الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث الربيع بنت معوذ دليلا على جواز ضرب الدف للنساء في الأعراس، ويوضح الفرق بين الدف ذي الوجه الواحد المباح والطبل ذي الوجهين والآلات المشابهة كالدربوكة والدنبق المحرمة. كما يذكر سياق دخول النبي صلى الله عليه وسلم على الربيع وإقراره للجواري على الغناء بالدف مع النهي عن قولهن: "وفينا نبي يعلم ما في غد".
يبين المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للنساء الغناء والضرب بالدف في الأعراس والأعياد ونهى عن آلات اللهو الأخرى، كما أنكر ادعاء علم الغيب. ويوضح أن إشهار النكاح مستحب وليس بشرط لصحته عند الجمهور، وأن الحديث الوارد في اشتراط شاهدين عدلين غير ثابت، فيصح النكاح بالولي والقبول فقط.
يحدد المقطع ضوابط الغناء المصحوب بالدف بشرط خلوه من الآلات المحرمة والكلام البذيء، مستدلا بقول النبي: "الشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح". ويجوز ذكر محاسن الموتى والثناء عليهم للاقتداء لا للتفاخر، مع الإنكار على من يدعي علم الغيب كما في قصة الجارية التي قالت: "وفينا نبي يعلم ما في غد".
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: "باب ضرب الدف في النكاح والوليمة". باب ضرب الدف: الدف بضم الدال، ويقال بالفتح. الدف، ويقال: دف، وهو المعروف من آلات الإيقاع أو آلات الموسيقى الذي يكون بوجه واحد. وإذا كان بوجهين، مغلق من هنا ومن هنا، فهذا يسمى طبلًا. وهو المقصود في حديث ابن عباس بالنهي عن الكوبة. قال علي بن بديمة: وهو الطبل. فما كان ذا وجهين فهو محرم، وأما الدف فرخص فيه النبي عليه الصلاة والسلام في النكاح والوليمة والأفراح. وأما الآلة التي تشبه الدف من أنها من جهة واحدة، لكنها تشبه هذا الطبل لكمة الصوت، أو أن الفتحة تصغر فيصير الإيقاع آخر غير الدف، وهو ما يسمى عندنا: يسمونه "دنبق"، وبعضهم يسمونه "دربوكة"، وبعضهم يسمونه كذا، يكون مفتوحًا من جهة، ثم تنقص الجهة الثانية في فتحتها مثل البوق. فهذا الصحيح الذي عليه أكثر الشافعية وغيرهم، أنه محرم كذلك عند الحنابلة، أنه لا يجوز ولا يدخل في الدف. قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري. قال: حدثنا بشر بن المفضل، وبشر أيضًا من حفاظ البصرة. قال: حدثنا خالد بن ذكوان، وهو أبو عبد الله المدني. قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء، وهي من صغار الصحابة - أقصد أنها ليست من الكبار، وإنما تزوجت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام -: جاء النبي عليه الصلاة والسلام يدخل حين بُني بي، فجلس على فراشي كجلسك مني. جلس على فراشي، كأنه إما أن يكون من حجاب، وهذا لعله بعيد، أو أنه المراد أنه جلس في مجلس قرب، أو معنى مجلس وعد له عليه الصلاة والسلام في نفس الغرفة التي فيها العرس. وكذلك أيضًا قيل: إن معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام جلس عندها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن ينظر إلى المرأة إذا احتاج لذلك، وكذلك الخلوة بالأجنبية فهي من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، لأجل ذلك أجاز الله عز وجل له ذلك. وهذا قول كثير من أهل العلم. ودخول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا على أم حرام بنت ملحان زوجة عبادة بن الصامت، وكذلك أم أنس، من هذا الباب، وليس هناك قرابة على الصحيح، الله أعلم. والصحيح أن مثل الجلوس عند المرأة إذا أمنت الفتنة فلا بأس، وخاصة عند أقاربها ومحارمها. ليس أنه ملاصق بها أو قريب منها، لا، بل بعيد، لكن قد يكون في فراش واحد، فراش مثل حصر أو ما يفرش في الأرض. فقالت الربيع لخالد بن ذكوان: "كمجلسك مني". قالت: "فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر". إذ قالت إحداهن: "وفينا نبي يعلم ما في غد". