الدرس في شرح كتاب التوحيد 137، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يبدأ ببيان أنواع السحر المنهي عنها في الإسلام مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يشرح الحديث الذي ينهى عن العيافة والطرق والطيرة.
يشرح معاني العيافة والطرق والطيرة، وهي أمور محرمة وتعتبر من الكهانة والدجل. يستخدم فيها الطير أو الحصى أو الخطوط بالأرض للتنبؤ بالمستقبل.
يفسر الطيرة بالتشاؤم ويشرح كيف كان العرب يتطيرون في الجاهلية. كما يفسر الجبت برنة الشيطان أو الشيطان نفسه، ويبين أن هذه الأفعال من إملاء الشيطان.
يختتم الحديث عن أنواع السحر مشيرًا إلى أنها من وساوس الشيطان. يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان شيء من أنواع السحر. لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر ما يتعلق بأمر السحر في قوله: باب ما جاء في السحر في بيان حكمه وحكم فاعله، ناسب أن يعرج في هذا الباب أن يبين شيئًا من أنواع السحر بذكره وتعداده وبيان بعض صوره. وهذه من الأبواب المفيدة التي من خلالها يتعرَّف المسلم على بعض من أنواع السحر. إن المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب فقد نوع وعدد في ذكر صور السحر، إما أن الشرع أطلق عليها اسم السحر أو أن مفعولها كمفعول السحر، مما تؤثر على النفوس. قال: قال رحمه الله تعالى: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف عن حبان عن حبان من العلا، قال: حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العيافة والطرق والطيارة من الجبت». قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط بالأرض، والجبت قال الحسن: رنَّة الشيطان. قال: إسناده جيد، ولأبي داود والنسائي وابن حبان وصححه المسند منه. انتهى ما أورده المؤلف رحمه الله تعالى من أول استدلالاته بهذا الحديث الذي عنون عليه بقوله: باب بيان شيء من أنواع السحر. وأورد لنا حديث قبيصة رضي الله تعالى عنه، والذي أورده لنا المؤلف رحمه الله تعالى بسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو المشهور بغندر وهو ثقة، قال عن عوف، وهو عوف بن أبي جميلة والمعروف بعوف الأعراب وهو ثقة، قال عن حيان ويقال له حيان ابن مخارق، وهذا الراوي متكلم فيه، رمي بالجهالة، ولهذا وصفه الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في التقريب بأنه مقبول، وهذا إشارة إلى ضعفه لأنه لم يوثقه إلا ابن حبان. قال عن قطن، وقطن أبو سهلة البصري وهو صدوق، قال عن قبيصة، وهو أبو عبد الله الهلال وهو صحابي وهو راوي الحديث: «إن العيافة والطرق والطير من الجبت». فالشاهد أن هذا الإسناد إخواني في الله تجد أن فيه علة، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى إعلاله وتضعيفه، كما فعل ذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في غاية المرام وفي المشكاة، وهكذا في ضعيف الترغيب والترهيب، إلا أن المعنى صحيح. إذ أن هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث منهية عنها: العيافة والطرق والطيرة. ثم أشار المؤلف رحمه الله تعالى بعد رواية للحديث إسناده ما جاء من تفسير عوف رحمه الله إلى معنى هذه الكلمات. فقال عوف رحمه الله: العيافة زجر الطير. هذا معنى العيافة وهو زجر الطير. طيب ما معنى أن العيافة المنهية عنها هو زجر الطير؟ هل معنى ذلك أن كل من زجر طيرا دخل في العيافة وهي محرمة؟ يعني أحيانا الواحد منه يخرج فيجد الحمام أو يجد الطيور فيزجرها أو ذاك الذي عنده حمام فيزجره في الهواء، هل هذا يدخل في هذا المعنى؟ الجواب: لا، ليس هذا المقصود. المقصود العيافة هي زجر الطير هي ما كان من عادة العرب قديما، إذ أن من العرب من كان يمتهن مهنة الكهانة. والكهانة لها صور وسيأتي معنى في بابها، الكهانة هو نوع من أنواع الدجل الذي به صاحبه يتعرف على المستقبل. فكانت الكهانة لها صور، ومن صور الكهانة عن طريق الطير. وكان صاحبها يقال عنه عائف، وهو أنه يستثير الطير ويسجل الطير، فإذا تحركت الطير يمنة أو يسرة أو مقدمة أو مؤخرة ذهبت هنا وهنا، فهو ينظر إلى حركاتها ويتنبأ، ينظر في حركاتها ويتنبأ. هذه هي العيافة، وهذه هي من الجبت، وهي من فعل الشيطان، وهي نوع من أنواع الكهانة، وهي محرمة. وصاحبها إن استعان بالجان كما مضى من أنواع السحر فيدخل في الكفر، ولأن فيها كذلك التنبأ بعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله جل في علاه. وسأتي معنا باب مستقل يتعلق بالكهانة بأنواعها سيأتي الكلام في حينه. لكن هاهنا لما جاء في الحديث: «إن العيافة من الجبت»، علمنا أن العيافة هو ما كان من زجر الطير على ما كان من عادة العرب. قال عوف رحمه الله تعالى: والطرق الخط يخط بالأرض. الطرق كذلك نوع من أنواع الكهانة، هو نوع من نوع الدجل، صاحبه يتنبأ بما يكون في المستقبل، لكن عن طريق الطرق. وما هو الطرق؟ الطرق له عدة صور، إما أن الطرق هو رمي الحصى، رمي الحصى في الأرض يعني مثل النرد، هذا النرد لكنه في مطوع الكهانة ليست لعبة كهانة. فيأتي صاحب الكهانة ويرمي الحصى، ثم على رمية الحصى وعلى نزولها في المربعات معينة يحكم على صاحبه بما سيكون في مستقبله، إما السعادة وإما شقاوة، إما النجاح وإما الفشل، إما أنك تقدم على السفر أو لا تقدم على السفر، إما أنك تقدم على الزواج أو لا تقدم على الزواج. هذه الأشياء المصيرية من أين جاء بها الكاهن؟ جاء بها عن طريق الطرق. يطلق الأرض بهذه الحصى فيتنبأ بالمستقبل، أو كما قال الجماعة من المفسرين: أنه يخط بالأرض خط يخط بالأرض. صاحب الطرق تأتي إليه وتقول له: أنا جئت إليك أريد أنك تذكر لي إيه سيواجهني في غد، ما الذي سيكون في مستقبلي؟ يقول: أبشر اجلس، فإذا جلس عنده أتى بخيوط أو خط خطوطا في الأرض يخط خطوطا شبه عشوائية، ثم بعد ذلك يقوم بمسحها خطا خطا إلى أن يترك بعض الخطوط. ثم من خلال تكهن هذا الطرق، من خلال نظر في خطوط الموجودة الباقية في الأرض يتنبأ بمستقبلك. هذا يسمى الطرق، وهو نوع من أنواع الكهان. وهذا كثيرا ما تفعله النساء من أهل الشعوذة. وقد مر معنى لو تذكرون في أوائل كتاب باب السحر في قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَفّاثاتِ فِي العُقَدِ﴾ جاء الضمير للنسوة لأن أكثر من يتعاطى السحر ويعمل السحر هن النسوة. فتجد أن عدد السواحر أكثر من عدد السحرة، أي أن النساء أكثر بكثير. فتجد أن الكهانة وأن الشعوذة وأن الطرق وأن مثل هذه الأمور التي يتكهن بها تكون أكثر من يمتهنها النساء، وذلك لقلة عقلها ولضعف إيمانها ولأنها ألعوبا للشيطان ووساوسه فيقعنا في هذا. فالشاهد أن ما جاء في الحديث أن العيافة وأن الطرق من الشيطان، أي أن هذا من فعل الشيطان. ثم قال في الحديث: والطيارة. والطيارة