الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 84، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ المقطع بتوضيح سلسلة الرواة في سند حديث في صحيح مسلم، حيث يشرح أحوال الرواة بدءًا من حجاج بن الشاعر حتى جابر بن عبد الله. يُبرز أهمية معرفة صفات الرواة في فهم الحديث.
يتناول هذا الجزء من الدرس فضل الإقامة في أماكن بعيدة عن المسجد، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم بني سلمة عن الانتقال إلى جوار المسجد، مشيرًا إلى أن بقاءهم في ديارهم يكتب لهم آثارهم عند ذهابهم وإيابهم للصلاة.
يشرح هذا الفصل أجر المشي إلى المسجد وكتابة آثار الأعمال الصالحة، حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أن البقاء في الديار البعيدة عن المسجد يحقق أجرًا أكبر بسبب كثرة الخطوات إلى المسجد، مشددًا على فضل صلاة الجماعة.
يناقش هذا الجزء أهمية التيسير في الأمور وعدم التكلف، حيث يشير إلى أن الأجر يكتب على قدر المشقة، وهذا ما كان يتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في اختياره للأمور، مؤكدًا على التوكل على الله في كل الأمور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا حجاج بن الشاعر، وهو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد. هل هو الأمير الذي كان واليًا لعبد الملك بن مروان، سفاك الدماء؟ لا، ليس هو، هذا كآخر، ذاك آخر، لكن اتفقا في الاسم، حجاج بن يوسف الثقفي، وذاك حجاج بن يوسف الثقفي. هذا، إيش يسمى عند أهل الحديث؟ ماذا يسمى عند أهل الحديث؟ أصابقونية؟ لا، اتفاق الأسماء واختلاف الأشخاص، المتفق والمفترق، هكذا اتفق في الأسماء وافترق في الأشخاص. قال: حدثنا روح بن عبادة، وهو القيسي أبو محمد، ثقة فاضل. قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، وهو المكي، أيضا ثقة، رمي بالقدر. قال: حدثنا أبو الزبير، من أبو الزبير؟ نعم، محمد بن مسلم بن تدرس، ما حاله؟ في رواية كلام، إذا روى عن جابر، هذه رواية عن جابر، قال: سمعته جابر بن عبد الله، فيها كلام، مدلس، هو مدلس، والثقة، إلا أنه يدلس، فإذا روى بالعنعنة لم تقبل روايته، إلا أن يصرح بالتحديث، إلا إذا كان الراوي عنه الليث بن سعد، فهنا تقبل عنعنته؛ لأن الليث سأله عن الأحاديث التي سمعها من جابر، فأخبره بها. فإذا روى عنه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، فالعنعنة هنا محمولة على السمع، وإذا كان الراوي عنه غير الليث، فيتوقف فيها. قال: قال سمعته جابر بن عبد الله، وهو جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، هو أبوه صحابيًا، وأبوه عبد الله بن حرام قتل في غزوة أحد، قتل في غزوة أحد، وشهد بعد ذلك جابر المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خلفه أبوه عبد الله بن حرام على أخواته، فلما قتل في أحد، شهد بعد ذلك المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها بيعة الرضوان، فكان ممن شهدها رضي الله عنه، وهو الراوي الحديث في ذكر عدد أهل بيعة الرضوان، وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهو أيضا من المكثرين عن النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث، أحد السبعة الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف من الحديث. ومن هؤلاء السبعة من الصحابة الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف: أبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وابن عمر، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، جمعوا في قول القائل: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضار: أبو هريرة، سعد، جابر، أنس، صديقة، بن عباس، كذب، بن عمر. وأيضا في قول القائل: المكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه بن عمر، وأنس، والحبر، كالخدري، وجابر، وزوجة النبي. قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة». قال: وحدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن، من مشايخ أصحاب الكتب الستة. قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وهو