الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 85، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُفصّل المقطع سند حديث أبي هريرة في فضل المشي إلى المساجد الوارد في صحيح مسلم، موثّقاً رجاله كإسحاق بن منصور وزكريا بن عدي وعبيد الله بن عمر وزيد بن أبي أنيسة وعدي بن ثابت وأبي حازم الأشجعي، مع بيان أحوالهم من حيث الثقة والبدع، ويوضح اسم أبي هريرة الأشهر ومصطلح "حاء" في علم الحديث، ويذكر طريقاً آخر للحديث عن قتيبة بن سعيد وليث بن سعد.
يشبّه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بنهر على باب الإنسان يغتسل منه خمس مرات، فلا يبقى من درنه شيء، كذلك الصلوات تمحو الله بها الخطايا وتطهر المؤمن من الذنوب، وهي تكفر الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، كما ورد في أحاديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: يحدثني إسحاق بن منصور، وهو من الكوسج، أبو يعقوب المروزي، وهو ثقة ثبت، قال: أخبرنا زكريا بن عدي، وهو أبو يحيى الكوفي، قال ابن حجر: فيه ثقة جليل. وأيضًا الكوسج، إسحاق بن منصور، قال فيه الذهبي الحافظ: قال أخبرنا عبيد الله، يعني ابن عمر، وهو الأسد، أبو وهب، ثقة فقيه، ربما وهما. قال: عن زيد بن أبي أنيسة، وهو الجزري، أبو أسامة، وهو ثقة. عن عدي بن ثابت، وهو الأنصاري الكوفي، وهو ثقة، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم، كان يلقب بقاص الشيعة، عنده تشيع، لكنه كان ثقة صدوقًا، فقبل العلماء حديثه. وهكذا حديث غيره من أمثاله ممن كان عندهم شيء من البدع، كبدعة التشيع أو بدعة القدر، فمن كان محلو الصدق، وكان ثقة، وكذلك أيضًا لم يكن ممن ينتصر لبدعته، قبل العلماء حديث أمثال هؤلاء لحاجتهم إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ولو ترك حديث أمثال هؤلاء لضاعت كثير من السنة، كما قال من قال من السلف: لو ترك حديث أهل الكوفة لأجل التشيع، وحديث أهل البصرة لأجل القدر، لضاعت يعني كثير من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلأجل هذا قبل العلماء حديث أمثال هؤلاء. قال: عن أبي حازم الأشجعي، وهو سلمان الأشجعي، عن أبي هريرة. ما اسم أبي هريرة؟ عبد الرحمن بن صخر، على الأشهر، اختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين قولًا، أشهرها عبد الرحمن بن صخر، هو مشهور بكنيته، وهو حافظ الصحابة، رضوان الله تعالى عليه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة». ومر معنا الكلام على هذا الحديث في الأحاديث التي سبقت في فضل المشي إلى المساجد لشهود صلاة الجماعة. قالوا: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو ابن طريف بن جميل، أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري. حاء: ما معنى حاء؟ تحويل السند، أو اختصار، اختصار «حدثنا»، أو اختصار الحديث، تستعمل لهذه المعاني الثلاث: إما تحويل السند، فيذكر المصنف الحديث من طرق مشائخ آخرين، أو يقول: حاء فلان، يعني حدثنا فلان، فيكون اختصار «حدثنا»، أو يذكر السند كاملًا ثم يقول: حاء، أي الحديث. وقال قتيبة: حدثنا بكر، يعني ابن مضر، بكر بن مضر، نعم، وهو من بكر بن مضر، أبو محمد، نعم، أبو محمد القرشي، هو ثقة ثبت. قال: قال كلاهما عن ابن الهاد، وهو يزيد بن عبيد الله الليثي، قال: وهو ثقة، ثقة مكثر. عن محمد بن إبراهيم، وهو أيضًا قرشي تيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة كذلك مكثر، قال فيه الذهبي: أحد الأئمة. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفي حديث بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في رواية بكر تصريح بالسمع، أن أبا هريرة سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم من خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، من أوثق الناس في... أبو معاوية الضرير في الأعمش، من أوثق الناس في الأعمش. قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي. قال: عن أبي صفيان، وهو طلحة بن نافع القرشي، وهو صدوق، يروي عن جابر، ولم يسمع منه إلا أربعة أحاديث، لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، لكن روى عنه بصحيفة، حدث بها عن جابر، كان يحدث عنه بهذه الصحيفة. قال: عن جابر، وهو ابن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم، يغتسل منه... يغتسل منه عندي يوم، كأنه سقط كل يوم... ها، إيش عندكم؟ كل يوم، نعم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات». قال: قال الحسن، أي البصري: «وما يبقى، وما يبقي ذلك من الدرن؟». هذان الحديثان فيهما بيان فضيلة صلاة الجماعة، وأن صلاة الجماعة والمحافظة عليها أنها تذهب خطايا بني آدم، وتنقيه من الذنوب والسيئات، كما ينقى ثوب الإنسان مما أصابه من الدرن، أي الوسخ والقذر، إذا غسله، أو كذلك غسل جسمه، إذا كان يغتسل الإنسان خمس مرات في كل يوم، منذ أن يصبح إلى أن يمسي: في الصباح، ثم في الظهر، ثم في العصر، ثم في المغرب، ثم في العشاء، هل سيبقى فيه شيء من الدرن والوسخ؟ الجواب: لا. كذلك حال الصلوات الخمس، فهي تنقي المؤمن مما يقع فيه من الذنوب والخطايا والسيئات، حتى لا يأتي المساء إلا وقد نقي مما وقع فيه من الذنوب. ضرب النبي عليه الصلاة والسلام هذا المثل في بيان هذا المعنى: لو أن نهرًا بباب أحدكم يقتسل منه كل يوم من خمس مرات، نهر كلما خرجت منه خمس مرات، تمر في هذا النهر وتقتسل، هل يبقى من درنه شيء؟ هل يبقى شيء من الوسخ؟ الجواب: لا، لا شك ما سيبقى شيء. إذا اغتسل في الصباح وأصابه شيء من الدرن، سيأتي الظهر وينقى، فإن أصابه شيء سيأتي العصر وينقى، فإن أصابه شيء سيأتي المغرب وينقى، فإن أصابه شيء سيأتي العشاء وينقى، ويأتيه الليل وقد نقي من الذنوب. هذا مثل الصلوات الخمس، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». وحديث أبي هريرة، نعم، كذلك مثله. إذن في هذين الحديثين بيان فضيلة المحافظة على الصلوات الخمس، وأدائها في بيوت الله مع الجماعة، لأن هذا هو الواجب، أن تؤدى في جماعة، وأنها سبب لمحو الخطايا والذنوب، والمراد بها صغائر الذنوب، المراد بها صغائر الذنوب، أما الكبائر فلابد فيها من التوبة. ويدل على هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهم، إذا اجتنبت الكبائر». فهي تكفر صغائر الذنوب، تكفر صغائر الذنوب. ومع ذلك فهذا أجر عظيم وفضيلة كبيرة، لأن المسلم لا يسلم من صغائر الذنوب، ربما يتحذر ويجتنب ويبتعد من كبائر الذنوب، لكن قد لا يسلم من وقوع في الصغائر، فيحصل له هذه التنقية بمحافظته على هذه الصلوات الخمس. وقوله هنا: «كمثل نهر جار غمر»، انظروا: نهر جار، النهر الجاري، أي الذي يجري، فلا تؤثر فيه النجاسة مهما وقعت فيه، فلا تؤثر فيه، لأنه يمشي وينقى ويتنظف، لخلافه لو كان الماء راكدًا، ربما لو اغتسل فيه عدة مرات واغتسل غيره يتغير، لكن الماء الجاري ما تؤثر فيه، ما يؤثر فيه القذر. ولهذا يجوز الإنسان أن يبول في الماء الجاري، ولا يجوز أن يبول في الماء الراكد، لأن البول في الماء الراكد مظن لتنجيسه وتقديره، أما الماء الجاري فما يؤثر، ما يؤثر فيه. فهذا النهر نهر، والنهر ماء كثير، ومع ذلك هو جاري يمشي، وهكذا غمر: الغمر الكثير، الماء الشيء الكثير، أو الماء الكثير، قال: له غمر. وأما الغمر فهو الحقد، أو الحاقد، يقال له غمر، والغمر فهو الذي لم يجرب الأمور، الذي لم يجرب الأمور، يقال له غمر. نعم، فهذا فيه كذلك مبالغة، يعني في حصول هذا التطهير، أن يحصل على مثل هذا الوصف. طيب، كم حديث قرأنا؟ ها، ها، كم؟ اثنين قرأنا، حديثين، ها، ثلاثة حديث، إيش؟ ها، لا، ما قرأنا أكثر من حديثين، قرأنا أكثر من حديثين، ها، أخونا عائض يقول ثلاثة، من يوافقه؟ ها، ثلاثة، إيش؟ ما، حديث أبي هريرة وحديث جابر فقط، ها، ثلاثة، نعم، قرأنا ثلاثة أحاديث: حديثان لأبي هريرة، وحديث لجابر. الحديث الأول يتعلق بفضل الخطى والمشي إلى المساجد، حديث ثاني يتعلق بمحو الخطايا، فهما حديثان عن أبي هريرة، وحديث عن جابر، فيكون المجموع ثلاثة أحاديث. طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر