فضل فهم من عداد الصحابة الذين قدموا من المشرق من مشرق الجزيرة، هم من أصحاب رسول الله، مكنهم نبينا بالخطابة فكانا على بيان، حتى أن الناس أعجبوا لفصاحتهم وظهر ذلك عليهم، فعلق نبينا على هذه المسألة فقال: «إن من البيان لسحرًا». ولهذا كما قلنا العلماء يرون أن هذا الحديث فيه فضيلة للبيان، ومنه يستفاد المسلم على أنه يحرص على أن يتعلم من اللغة العربية ما يكون فيه تقويم أولًا لسانِه، وأيضًا يتعلم ما يكون من البيان والفصاحة، وهذا الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد كان من صفته أنه أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام، فكان من أفصح الناس عليه الصلاة والسلام. إذن هذا مذهب الأول، مذهب الجمهور، يرون أن هذا الحديث يحمل على مدح البيان وأنه يؤثر وأن الله ينفع به، نعم ينفع به، كم من رجل ربما سلك مسلك الدعوة إلى الله جل في علاه وآتاه الله من الفصاحة، فإذا تكلم أثر، فإذا تكلم أثر ما لا يؤثر غيره، فهذا مما يمدح عليه صاحبه. الوجه الثاني والذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم من رأى أن هذا الحديث فيه الذم للبيان، فيه الذم للبيان، ولهذا الإمام مالك وممن ذهب إلى هذا المذهب، ماذا قال في موطئه؟ قال: «باب ما يكره من الكلام»، ثم ذكر هذا الحديث «إن من البيان لسحرًا»، فجعل هذا الحديث إنما يدخل في المذموم من الكلام وما كان من البيان، وهذا عليه جماعة من أهل العلم يرون أن البيان يذم وأن الفصاحة تذم. لكن قد يقول قائل: كيف تذم الذين ذهبوا إلى أن هذا الحديث يحمل على ذم الفصاحة والبلاغة؟ لهم في ذلك أوجه، وانتبه يا عبد الله إلى هذه الأوجه أو إلى بعض صوره، قالوا: أحيانًا تكون الفصاحة والبلاغة مذمومة، وذلك في بعض المواطن، منها إذا استخدم الإنسان الفصاحة في تزيين الباطل وفي رد الحق، فإذا فعل هذا صاحبه هذا يذم عليه، يذم. مثال ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعت له قضية في مرأتين قامت إحداهما ورمت أختها الحامل بحجر فأسقطت الجنين ومات الجنين الذي في بطنها، فقام نبيه بعدما تم الترافع عليه أمر المرأة الفاعلة الرامية على أنها تغرم وأن تدفع الدية غرة عبد أو أمة تدفع دية هذا الجنين الذي في البطن، جاء وليها ولي الفاعلة سمع بالحكم ما كان ينبغي إلا أن ينفذ، لكن ما الذي فعل؟ أتى إلى رسول الله قال: «يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ أمثل هذا يطل؟» أي أتى ببعض الأمور التي يراها أنها نافعة في إسقاط الدية عن مولاته، كيف أغرمه؟ أي كيف تحمل غرامة شخص وهو في الجنين لا شرب ولا أكل، لكن انظر العبارة «لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل أمثل هذا يطل؟» قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا من إخوان الكهان»، لسجعه، أي هذا ما ينبغي تفعل هذا، وهذا الكلام ما تحمد عليه، وإن كان الكلام منمق مرتب منسق، لكن في ماذا؟ في رد حق، في رد حكم شرعي، ما يجوز. وبهذا نعلم أن إذا استخدمت البلاغة والفصاحة في تزيين الباطل ورد الحق هذا يذم عليه فاعله، وهذا كثير ما نجده، تجد من بعض المبتدعة من أهل البدع ممن هو من أبعد الناس حبًا للدين، لكن عنده بدعة يستميت عليها، فلربما نصر بدعته بلسانه إذا خطب أثر، لكن على ضلالة، هذا مثل ما يذكر في ترجمة واصل بن عطاء كان فصيح اللسان، ومعتزليًا، لكنه فصيح اللسان، كذلكم محمد بن سعيد بن كلاب رئيس الفرقة الكلابية، سمي الكلابية لأنه كان ماذا يستطيع أن يجر خصمه إليه كالكلاب لفصاحته، هؤلاء نعم آتاهم الله بلاغة، لكنه مبتدعة، مبتدعة، فهل هذا البيان والبلاغة الذي آتاهم الله إياها يمدحون عليها؟ الجواب: لا، فيقال هذا ذم «إن من البيان لسحرًا» أي هذا خرج مخرج الذم، واستفاد العلماء من قول رسول الله «سحرًا» أي أن هذا يفعل فعل السحر المذموم. فهؤلاء يرى أن هذا مما تذم عليه البلاغة أن تستغل في رد الحق وتزين الباطل. ثانيًا من صور البلاغة والبيان المذموم عند الخصومة، عند الخصومات والناس، عند الخصومات الكل يأتي بحجته والحجة تكون أمر واقعي حجة شرعية، لكن من الناس ما عنده حجة إلا اللسان، يحاول أن يزين العبارة وأن يهيئ الكلام حتى يؤثر في القاضي مثلًا أو في الحاكم. فإذا تأتي إلى المحاكم مثلًا تجد شخصان على قضية على أرض أو على وثيقة أو على مال، فيأتي الواحد وهو المهندم المدرس المعلم الدكتور الذي عنده باع في اللغة، فإذا تكلم أسكت الحاضرين، أسكت أنا وأنا وأفعلت وأتيت وقدمت، ويأتي بالعبارات السجعية حتى يجعل من في المجلس يستمع ينسجم بكلام هذا المتكلم، فإذا جاء الكلام للطرف الثاني: «إيش عندك يا فلان؟» قال: «الله والله أنا ما أزهد أتكلم والله أنا ما عندي شيء والله أنا صاحب الحق»، ويترعث في كلامه، أصبح الناس ماذا؟ تسقط في أعينهم كلام هذا، هذا العام مع أن هذا العام هو صاحب الحق هو صاحب الحق، لكن مشكلته أنه ما يستطيع أن يعبر، أما ذاك الذي ما عنده حق لا زال في خصومة، لكن يستطيع أن يجر الناس إليه بلسانه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من أخيه»، انظر ليس أقوى بالحجة لكن بلسانه ألحن «ولعل بعضكم تختصمون إليه ولعل بعضكم ألحن بحجته من أخيه فمن اقطعت له من أخيه شيئًا فإنما أقطع له من النار»، انتبه أنت قد تفوز بلسانك تغرر الناس «أنا وكذا وأنه الله لكذا وأنا فعلت»، وتبكلا هو ذاك مسكين صاحب الحق ما عنده لسان، مو متعلم، رجل عامي ما يعرف يتكلم ولا يعبر، قال: «والله اسمع يا قاضي والله أنا ما نفهم شيئًا والله عندي ورقة وعندي ورث وهذا أخذت من أبي وهذا من العرفه»، إيش الكلام هذا؟ فيغرر الناس حتى يأخذ أن ماذا؟ الحق، في باب الخصومة هذا مما يذم. هذه الصورة الثانية. الصورة الثالثة كذلك مما يذكره العلماء من ذم البيان والبلاغ والفصاحة إن خرجت مخرج التكلف، التكلف والتشدق، يتشدق بالكلام يتقعر، كما جاء في الأحاديث المنهية الثرثرة والقعرة في الكلام والتشدق في الكلام، يتكلف أنه يأتي بغريب العبارات بغريب الكلمات، يتشدق بملء فمه. وعلى هذا جاء في الحديث الصحيح الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليبغض البليغ من الرجال»، لا يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلى لسانه كما تتخلى له البقرة، لماذا شبه البليغ المتكلف بالبقرة؟ يذكرون العلماء من طبيعة الحيوانات أنها تأكل بأسنانها، قال: إلا البقرة فإنها تأكل بلسانها، ولهذا من راقب ومن نظر إلى أكل البقرة لأكلها تجد أنها تستخدم اللسان بكثرة، تدير اللسان تديره داخل والخارج دائمًا اللسان في حركة يلعب يلعب. فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه البليغ المتكلف أنه يستخدم لسانه كاستخدام البقرة للسانها، كما أن البقرة تدير باللسان فهذا المتشدق يدير بلسانه يتكلف يتقعر الكلام. ونزل العلماء هذه المسألة أيضًا في مسألة الرجل إذا تكلم عند العامة وعنده عوام، فإذا به يأتي بالكلمات الصعبة والأشياء الغريبة ووحشي الكلام، حتى الجم يقول: «أوه م شاء الله كلام هذا الرجل والله هذا رجل»، وهو ماذا يريد؟ يريد الشهرة يريد الرياء يريد أن الناس ينفخون فيه، هذا الذي يريده فقط، فلهذا هذا مما يذم «إن من البيان لسحرًا». فالشاهد إخواني في الله المذهب الثاني من مذاهب العلماء من ذهب إلى أن هذا الحديث خرج مخرج الذم، بقارينة «سحرًا» والسحر لا يأتي إلا مذموم، لكن جعلوه في بعض المواضع، جعلوه في بعض المواضع. والمذهب الأول من ذهب إلى أن هذا الحديث خرج مخرج المدح وأن البيان يمدح عليه صاحبه. والصحيح في هذه المسألة إخواني في الله أنه يقال: أن البيان في حد ذاته لا يحمد ولا يذم حتى نجد ونتعرف إلى مآلاته، فمن استخدم البيان في نصرة الحق وفي إظهار دين الله وفي نصرة المظلوم وفي إرجاع الحقوق إلى أهلها وفي غير ذلك من المحاسن الحسنة، فهذا صاحب البيان يمدح على بيانه وعلى بلاغته، وأن هذا الحديث يتنزل عليه «إن من البيان لسحرًا» أي أثر على الناس حتى جعلتهم يمشون على الحق المبين. ومن استخدم البيان كما مر إما من باب التشدق والتكلف والتقعر أو استخدم البيان في إثبات خصومته دون غيره أو أراد من البيان والفصاحة تزيين الباطل، فهذا يذم عليه فاعله، فالبيان في حد ذاته لا يمدح ولا يذم حتى ننظر إلى مآلاته. فالشاهد إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث «إن من البيان لسحرًا» لأن النبي وصف البيان بالسحر لأنه يؤثر على النفوس سلبًا وإيجابًا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.