كتاب المساجد ومواضع الصلاة 87

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 87

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 87، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

إسناد حديث جابر بن سمرة في جلوس النبي بعد الفجر

يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث جابر بن سمرة عن جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في مصلاه بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، مع بيان أحوال الرواة ومناقشة حكم رواية المدلس.

فضل الجلوس في المصلى بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس

يستحب للمسلم أن يلزم مصلاه بعد صلاة الفجر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن صلى الفجر ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة.

آداب تذكر الماضي والضحك في المسجد

يشرح المقطع جواز تذكر حال الجاهلية لشكر نعمة الهداية بشرط عدم الجهر بالمعاصي، ويبين أن الضحك في المسجد جائز قليلاً لسبب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

ضحك السلف وشروط جوازه

كان بعض أئمة الحديث من السلف يضحكون بشدة حتى يسقطون على ظهورهم، وهذا جائز إذا لم يتمالك الإنسان نفسه بشرط أن يكون الضحك قليلاً ومقترناً بسبب مشروع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو التميمي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ. قال: حدثنا زهير، وهو أبو خيثمة الكوفي زهير بن معاوية. قال: حدثنا سماك، وهو ابن حرب، سماك بن حرب أبو المغيرة. سماك بن حرب، ذكر الذهبي رحمه الله أنه أدرك ثمانين نفساً من الصحابة، وهو صدوق إلا في روايته عمن فيه نظر، روايته مضطربة عمن إذا روى عنه فروايته مضطربة. من يذكر سماك؟ روايته مضطربة عمن؟ محدث يذكر عن عكرمة: روايته عن عكرمة مضطربة. وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له. يحيى بن يحيى هو أبو زكريا التميمي الحافظ، كان يلقب بريحانة نيسابور، وقيل في ترجمته: إن خراسان لم تلد بعد الإمام المبارك مثله. قال: أخبرنا أبو خيثمة - يعني زهير بن معاوية - نعم. عن سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة، وهو جابر بن سمرة بن جنادة أبو عبد الله، صحابي جليل، صحابي ابن صحابي. قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كثيراً. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، والغداة هي الصبح، حتى تطلع الشمس. فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح الرؤاسي، عن سفيان، وهو ابن سعيد الثوري الإمام. قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بشر، وهو العبدي أبو عبد الله، ثقة حافظ، قال: عن زكريا، وهو ابن أبي زائدة أبو يحيى الكوفي، ثقة إلا أنه يدلس. وما حكم رواية المدلس؟ نعم، تقبل إذا صرح بالتحديث، وإذا روى بالعنعنة فلا تقبل روايته. قال: كلاهما عن سماك، عن جابر بن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. "حسنا، حسنا" يعني تطلع طلوعاً حسناً، بمعنى أن ترتفع. وحدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد بن طريف بن جميل أبو رجاء البغلاني، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا أبو الأحوص، وهو سلام بن سليم الكوفي. وحدثنا ابن المثنى، وابن بشار، محمد بن المثنى، الملقب بالزمن، وابن بشار، محمد بن المثنى، الملقب بماذا؟ بمندار، يعني كثير العلم. قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر. ما معنى غندر؟ ما معنى غندر؟ مشاغبة؟ لا، مشاغب. بندار: كثير العلم، أما غندر فبمعنى مشاغب. قال: حدثنا شعبة، وحماد بن سلمة، أمير المؤمنين في الحديث، كلاهما عن سماك بهذا الإسناد، ولم يقولوا: "حسنا". هذا الحديث فيه استحباب الجلوس، جلوس المسلم في مصلاه بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. فقد روى جابر بن سمرة رضي الله عنه في هذا الحديث: كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم، كثيراً. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس. والرواية الأخرى: كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. "حسنا" يعني حتى ترتفع. فدل الحديث على استحباب الجلوس، جلوس المسلم في مصلاه بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس. هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، وصح من قوله أنه قال: «من صلى الفجر ثم قعد في مصلاه في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كحجة وعمرة تامة، تامة، تامة». وهذا من قوله، فيستحب للمسلم إذا صلى الفجر أن يلزم مصلاه حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس وزال وقت الكراهة استحب له أن يصلي ركعتين، فينال بهما هذا الأجر، فتكون هاتان الصلاتان كحجة وعمرة تامة، تامة، تامة. وقوله: «فإذا طلعت الشمس قام» يعني من مصلاه. «وهم يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم» يعني كانوا يجلسون، وربما تحدثوا في شيء مما كانوا يفعلونه في الجاهلية، فيتذكرون ما كانوا عليه من بعد عن الهدى وما كانوا فيه في أيام الجاهلية، فربما يضحكون على ذلك الحال الذي كانوا عليه، وليس هذا على سبيل يعني الجهر بالذنب أو المعصية، لا، وإنما أن المسلم يستشعر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه وما من عليه من الهداية والاستقامة، فربما يذكر ما قد يفعل في الزمن الماضي قبل الهداية من أفعال، لربما يسخر منها في نفسه: كيف كان على ذلك الحال وعلى ذلك الوضع؟ فذكروا شيئاً من ذلك من باب تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى وما من الله سبحانه وتعالى به على الإنسان من الهداية والصلاح والاستقامة. قوله: «كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية» يعني يذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية، أو ما كان عليه أهل الجاهلية، «فيضحكون ويتبسم» أي النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على جواز مثل ذلك. وأما أن الإنسان يذكر ما كان يفعل على سبيل الجهر بالمعصية، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالعمل في الليل ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيتكشف ستر الله عليه»، كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. المجاهرة بالمعاصي لا تجوز، أن يتحدث الإنسان بما فعل من ذنوب وسيئات ومعاصي، وليس هذا المقصود، المقصود يتذكر ما كان عليه في حال ما كان في الماضي قبل الهداية والاستقامة، ويشكر الله جل وعلا، ويحمد الله على ما من عليه من الهدى والاستقامة. وقوله: «فيضحكون ويتبسم» فيه جواز الضحك في المسجد. كان يعني شيئاً قليلاً وله سبب، فلا بأس، فلا بأس بذلك. والضحك يعني في حد ذاته هو مباح، لكن الإكثار منه مذموم، الإكثار من الضحك مذموم. وإذا كان يضحك من غير سبب فهذا يعني مما يطعن في مروءة الإنسان، ويكون خارماً في مروءته. وقوله: «ويتبسم» وكان هذا غالب ضحك النبي عليه الصلاة والسلام، هو التبسم، أنه كان يتبسم عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يضحك عليه الصلاة والسلام حتى يتقهقه، وربما لو بالغ في الضحك أن ترى نواجذه، كما جاء في بعض الأحاديث. وهذا من أدبه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا ضحك تبسم. وكذلك أيضاً يدل على جواز التبسم إذا سمع شيئاً يعني يضحك، لا بأس أن يتبسم، أو كذلك أيضاً أن يضحك إذا ما تحمل، إذا ما تحمل الضحك، يعني أن يضحك. وقد كان بعض السلف من أئمة الحديث كان ربما يضحك حتى يسقط على ظهره من شدة الضحك، فمثل هذا الحال يعني إذا ما استطاع أن يتمالك نفسه فهو مباح، لكن كما قلنا يكون قليلاً ومع وجود سبب للضحك. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الحديث، الله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.