شرح كتاب التوحيد 142

شرح كتاب التوحيد 142

الدرس في شرح كتاب التوحيد 142، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الكهانة وأساسها الفكري

الكهانة هي ادعاء علم الغيب مع الاستناد إلى سبب، ويستخدم الكهان أساليب مختلفة لإيهام الناس بقدرتهم على معرفة الغيب. تقوم الكهانة على ادعاء معرفة ما سيحدث في المستقبل.

علاقة الكهانة بالسحر والجن وتحليل حقيقتها

الكهانة تعتمد على ادعاء علم الغيب باستخدام وسائل مختلفة، وهي في الحقيقة تعتمد على استراق الجن السمع من كلام الملائكة. الكاهن والساحر يتشاركان في التعامل مع الجن، مما يؤدي إلى الكفر والشرك.

انتشار الكهانة في الجاهلية وأثر الإسلام عليها

كانت الكهانة منتشرة في الجاهلية، وكان العرب يعظمون الكهان، ثم قلت بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بسبب حراسة السماء بالشهب والنيازك. استمرت الكهانة بعد وفاة النبي ولكن بقلة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الختامي يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الكهان ونحوهم. هذا باب جديد من أبواب كتاب التوحيد، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذكره لأبواب وكتاب السحر، وذلك للمناسبة كما سيأتي معنا. فقال رحمه الله تعالى: باب، والباب أي المدخل، المدخل إلى ماذا؟ قال: باب ما جاء في شرع الله كتابًا وسنة، ومن الأحكام باب ما جاء في الكهان، أي أهل الكهان، وسيأتي معنا منهم ونحوهم، أي من يلحق بهم، إذ أن هناك فئات من الناس وأصناف من الخلق يدخلون في حكم الكهانة. إخواني في الله، في قول المؤلف: باب ما جاء في الكهان ونحوهم، التعرف على الكهان، من هم الكهان؟ الكهان هم الذين يزاولون الكهانة، أو قل الكهانة بالفتح أو بالكسر، كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى. وما هي الكهانة؟ الكهانة كما عرفها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى بقوله: هو الدعاء علم الغيب، كالأخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة. هذا التفسير من الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يعتبر من أفضل التفاسير، لأنه بهذه الجملة استطاع أن يأتي بأهم المسائل المتعلقة بالكهانة. نعم، العلماء قديمًا كالخطاب وغيره ذكروا لنا تعريف الكهانين، لكن بعضهم أخذ جزءًا من معنى، إلا أن الحافظ رحمه الله تعالى هنا أشار إلى صورة الكهانة بصورة كلية. أولًا، الكهانة على ماذا تقوم؟ تقوم على الدعاء علم الغيب، هذا أول بند في مهنة الكهانة والكاهن، تخصصه في باب الدجل والشعوذة، أنه يعطيك علم الغيب، هذا الذي يدعيه، يدعي علم الغيب ما يكون في مستقبلك، ما يكون في غدك، يخبرك بما يسرك، بما يسوءك، ينبئك بما ستلاقيه في الزواج القادم، ما ستلاقيه في المشروع الجديد، ما ستجده في الوظيفة التي ستدخل فيها، العام الدراسي، الانتخابات، إن كان الذي يستشير رئيس دولة أو صاحب تصويت، يرشحونه أو لا يرشحونه، قس على ذلك. الكهانة تقوم على الدعاء علم الغيب، هل هذا فحسب؟ لا، الأصل الثاني الذي تقوم عليه الكهانة كما قال حافظ رحمه الله تعالى: مع الاستناد إلى سبب. الكاهن عندما يزاول مهنة الكهانة يأتيه الداخل، يأتيه المغفل من الناس، ويسأله عن مستقبله، بعضهم عنده فضول من الزبائن يقول: يا أخي، بسألك سؤال، كيف ستعرف مستقبلي؟ هل يستطيع الكاهن مثلًا يقول: يا أخي، اسمع، أنا عندي علم الغيب؟ هل يستطيع على ذلك؟ ما يتجرأ لأنه لو تجرأ بهذه الكلمات يقول: أنا عندي علم الغيب، لبصق الناس في وجهه، ولو من كان معه السلاح لرفع السلاح وعطاها حد برصاصة في وجهه، ولتكافر صراحة تقول: علم الغيب هكذا، لأن الناس صغارهم وكبارهم قد علموا أن من خصائص الرب جل وعلا عنده علم الغيب، فلا أحد يزاحم الله في هذا العلم. فإذا جاء مخلوق ما من الكهانين والمشعوذين إن صرح باللسان العربي بأنه عنده علم الغيب لبصق الناس في وجهه وطردوه وأخرجوا من قريته. لكن ماذا يفعل الكاهن؟ يقول: لا، لا، أنا أعرف هذه الأشياء، هذا علم، هذا فن. فماذا يفعل؟ فيأتي لك بأسباب، الأسباب ستأتي معنا، سيأتي بأسباب، ما هي الأسباب؟ يقول: هات يدك، فيقرأ، ماذا؟ قراءة الكف، وتشوف الخطوط، هذه اليد، هذه اليد فيها خطوط، هذه خطوط ما هي عبثًا، لا، هذه خطوط إيحاءات، شوف هذا الخط، وهذا الخط، ويجعل الزبون يذهب عقله، يقول: هذا ما تفهم، هذا أشياء إحنا قد أخذناها كابر عن كابر، هذه فنون، فيضحك على زبائنه بماذا؟ بأنه يعتمد على علم الغيب بعلم الكف، هذا مثلًا. بعضهم كما مر معنا قضية الخط وما يسمى بالرمال، يقال له: كيف تعرف علم الغيب؟ تعال شوف الخطوط هذه، يخطط في الأرض خطوط متبعثرة في الأرض، ثم يمسح، يمسح، يمسح، يقول: انظر هذا الذي يبقى لك، ما هذا؟ لا تفهم، هذا أشياء علم اسمه علم الخطوط، أو بعضهم من ينظر في النجم، كما أسلفنا، وسيأتي معنا قسم خاص بالتنجيم، ينظر في النجم، قل: انظر لهذه النجم، كما نرى نجم الدلو، نجم الجوزاء، نجم الأسد، نجم ما در، هذه علم الفلك، هذه من الشعوذة والدجل والكهانة، ينبئك عما سيكون، من كان في نجم الدلو سيكون استقبله كذا وكذا، هذا الكهانة مباشرة. بعضهم يستخدمها مشافهة، يقول له: هذه النجوم تحركاتها تنبئك عما سيكون، إلى غير ذلك. فالكاهن لا يمكنه أن يصرح لمن أتى عنده أنه عنده معرفة بعلم الغيب، لكن بماذا يدلس؟ يدلس بأسباب، يضحك على من يأتيه من هؤلاء الحمقى من زبائن، يقول: هذا أنا عندي علم، إما علم الخط، إما علم الكف، إما علم الفنجان، أو علم النار، أو علم النجوم، إلى غير ذلك، حتى ماذا؟ يمشي بضاعته على هؤلاء. ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى: الأمر الثالث، قال: والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة. إذن هذه مسألة ثالثة، وهي: إذا كان الكاهن يدعي علم الغيب هذا أولًا، لكن بحجة أن عنده سبب ثانيًا، ثالثًا: ما حقيقة ما يدلو به؟ ما حقيقة الذي يقوله الكاهن؟ حقيقة ما يقوله يأتي به عبارة عن سرقة سمع، من الذي سرق؟ جنية، العفريت، المارد الذي شيطانه الذي يتعامل معه، هذا يذهب إلى السماء، وسيأتي معنا، يذهب إلى السماء ويأخذ ما يستطيع على أخذه من الأخبار، ثم ينزل ويعطيه للكاهن، فهذه حقيقة ما يتفوه به الكاهن، ما هو إلا وقرينه ممن يأخذون ويخطفون الخبر من الملائكة. وبهذه الصورة المتكاملة تفهم يا عبد الله حقيقة الكهانة أولًا، ثم نفهم كذلك علاقة الكهانة بالسحر، وأن العلاقة بين الكاهن والسحر أن الجميع في مهنتهم الخبيثة يستندون إلى التعامل مع الجان. هذه حقيقة، الساحر بحد ذاته طرطور كما يسميه الناس، ما هو شيء، لكن بجنية وعفريت يفعل الأفاعيل، والكاهن كذلك طرطور إن صح العبارة، ما عنده علم ولا فل، ربما لو طلب الناس أن يشغلوه ما يشغلوه حتى بسبب فشله في شيء من أمور الدنيوية، فاشل، لكن قوته مستمدة من قبل الجان الذي يتعامل معه. فالساحر والكاهن الكل يتعامل مع الجان، هنا تأتي قوة هذا وقوة هذا. فإذا كان الكاهن يتعامل مع الجن، ومر معنا أن الجان ما يتعاملون ويتعاونون إلا من تقرب إليهم، ولا بد الجان يعطي خدمة، خدمة، خدمة، وخدمته ليست بالمجان، خدمته ليست بالمجان، وإنما خدمته بثمن، وما الثمن الذي تدفعه؟ دينك، دينك، فتقرب إليهم بما يكون فيه التنازل عن الدين. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، ولهذا كان الكاهن حكمه من حكم الساحر، الكفر والشرك، الكفر والشرك. إذن هذا إخواني في الله في قول مؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الكهان، مسألة أخرى نبينها كذلك حول الكهانة في أيام العرب. الكهانة في أيام العرب كانت لها رواجًا عظيمًا، بل كان العرب في الجاهلية يعظمون الكهان، يعظمونهم، ويجعلونهم هم أهل الأمر والنهي، كما قال القرطبي رحمه الله تعالى: أن أهل الجاهلية كانوا يرفعون قضاياهم إلى الكهان، لماذا يرفعونها؟ باعتبار أن الكهان هي الطبقة العليا عندهم. فكانوا يعظمونهم، وللأسف لا زالت هذه الخصلة الجاهلية موجودة في أزماننا، ربما تجد أن الساحر والكاهن في بعض القرى يعظم، يبجل، يقال له: إذا قيل أخي، وين المشعوذ؟ يقول: السيد، لا تقول مشعوذ، السيد، هذا بيته، أو يقول لك: يا أخي، أنا بحث عن واحد يفعل، تريد الشيخ، هذا بيته، الشيخ والسيد تطلق على من؟ على رجل كافر مشرك بالله. لكن هذه من خصال الجاهلية، كان العرب هكذا، كانوا يعظمون أهل الكهان وأهل السحر، ويجعل لهم ماذا؟ المنصب العالي. ولهذا قال ابن أسحاق رحمه الله تعالى: أن الأحبار كانت في اليهود، والرهبان كانوا في النصارى، والكهان كانوا في العرب، هذه المرجعية، اليهود يعظمون من أفراد دينهم من كان من أصل الأحبار الحبر، والنصارى يعظمون من فئاتهم الرهبان، والعرب كانوا يعظمون أهل الكهانة، أهل الكهانة. مسألة كذلك مما أذكرها في هذا المقام ما أشار إليه العلماء حول مسألة استراق السمع والكهانة. الكهانة قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فاشية، منتشرة انتشارًا وثيقًا، ولهذا كانت في كل قبيلة كاهن، كاهن، كاهن، كاهن، كلها يعني كما لو نظرنا إلى بلادنا وهي قرى وبلدان، تخيل في كل قرية وقرية كاهن أو كاهنة، ينتشرون على مد البصر في القرى والأمصار لانتشار الكهانة، لماذا؟ لأن الاستراق السمع كان بكثرة، كان الجان يصعدون وينزلون، يصعدون وينزلون، لعدم وجود البعثة، لعدم وجود البعثة، انقطعت البعثة، انقطع الوحي، فكانت الأمور متاحة للجان بالصعود والنزول بالأخبار، فانتشرت مهنة الكهانة. جاءت المرحلة الثانية وهي ما كانت من بعثته عليه الصلاة والسلام، فلما بعث نبينا عليه الصلاة أغلقت السماء وأصدت السماء وأصبحت محمية بالشهب والنيازك كما يعبر: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾، حمية السماء، لماذا؟ حتى ما يكون وحي يتنزل وأخبار الكهانين السرقة تنزل فيختلط ويقع الاشتباه بين خبر الصادق وبين خبر الكاذب، فلحماية الوحي المنزل على رسول الله في تلكم الفترة أغلقت السماء وشدت الحراسة، وإن كان من سرقة تكون قليلة بل نادرة جدًا. ثم جاءت المرحلة الثالثة بعد موته عليه الصلاة والسلام، خفف من حراسة السماء، فأصبحت السرقة مسموحة لكن بقلة قليلة. ولهذا يقول العلماء: مراحل استراق السماء من السماء على ثلاثة صور، قبل البعثة كثرة، في أيام البعثة ندرة، بعد البعثة أي بعد موته قلة، كثرة، ندرة، قلة. نحن الآن في زمن القلة، الاستراق موجود، ولهذا تجد النيازك أحيانًا شهب تنزل، هذه نؤمن على أن هذا الشهب أو الشهاب النازل من السماء إنما كان لسرقة من الجان لخبر السماء، فينزل هذا الشهاب في ماذا؟ في إحراق هذا المتسلل. ثم قال المؤلف رحمه الله: باب ما جاء في الكهان ونحوهم، نحوهم أي من دخل في هذه المهنة ممن يزاول مهنة ادعاء الغيب عن طريق السبب وأصله الاستعانة بالجان، مثل كما سيأتي معنا المنجمين، مثل العرافين، مثل الرمالين، وهؤلاء أسلاف من الناس، سيأتي الحديث عنهم بإذن الله في هذا الباب. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى عقد هذا الباب للحديث عن الكهانة، وناسب أن يذكر هذا الباب لقرب الحديث عن السحر، إذ أن الساحر والكاهن يجتمعان ويتشابهان في بعض الخصال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.