الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 89، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبين المقطع أن العمى لا يحول دون طلب العلم والفتوى، مستشهداً بعلماء مكفوفين كابن باز ومحمد بن إبراهيم، وحديث عوض الجنة للصابر على فقد بصره. ويؤكد أن السمع كافٍ لتلقي العلم بخلاف فقد السمع الذي يعيق التلقي.
يوضح المقطع الفرق بين العمى والصمم في القدرة على التحصيل العلمي، مبيناً أن الصمم والبكم يمنعان التلقي لارتباطه بالسمع. ويستعرض السبعة المكثرين من رواة الحديث ومصطلح المتابعة التامة في رواية قتادة.
يشرح المقطع حديث «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم» مبيناً أن الأقرأ هو الأحفظ لكتاب الله، ويستعرض خلاف الأئمة في تقديم الحافظ على الفقيه. ويرجح أن المراد بالأقرأ هو الأحفظ مطلقاً مستدلاً بحديث أبي مسعود البادري.
يختتم المتحدث المجلس بالسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، معلناً انتهاء المقطع المحدد من الدروس. ويدعو الحضور بالخير والبركة في ختام الجلسة العلمية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، ثقة ثبت. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، أيضًا ثقة، عن قتادة، وهو ابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، ولد أكمى. ماذا معنى أكمى؟ أعمى. ولد أعمى، ومع هذا ما منعه العمى أن يكون عالمًا ومحدثًا، وكان رحمه الله ذا حفظ قوي. وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا ابتلاه الله سبحانه وتعالى بشيء من العاهات ك العمى أو العرج أو نحو ذلك، لا يكون ذلك مانعًا له من تحصيل العلم ومن طلب العلم. وكثير من العلماء كانوا ممن فقد بصرهم، ومع ذلك كانوا من أهل العلم، وممن آتاهم الله سبحانه وتعالى علمًا كثيرًا، سواء كانوا من العلماء المتقدمين أو كانوا من العلماء المعاصرين، يعني كالعلامة ابن باز رحمه الله، وهكذا محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وهكذا أيضًا عبد العزيز آل الشيخ، مفتي المملكة حاليًا، وغيرهم كثير. غيرهم كثير، لا يعني لم يمنعهم العمى أن يطلبوا العلم، وأن يحفظوا الكتاب والسنة، وأن يتفقهوا في دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم ذا همة عالية، فإذا كان هذا حال من فقد بصره، فكيف بالذي يبصر؟ الذي يبصر يستطيع أن يقرأ وأن ينظر بنفسه، كيف بعد ذلك يتكاسل ويتقاعس ويضيع وقته عن تحصيل العلم وجمعه وفهمه؟ فكذلك ينبغي أن يكون طالب العلم. وإذا أخذ بصر العبد، وإن كان ذلك يعني شيئًا عظيمًا في حقه، لأن البصر هما، أو العينان حبيبتا الإنسان، اللذان بهما يبصر هذه الدنيا، ويبصر يعني أهله وأولاده وأقاربه، إلى آخر ذلك من أمور الدنيا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أخذ الله عز وجل، أو إذا ابتلى الله سبحانه وتعالى العبد بحبيبتيه فصبر... إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة». إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، يعني عينيه، فصبر صبرًا واحتسب، العوض هو الجنة. عوضته منهما الجنة. والحديث صحيح. وهذه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة لمن ابتلي بذلك إذا صبر واحتسب، أن يعوض بالجنة. ومع ذلك أيضًا، كون الله جل وعلا أخذ بصره، فعنده ما يستطيع أن يتلقى به العلم، وهو السمع. أن يتلقى به العلم وهو السمع، يسمع ويستطيع أن يتحصل على العلم عن طريق السمع. ولهذا كما سمعتم، وجد كثير من أهل العلم ممن فقدوا أبصارهم، ومع ذلك صاروا من أهل العلم. لكن في المقابل، هل تجد من فقد سمعه وأبقى الله عز وجل له بصره كان من أهل العلم؟ الجواب: لا تجد. الغالب هو من فقد يعني بصره، فكان أعمى، وتحصل على العلم. أما الأصم والأبكم، فلم يوجد يعني منهم أحد من أهل العلم، لأن غالب ما يتلقى العلم عن طريق السمع، عن طريق السمع. قد يوجد شيء نادر، يوجد شيء نادر ممن هو أصم وأبكم وعنده خير، قد يكون في باب التأليف، قد يكون في باب التأليف، لكن أن يكون عالمًا يعني يعلم العلم ويرجع الناس إليه في الاستفتاء، فهذا لا يوجد. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله مقارنة بين العمى وبين ماذا؟ الصمم والبكم. أيهما يعني أشد؟ أيهما أشد من الآخر؟ ثم ذكر يعني نحو هذا الكلام، أن ذهاب السمع والكلام أشد، بخلاف ذهاب البصر. ولهذا كما سمعتم، وجد من العلماء من هو أعمى، لكن لا يوجد من هو أصم وأبكم من أهل العلم. قال: عن أبي نظرة، وهو أبو نظرة المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك. نعم، أبو سعيد الخدري أحد السبعة الذين رووا فوق الألف من الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هؤلاء السبعة خليل؟ نعم، أحسنت. المكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر كالخدري، وجابر، وزوجة النبي. هؤلاء السبعة من الصحابة رضوان الله عليهم، رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام فوق الألف من الحديث: أبو هريرة، وابن عمر، وأنس بن مالك، والحبر هو ابن عباس، عبد الله بن عباس، والخدري هو أبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله بن حرام، وزوجة النبي، أي عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم». وقال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا شعبة. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن سعيد بن أبي عروبة. وحدثني أبو غسان المسمعي، قال: حدثنا، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي. كلهم عن قتادة، بهذا الإسناد مثله. نعم، هذا ماذا يسمى عند أهل الحديث؟ رواية هؤلاء كلهم عن قتادة: شعبة، وابن أبي عروبة، ومعاذ بن هشام، أو هشام والد معاذ. رواية هؤلاء الثلاثة عن قتادة، ماذا تسمى؟ قد ذكرنا هذا في دروس الماضي. ها؟ متابعة، متابعة تامة. متابعة تامة، يعني كل واحد منهم تابع الآخر في الرواية عن قتادة، فهذه متابعة تامة. هذا الحديث: قال وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سالم بن نوح، وحدثنا حسن بن عيسى، قال: حدثنا ابن المبارك، جميعًا عن الجريري، عن أبي نظرة، أو الجريري عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. في هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم». إذا كانوا ثلاثة، هل معنى هذا إذا كانوا اثنين ما يقدمون أحدهم؟ الجواب: لا، ولو كانوا اثنين. طيب، وشيتي معنا في حديث مالك بن الحويرث ما يدل على ذلك. ولهذا فإن مفهوم العدد ضعيف، كما هو مقرر عند أهل العلم، فلا يفيد الحصر. فقوله: «إذا كانوا ثلاثة»، ليس معناه إذا كانوا اثنين أنهما لا يقدمون أحدهم أو أقرؤهم، بل ولو كانوا اثنين. لكن ذكر هذا العدد لأنه الأكثر يعني في الدلالة على الجمع. فالمقصود: إذا كانوا جماعة، نحو ثلاثة أو أكثر، فليؤمهم أحدهم. وإلا لو كانوا اثنين، كذلك يتقدم الأقرأ ويصلي بصاحبه. قال: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم»، أي أحد الثلاثة. «وأحقهم بالإمامة أقرؤهم»، الذي يستحق أن يتقدم ويصلي هو الأقرأ. «وأحقهم بالإمامة أقرؤهم»، يعني أحفظهم، بمعنى أحفظهم. فهذا الحديث دليل على أن الأولى بالإمامة هو الأحفظ، هو الأكثر حفظًا. ويدل على ذلك أيضًا حديث عمرو بن سلمة، لما كان عند قومه، وسمعوا هذا الحديث، وأرادوا أن يقدموا الأحفظ، فلم يجدوا أحدًا أكثر حفظًا منه، فقدموه، وكان صغيرًا، كان ابن سبع أو ثمان سنين، رضي الله عنه. وبهذا قال الإمام أحمد وأبو حنيفة: إن الأحفظ هو الأولى بالإمامة من الأفقه. أن الأحفظ هو الأولى بالإمامة من الأفقه. وذهب الإمام مالك والشافعي إلى أن الأفقه هو الأولى، أن الأفقه أولى بالإمامة من الأحفظ. قال: وذلك أن الصلاة تحتاج إلى فقه، قد يحصل للإمام خطأ يعني في أثناء الصلاة، فالفقيه يعرف كيف يتصرف وكيف يفعل مع حدوث هذا الخطأ، بخلاف من لم يكن فقيهًا. وحملوا هذا الحديث على أن المراد بالأقرأ: الأحفظ والأفقه، الأحفظ والأفقه. قالوا: لأن القراء كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام هم العلماء، كانوا هم العلماء. وإن كان الأمر كذلك، القراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل العلم الذين يحفظون القرآن ويفهمونه، وعندهم علم. لكن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «أقرؤهم»، أي أحفظهم. ويدل على ذلك ما سيأتي معنا بإذن الله في حديث أبي مسعود، قال: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة». إذا المراد بالأقرأ هنا أي الأحفظ. فالأحفظ هو المقدم للإمامة مطلقًا. طبعًا هذا في حال إذا أرادوا أن يصلوا، وليس هناك ما يستدعي أن يكون أحدهم أولى بالإمامة، كأن يكون هو صاحب البيت، أو إمام المسجد، أو الإمام مثلا الأعظم، الإمام العام، رئيس الدولة، أو نحو ذلك. فإن لم يوجد شيء من ذلك، فالأولى بالإمامة هو الأحفظ. فالأولى بالإمامة هو الأحفظ. فإن كانوا في الحفظ سواء، فسيأتي معنا من الذي يتولى الإمامة بعد ذلك في حديث أبي مسعود البادري، رضي الله تعالى عنه. طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.