الدرس في شرح كتاب التوحيد 144، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه حول الكفر بتصديق الكاهن، مع مناقشة آراء العلماء في صحة الحديث وتفسيره. يُوضح أن الحديث مختلف في صحته بين العلماء.
يفسر هذا الفصل الأحاديث النبوية المتعلقة بالكاهن والكفر، ويوضح الفروق بينها، خاصة بين حديث "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" وحديث "من أتى كاهنا لم تقبل له صلاة أربعين يوما".
يتناول هذا الفصل تفسير حديث "من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد"، مع توضيح آراء العلماء المختلفة حول ما إذا كان الكفر المذكور كفرًا أكبر أو أصغر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب بيان ما جاء في الكهان، وذكرنا بالأمس ما مر معنا من حديث بعض أزواج رسول الله أنه: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما». وهذا الحديث الذي بين أيدينا، والذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى أن أبا داود رواه في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وهذه الرواية في الحقيقة هي رواية مختصرة، وإلا في الحديث أطول من هذا، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضا... إلى آخره فقد برئ مما أنزل على محمد». هكذا هو الحديث، فيه فقرات ما أشار إليها المؤلف رحمه الله، وإنما اكتفى بالشاهد. وهذا الحديث جاء من طريق حكيم الأثرم، عن أبي تميمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد، وهذا الحديث بشكل عام قد تكلم عليه العلماء، فقد ضعفه الإمام البخاري رحمه الله تعالى للانقطاع بين أبي تميمة وبين أبي هريرة، إذ أن أبا تميمة لم يسمع من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهكذا الإمام البغوي حكم على الحديث وعلى سنده بأنه ضعيف، وهكذا الإمام الذهبي قال: هذا الحديث ليس بالقائم، أي ليس بالسديد الصحيح السليم. وأبو الفتح اليعمري رحمه الله تعالى توسع في نقده لهذا الحديث حتى أنه خلص إلى أنه منكر. وشيخنا مقبل رحمه الله تعالى كذلك على تضعيفه، أي حديث أبي هريرة بهذا اللفظ وما فيه من الفقرات. ولهذا كما سمعت أكثر العلماء على إعلال هذا الحديث، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى التصحيح. ومن أهل العلم من فصل فيه، وهذا هو الصحيح كما سيأتي معنا أن لفظ الكاهن والإتيان الكهان كفر، هذا سيأتي معنا لأن روايات أخرى دلت على صحة هذه الفقرة، وهكذا بعض فك تلك الفقرات، منها ما جاء لها الأدلة ومنها ما لم يأت بها أدلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وللأربعة والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». هذا حديث آخر رواه المؤلف رحمه الله تعالى، الحديث الأول بلفظ: «من أتى كاهنا...». وهذا اللفظ: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وهذا الحديث أشار المؤلف رحمه الله تعالى أن الأربعة وهم أهل السنن قد رووا هذا الحديث، وينظر في هذا العزو إذ أن هذا ليس بصحيح، هذا الحديث بهذا اللفظ لم يأت في السنن، وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه. ولعل المؤلف رحمه الله تعالى تبع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، إذ أنه ذكر هذا الحديث وبيّن أن أهل السنن قد رووه، فكان هذا وهم من الحافظ رحمه الله، ولعل المؤلف تبع الحافظ في هذا العزو، وإلا فالصحيح أن هذا الحديث على قول المؤلف: «وللأربعة والحاكم» هذا ليس من رواية الأربعة، لم يأت في السنن، وإنما جاء عند الإمام أحمد وجاء عند الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وهذا الحديث إخواني في الله صحيح، فقد صححه الإمام الحاكم حيث قال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، وكذلك الإمام العراقي، وهكذا الإمام الذهبي قال: وإسناده قوي. إذن عندنا هذا الحديث إخواني في الله، وهو الأصح من الأول، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على أن من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد. وهنا تأتي مسائل بعد معرفتنا بدرجة الحديث وأنه صحيح وأنه حجة. وهو كيف الجمع بين الحديث الذي مضى معنا بالأمس وهذا الحديث الذي بين أيدينا، الحديث الذي مضى بالأمس أن: «من أتى كاهنا لم تقبل له صلاة أربعين يوما»، وحديث اليوم أن: «من أتى كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد»، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ العلماء في هذا الباب على محملين اثنين، المحمل الأول وهم أهل الرواية والدراية قالوا: لو تأملنا في الحديث الأول ولو تأملنا في الحديث الثاني نجد أن هناك فرقا بينهما، فالحديث الأول كما جاء في صحيح مسلم: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما». وأما هذا الحديث الذي بين أيدينا أن: «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد». قالوا: وجه الشاهد أن الحديث الأول محمول على من سأل فقط، سؤال، وقد مضى ذلك معناه في درس أمس، من سأل الكاهن ولم يصدقه بما يقول لكن سأله من باب يختبر الذي عنده ويستأنس بما معه، هذا لم تقبل له صلاة أربعين يوما. وهذا الحديث الذي بين أيدينا وهو حديث اليوم لا، فيه أنه سأله وإضافة على السؤال التصديق، سأله عن شيء فصدقه، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، هذا كافر هنا وقع في الكفر. هذا الفرق بين الرواية التي مضت معنا في الدرس ورواية الليلة في هذا اليوم، فتجد أن التفريق في مسألة التصديق. فمثلا لو أن إنسانا ما أتى إلى كاهن أو إلى مشعوذ، وكما مر معنا يسأل عن ضياع أشياء، حلي ضاع عليه، فأخبره الكاهن بأن السارق منكم وفيكم في البيت، فإذا بهذا الرجل سأل الكاهن، فلما خرج قال: سألت الكاهن، فيه قال: والله سألته عنه وإيش قال؟ قال: والله يقول لي أن السارق منكم وفيكم، هذا كلام فاضي يفتن بيني وبين أهلي، رد الخبر هذا كفيله، هذا سؤالك ودخولك عليك لم تقبل لك صلاة أربعين يوما، بغض النظر بعد تصدق أو لا تصدق، هذا أمر آخر، هذا لا تقبل له صلاة أربعين يوما. شخص آخر نفسه دخل عند الكاهن وسأله عن المفقودات، قال: السارق منكم وفيكم، فلما خرج ماذا فعل؟ إذ به يجمع أهل البيت، اعترفوا السارق منكم وفيكم، قالوا: يا رجل عندك بينة رأيت حدا أخبر؟ قال الشيخ: أنا رحت اليوم عند الشيخ وقال: يا السارق منكم وفيكم، هذا سأل وصدق، صدق بما يقوله الكاهن، هذا وقع في الكفر، وقع في الكفر. فهل هذا إخواني في الله من تأمل في هذا الحديث يذهب العلماء إلى أن التفريق بينهما في من أتى الكاهن أنه على مراحل، فمن أتى الكاهن فسأله وبعد السؤال ينظر، فإن سأله وما صدقه لا تقبل له صلاة أربعين يوما، وإن سأله وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد، هذا هو الجمع بين هذه الروايات حتى تعرف أنه ما هناك تضاد بينهما في مسألة العقوبة، فالعقوبة تتنزل على حسب الحال بين المصدق ومن غير التصديق. تأتي مسألة أخرى وهي في قوله عليه الصلاة والسلام: «فقد كفر بما أنزل على محمد»، هذا يحمل على أي نوع من أنواع الكفر؟ وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه اللفظة، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا الحديث: «فقد كفر بما أنزل على محمد» أي أنه كافر كفرا مخرجا من الدين والملة، أي جعلها بين قوسين مرتد قد خرج عن الدين. وهذا ذهب إليه جماعة من أهل العلم، وقد انتصر إلى ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وذكر أن أسباب كفر من أتى الكهان وسألهم وصدقهم فإنه خارج عن الدين والملة، قال: ذلك يعود لأمرين اثنين، الأمر الأول أنه اعتقد فيهم الضر والنفع، أنهم يضرون وأنهم ينفعون من دون الله، وأنهم عندهم من القدرة الخارقة ومن الخصوصية ما يمكنهم أن يفعلوا ما يريدون، كمن عنده مفقود يقول: يا أخي أنا عندي شيء ضائع، قال: أبشر سأتيك يا تعال ثاني يوم سأتيك يا، بس هات فلوس، بعضهم يأتي بهذا، بعضهم من الكهان كالعرافين من يتبنى أن يأتي لا يدلك بل يأتي بالشيء المسروق عن طريق الجان كما قلنا، هؤلاء مهنتهم إنما هي تقوم أصالة بالاستعانة على الجان أو ذاك الذي يريد كما في فعل الساحر، والساحر أشد من الكاهن وحكمهم واحد، كالذي يعتقد أن هذا الكاهن يفرق بين بين فلان وفلان كما يفعل أهل الحسد إذا أرادوا أن يفرقوا بين الأحبة يفرقوا بين الرجل وزوجته أو يحدث الشقاق بين الأرحام فيستعينون بالكهان والمشعوذين أن يفعلوا لهم الصرف أو كذلك إذا أرادوا أن يؤذوا أحدا يأتون إلى الكهانين لكي يعملوا لهم الحروز، فهؤلاء يأتون إلى هؤلاء لأنهم يعتقدون أن هؤلاء عندهم قدر على النفع والضر، هذا بحد ذاته كفر. والأمر الثاني الذي من أجله يكفر من أتى إلى أمثال هؤلاء وصدقهم أنه يعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، وإن لم يصرح وإن لم يصرح، لكنه مستيقن، بدليل أنه يستبشر بكلامهم ويعمل به، فقال ابن القيم رحمه الله تعالى ملخص بحثه في هذه المسألة أن حديث: «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد» أي أن كفره من الكفر الأكبر المخرج من الدين والملة. والوجه الثاني في حمل الحديث ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، قالوا أن حديث: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد» أن الكفر هنا هو الكفر الأصغر دون الكفر الأكبر، الكفر الأصغر، أي ليس من المخرج من الدين والملة. وهؤلاء استندوا لعدة أمور، منها قالوا: إنما نقول ذلك حتى تتوافق الروايات، تتوافق الروايات، لأن عندهم الرواية الأولى على من قال بتصحيحها أن: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوم». وهنا: «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد». قالوا: كيف نجمع بين هذا وبين ذاك؟ فقالوا: إذن نقول هنا الكفر ليس بالكفر الأكبر حتى تجتمع العقوبات في بوتقة واحدة ولا يقع بينها التناقض، قالوا: هكذا تتلاءم الأحاديث، طبعا هذا على مذهبهم على أن رواية: «فصدقه» في حق عقوبة من ترك أو من أتى كاهنا فكان من عقوبته: «لم تقبل له صلاة أربعين يوم». قالوا: هذا على التصديق، وهذا على التصديق: «فقد كفر»، إذن يحمل الكل على أن فعله لا يخرجه عن الدين والملة، فإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكفر هنا ليس بالكفر الأكبر. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.