سيأتي معنى كذلك باب المستقل يتعلق بالتطير. الطيارة بمعناها العام وهي التشاؤم، التشاؤم بكل مرء أو معلوم أو مسموع هو التشاؤم. هذا معنى الطيارة. الطيارة بمعنى التشاؤم، وكانت هذه عادة متأصلة عند العرب، ولا زالت ولا زلنا نحن في القرن العشرين نجد أن من الناس من يتشاؤمون، إما أن يتشاؤم بزمان، إما أن يتشاؤم بمكان، إما أن يتشاؤم بأصوات، إما أن يتشاؤم بأحوال أمامه، كأن يجد أعور في بداية يومه أو يصبح على حادث يتشاؤم من هذا اليوم برمته. هذه الطيارة من فعل أهل الجاهلية. فكانوا يتطيرون أي يتشاؤمون، وسميت مسألة التشاؤم طيارة لأن كانت عند العرب من شأها من الطيور. كان الواحد إذا أراد أن يسافر فوجد أن الطيارة ذهبت يمنى استبشر بسفره ومضى، وإذا رأى أن الطيارة ذهبت عن يسرة تشاؤم وبطل وعطل السفر لأنه ماذا؟ يجد أن الطيار محل للتفاؤل وللتشاؤم. ولهذا سمى الناس بعد ذلك وجاء الشرع يسمي كل ما كان من أمر التشاؤم والتفاؤل يسمى طيارة. هذا معنى الطيارة. فالشاهد أن هذا الحديث: «إن العيافة والطرق والطيارة» هنا قال في الحديث: «من الجبت». على من يرى تحسينه إلا ففيه ضعف. قوله: «من الجبت»، ما معنى الجبت؟ هنا ذكر عوف رحمه الله تعالى تفسيرا عن الحسن البصري أنه قال: الجبت رنة الشيطان. رنة الشيطان ما معنى أن الجبت رنة الشيطان؟ الرنة هو الصوت الذي له نبرة، رنة الصوت الذي له رنة تجد أحيانا تضرب على أمر ما فيعطيك رنة، وهو صوت متكرر. هذه الرنة فالشيء الذي يعطي صوت متكرر يقال عنه رنة. طيب حسن البصري على هذه الرواية قال عن الجبت أنها رنة الشيطان، ما معنى رنة الشيطان؟ قال علماء: بمعنى إملاؤه ووسواسه. إملاؤه ووسواسه أي أن هذه الأفعال التي من خلالها يتعرف الناس على ما يكون في المستقبل، إما ما كان من طريق العيافة أو ما كان من طريق الطرق أو ما كان من طريق الطيرة، ما يتنبؤون به من أين جاء هذا التنبؤ في حقيقته؟ إنما هو إملاء الشيطان. الشيطان هو الذي يأتي عند أصحابها عند العائف وعند الطارق وعند المتطير وينبئهم بما في غد. هذا ليس من علم الله جل في علاه لأن الله استأثر علم الغيب لنفسه جل في علاه. إذن هؤلاء الذي يتخرصون به ويبيعون للناس بيعا، إذ أن الزبون يأتي ويدفع أموال على هذه النصائح والإرشادات، من من يدفع الآلاف المؤلفة على هذه الجلسة وهي قائمة على الترهات، وكلها من إملاءات الشيطان. فقال الحسن عن الجبت: هي رنة الشيطان، أي أن العيافة والطرق والطيرة إنما هي إملاءات يملئها الشيطان على أصحابها، والذي بدورهم ينقلونها إلى غيرهم. هذه عبارة رنة الشيطان. وإن كان من أهل العلم من يرى أن هذه العبارة ليست هكذا، وإنما كيفه؟ قالوا: جاء في بعض نسخ مسند الإمام أحمد أن الحسن قال: ألجبت إنه الشيطان، ما قال رنة الشيطان، قال: إنه الشيطان. لذا من أهل العلم يرى أن العبارة هكذا: ألجبت إنه الشيطان. ومنهم من قال: ألجبت رنة الشيطان. والمعنى متقارب ولا يشكل هذا في هذا. فشاهد إخوانا في الله قلنا: وإن كان الحديث فيه علة يوعد بها الحديث، إلا أن ما فيه من معطيات دلت عليها الأدلة الكثيرة. ولهذا سيأتي معنى في هذا الباب، وما سيأتي من أبواب أخر ما يتعلق بأمر الكهانة، ما يتعلق بأمر الطيرة. وسنتعرف أكثر وأكثر على هذه الأنواع من أنواع السحر، وكلها من وساوس الشيطان. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.