أبو سهل التميمي. قال: سمعت أبي، هو عبد الوارث، يحدث. قال: حدثني الجريري، وهو سعد بن إياس أبو مسعود الجريري، ثقة، إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، فمن أهل العلم من ضعفه مطلقًا، كمن القطان. وأكثر أهل العلم على أن من روى عنه قبل الاختلاط، فروايته عنه مستقيمة، ومن روى عنه بعد الاختلاط، فروايته مردودة، وهذا قول الإمام أبي حاتم، والإمام النسائي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. قال: عن أبي نظرة، وهو المنذر بن مالك أبو نظرة العبدي، عن جابر بن عبد الله، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة -عندكم سلمة، أو سلمة كسر اللام؟ نعم، هذا الصواب، أنا عند هنا بالفتح، لكن أشار الإمام النووي رحمه الله إلى أنها بكسر اللام، وهي قبيلة من قبائل الأنصار- أن ينقلبوا أو ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم يا رسول الله، أردنا ذلك. فقال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم». قال: وحدثنا عاصم بن النضر، أبو عمر التيمي. قال: حدثنا عاصم بن النضر التيمي. قال: حدثنا معتمر بن سليمان بن طرخان أبو محمد. قال: سمعت كهمس، وهو كهمس بن الحسن، قال: يحدث عن أبي نظرة، عن جابر بن عبد الله، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، والبقاع خالية. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم». فقالوا: ما كان يسرنا أن كنا تحولنا. هذا الحديث حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في إخباره رضي الله عنه أن ديار بني سلمة -وقلنا: هم قبيلة معروفة من الأنصار- وأفادنا هنا أخونا أحمد: أن الشيخ العباد ذكر أن مساكن بني سلمة في مسجد القبلتين حاليًا، أن مساكنهم الآن في مسجد القبلتين، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. فأرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يمكثوا في محلهم، وأن لا ينتقلوا إلى قرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم». إيش إعراب دياركم؟ أفعول به لفعل محذوف، تقديره: إلزموا دياركم، إلزموا دياركم، أي: لا تتحولوا منها، تكتب آثاركم، أي: يكتب لكم آثار مشيكم إلى المسجد، تكتب لكم آثار مشيكم إلى المسجد. دياركم تكتب آثاركم، كررها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، كأنه يقول: إلزموا دياركم، لا تتحولوا ولا تنتقلوا منها، ويكتب لكم الأجر والثواب، يكتب لكم ما قدمتم من آثار هذه العبادة والطاعة، ونكتب ما قدموا آثارهم. نعم، ففيه ما تقدم ذكره في الدرس السابق من فضيلة صلاة الجماعة، ومن ذلك ما يكتب للمسلم من أجر خطواته ومشيه إلى المسجد لأداء الصلاة، وأن له بكل خطوة درجة، تكتب له حسنة، وتحط عنه خطيئة، وترفع له درجة. فإذا كان البيت بعيدًا من المسجد، كثرت الخطوات، فكثر الأجر والثواب. فلما سمعوا ذلك من نبي عليه الصلاة والسلام، قال جابر رضي الله عنه: ما كان يسرنا أننا كنا تحولنا، الحمد لله، كأنه يقول: أننا ما تحولنا، وبقينا على ماذا؟ البقاء في بيوتنا حتى يكتب لنا هذا الأجر والثواب، وهذا فيه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة لمن ذهب يمشي إلى المسجد، تكتب له هذه الآثار، تكتب له آثار مشيه إلى المسجد في ذهابه وفي رجوعه، وينال بذلك الأجر العظيم. لكن كما ذكرنا من قبل: أن الإنسان لا يتكلف المشقة، لا يتكلف المشقة، إذا كان الإنسان بيته تحت المسجد، ما يخرج يقول: أنا سأكثر من الخطوات حتى يكثر لي الأجر، بدل ما يأتي مباشرة إلى المسجد، يأخذ له دورتين حتى يدخل المسجد، ويقول: تكتب لي الآثار، هذا المشي لا نحن ما نتكلف المشقة، إذا كان بيته قريب من المسجد الحمد لله، وإذا كان بعيدًا فلك الأجر على قدر ما تجد من المشقة والبعد. والمقصود أننا لا نتكلف، قد نهينا عن التكلف، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فالأمور الميسرة الحمد لله تأخذ بالتيسير، وإن لم يحصل ذلك وكان البيت بعيدًا فالحمد لله، يكتب لك الأجر على قدر ما تجد من المشقة. طيب، هذا ما يتعلق بالدرس، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.