الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 14، الدرس الرابع عشر:من(والأصل في عاداتنا الإباحة*حتى يجيء صارف الإباحة ...أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ). ألقاها
الأصل في العادات هو الإباحة حتى يأتي دليل يصرفها إلى التحريم، بينما الأصل في العبادات هو التحريم حتى يأتي دليل على مشروعيتها.
الأصل في الأشياء هو الحل إلا ما حرمه الشرع بنص صريح أو عموم أو قياس صحيح، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية.
الأصل في العبادات هو التوقيف، بينما الأصل في المعاملات هو الحل حتى يأتي دليل يدل على التحريم.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من البدع في العبادات، حيث أن الأصل هو التوقف عن أي عبادة إلا إذا وردت في الكتاب أو السنة.
حتى يجيء صارف الإباحة، وليس مشروعا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، يقول رحمه الله: الأصل في العادات الإباحة حتى يجيء ما يصرف هذا الأصل من الإباحة إلى التحريم. وهكذا الأصل في العبادات الحظر والمنع، التحريم حتى يأتي الدليل على المشروعية. قال رحمه الله: هذا الأصلان ذكرهما شيخ الإسلام رحمه الله في كتبه، وذكر أن الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه أن العادات الأصل فيها الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما ورد تحريمه، وأن الأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. فالعادات هي معتاد الناس، يعني معتاده الناس من مآكل ومشارب وأصناف الملابس والذهاب والمجيء والكلام وسائر التصرفات المعتادة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله إما نصا صريحا أو يدخل في عموم أو قياس صحيح، وإلا فسائر العادات حلال. ودليل على حلها قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، هذا يدل على أنه خلق لنا ما في الأرض جميعه لننتفع به على أي وجه من وجوه الانتفاع. يقول رحمه الله: إن الأصل في العادات الإباحة، يعني معتاد الناس من المآكل والمشارب وأصناف الملابس وذهابهم ومجيئهم وكلامهم، الأصل فيه الحل، له أن يأكلوا ما شاءوا ويشربوا ما شاءوا إلا ما جاء الدليل بمنعه. فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله إما نصا صريحا، يعني جاء النص بتحريم هذا النوع من المآكل التي اعتادها الناس، مثل الخنزير، الأصل فيه الحل لكن جاء بالشرع النص على تحريمه. وهكذا أكل، مثلا، لحوم الحمر الأهلية، الأصل أنه حلال لكن جاء النص بتحريمها، حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحوم الحمر الأهلية، فلا يجوز أكلها لدلالة النص على تحريمها، فخرج عن الأصل. وهكذا المشارب، الأصل فيها الحل، ثم جاء النص بتحريم بعضها كالخمر، كل مسكر خمر، وكل خمر فهو حرام، فالخمر جاء النص بتحريمه، خرج عن الأصل فلا يجوز شربه. وهكذا أيضا اتخاذ بعض المشروبات وبعض الفواكه الحلال خمرا، فذلك لا يجوز، تصبح من النوع المحرم كما يتخذ العصير أو العنب خمرا. وهكذا أيضا في صفة المأكل والمشرب، مثلا عادة الناس أنهم يأكلون بالشمال، هل نقول الأصل على ذات الإباحة؟ نقول: نعم هذا الأصل، لكن جاء الشرع بالنهي عن هذه الصفة في الأكل والمشرب، هي محرمة، «لا تأكلوا ولا تشربوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»، هذا خرج عن الأصل. وهكذا أصناف الملابس، الأصل فيها الحل أنها حلال، فإذا جاء الدليل على تحريم بعضها خرج ذلك عن الأصل، كلباس الحرير والمعصفر، وما كان في تشبه بالكفار، فما جاء فيه النص مثل الحرير ولبس المعصفر، وكذلك اللبس الذي يكون ضيقا، لا يستر البدن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نساء كاسيات عاريات»، طيب هذا نص صريح. أو يدخل في عموم، قد يكون التحريم ليس نصا صريحا لكن في عموم النص يدل عليه، عموم النص كنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، حديث ابن عباس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يدخل فيه بعض المآكل، ليس نصا لكن في عموم هذا النص، فكل ما كان له ناب وهو يفترس به فهو داخل في هذا الحديث في التحريم. وهكذا كل ما كان له مخلب من الطير يفترس به فهو داخل في هذا الحديث، فيكون حراما يحرم بعموم هذا النص «كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع». قال: أو قياس صحيح، كذلك قد يكون التحريم بقياس صحيح، لأن الشرع لا يجمع بين المتفرق ولا يفرق بين المجتمع، قد يكون هناك حيوان لم يأت النص بتحريمه لكن فيه ضرر، فيلحق بما نهى عنه الشرع في ضرره. وهكذا أيضا، مثلا، الحق النبيذ بتحريم الخمر لجامع الإسكار، وهكذا ما كان مثل هذا أو أشد كالمخدرات والسموم، فإنها تحرم بالقياس الصحيح. قال: وإلا فسائر العادات حلال، يعني ما لم يدخل على تحريمه نص صريح أو عموم أو قياس صحيح، فالأصل أنه حلال. قال: ودليل على حلها قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، قال: فهذا يدل على أنه خلق لنا ما في الأرض جميعه لننتفع به على أي وجه من وجوه الانتفاع. ذكر الله سبحانه وتعالى هنا اللام مضافة إلى ما بعدها، وإضافة اللام تدل على الاختصاص، مثل ما تقول: المال لزيد، يعني مختص لزيد، فالله سبحانه وتعالى خلق ما في الأرض لنا، أي مختص لنا حتى ننتفع به. ومثل قوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾، سخى لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. وهكذا كذلك مما يدل على أن الأصل الحل قوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، ووجه الدلالة من الآية أمرين، الأول قوله: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾، فالله سبحانه وتعالى وبخهم على عدم الأكل مما ذكر اسم الله عليه، لماذا؟ لأنه حلال، والمعنى أن ما لم يذكر اسم الله عليه فلا تأكلوا. والأمر الثاني في قوله: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾، يعني قد وضح وبين لكم ما حرم عليكم، فما لم يحرمه فهو حلال، ما لم يأت فيه التبيين والتوضيح بتحريمه فهو على أصل الحل. وهكذا كذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾، ففي هذه الآية كذلك دلالة على أن الأصل في الأشياء الحل من وجهين. الوجه الأول قوله: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما﴾، دل ذلك على أن ما لم يوحى إليه عليه الصلاة والسلام بتحريمه فالأصل فيه الحل. ثم قوله: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾، وهذا مما نص على تحريمه، فما نص على تحريمه فهو حرام، وما لم يأت فيه النص فهو حلال. وكذا ما جاء في السنة، حديث سلمان، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو»، يعني فهو مما عفى عنه، فهو حلال لكم. وكذا حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أعظم الناس جرما عند الله عز وجل من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»، سأل عن شيء لم يحرم فإذا سأل حرم بسبب سؤاله، وهذا يدل على أن الأصل هو الحل، فقبل أن يتكلم ويسأل كان حلالا، فلما سأل كان ذلك سببا في تحريم هذا الحلال. إذن فالأصل في الأشياء في المآكل والمشارب والملابس ومعتاد الناس من كلام وخطابات ومعاملات، الأصل فيها الحل حتى يأتي ما يصرف هذا الحل من الكتاب والسنة. فكل ما شك أو لم يعلم هل هو حلال أو حرام من العادات، فالأصل هو الحل. قالوا: أما العبادات، فإن الله خلق الخلق لعبادته، كما قال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وبيّن في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم العبادات التي يعبد بها، يعني جاء التفصيل فيها «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» «صوموا إلى الليل»، عبادات، قال: «وأمر بإخلاصها له» ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. قال: فمن تقرب بها لله مخلصا فعمله مقبول، ومن تقرب لله بغيرها فعمله مردود، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، هذه الرواية في مسلم من حديث عائشة، وفي الصحيحين بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». قال: وصاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، إذن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، إلا ما شرعه الله ورسوله. سهل التوقيف وتأقيفه، كما قال جل وعلا: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، فالمشرع هو الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام بما يوحي إليه. ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، يعني أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد، أي مردود على صاحبه غير مقبول منه. وهكذا من عمل عملا لم يحدثه غيره، لكنه عمله، كذلك غير مقبول منه، ولو كان مخلصا لله في هذا العمل، فهو مردود عليه لأنه لم يشرعه الله ورسوله. وكذا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور، إن كل بدعة ضلالة»، كل ذلك يدل على أن الأصل بالعبادات التوقف، فلا يتعبد لله سبحانه وتعالى بعبادة إلا مما ورد في الكتاب أو السنة، كما قال رحمه الله: «وليس مشروعا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور»، فما جاء في الشرع ذكره فهو المشروع، وما لم يأت ذكره فهو الممنوع.