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين". فهذا الحديث فيه جواز الضرب بالدف للنساء. وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أن خالد بن ذكوان قال: "كنا" أو "سمعنا صوتًا"، كنا بالمدينة يوم عاشوراء، والجوار يضربن بالدف ويتغنين. قال: فدخلنا على الربيع بنت معوذ فذكرنا ذلك لها، كأنهم أنكروا هذا، فجاءت لهم بهذا الحديث على جواز الضرب بالدفوف في الأعراس. وفي هذا الحديث أن الضرب بالدف استثناء استثناه النبي عليه الصلاة والسلام. وقد صحح هذا الشيخ الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز أو ذكر بالدف في الأعراس، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يجيز الدف في الأعراس ويحك عليه. وقد كنا النساء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبعض النساء، أو قال لعائشة، لبعض أو لزوج بعض نساء الأنصار: "ألا جعلتم معهن شيئًا من اللهو، وضربتم عليهن بالدفوف". وكان يقول في معنا كنا نقول: "وأهدى لها كبشًا، تنحنح في المربد، وزوجك في البادي، وتعلم ما في غد". فالنبي عليه الصلاة والسلام أنكر هذه الكلمة: "لا يعلم ما في غد إلا الله". لكن كان يقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "ولولة السمرة، ولولة الحبة، السمرة ما سمرت أو ما سمنت عذارين". فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام النشيد أو الغناء للأعراس، والمراد بالغناء هنا الذي لا يكون مصحوبًا آلة موسيقى إلا الدف، يجوز أن يصحبه دفًا. وأما غير الدف فلم يجوزه النبي عليه الصلاة والسلام. واختلف: هل يكون الدف للرجال يضربون بالدف، على أن يرخص لهم؟ فالصحيح أنه لم يأت الترخيص للرجال. فالدف أصلًا من آلات اللهو التي حرمت، لكن أجيز للنساء في الأعراس، وكذلك في الفرح. ولهذا لما قالت تلك المرأة لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة: "إني نذرت أن نجاك الله أن أضرب بالدف"، فقال: "إن كنت نذرت فافعلي، وإن لا فلا". قال: "إن كنت نذرت فافعلي". فضربت بالدف عند النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سمعت صوت عمر أخفت هذا الدف وجلست عليه حتى لا يراه عمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أهن لك يا ابن الخطاب، ما سلكت فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجك". لأن هذه الآلات غالبًا هي من صوت الشيطان، هذه المزامير من صوت الشيطان، كما قال أبو بكر لما سمع الدف والغناء في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيد: "مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، دعهم، فهذا عيدنا أهل الإسلام"، أو قال: "لكل قوم عيد، وهذا عيدنا أهل الإسلام". فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم في الأعياد كذلك في النكاح أن يضرب بالدف. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أعلنوا النكاح". وجاء في رواية: "واضربوا عليه بالدف". لكن الصحيح أنها شاذة، وأما "أعلنوا النكاح" فهو صحيح. والإعلام إما أن يكون بإشهاره، وإما أن يكون بالشهود، فوجود الشهود يعتبر إعلانًا، كما قال الإمام مالك رحمة الله عليه: إما بإشهار هذا النكاح، وإما بوجود الشهود فيه. والمراد أنه لا يكون خفية، لا يكون هذا خفية بدون أن يعلم أحد، فهذا يعتبر من عدم الإعلام. فإذا لم يعلن، هل النكاح صحيح أو ليس بصحيح؟ الصحيح أنه صحيح، وليس بشرط، وليس بشرط عند أكثر العلماء. وعند مالك أنه شرط: إما أن يعلن، وإما أن يشهد. والصحيح أنه ليس بشرط، لأن الحديث أولًا فيه كلام، وكثير من العلماء يقولون أنه لا يصح، وأيضًا النكاح يصح بالعقد كما تقدم، إذا عقد الرجل وكل الولي واتفق على النكاح فيعتبر نكاحًا صحيحًا. طيب، وأما الشهود فلم يثبت اشتراط الشهود، لكن أكثر العلماء على أنه يشهد، فبعضهم يقول بالاستحباب، وبعضهم يقول بالوجوب. معنى يشهدون: لأنه جاء في حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". لكن الصحيح أن قوله "شاهدي عدل" لم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي ثبت قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي". لا نكاح إلا بولي. طيب، قال: "فجعلت جويريات لنا يغنين"، "فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائهن يوم بدر". تضرب بالدف وتغني، وهذا الغناء كما قلنا إذا لم يكن فيه آلات موسيقى محرمة، معنى غير الدف، وإذا كان أيضًا كلامه بذيء، كلامه فيه بداء أو فيه فحش، أو فيه معنى شيء محرم من الهجاء وغيره. وأما كان الكلام مباحًا فجائز، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح". حسنه حسن، وقبيحه قبيح. وقوله "يندبن" هنا، قولها "ويندبن" هذا من الندب أو الندبة، وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه وتعديد محاسنه، وليس المراد الافتخار، وإنما فقط ذكر محاسن الميت. وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا تذكروا محاسن موتاكم" إلا أن الحديث مختلف. لكن جاء في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء". فالسب لا يجوز، لكن ذكر بعض محاسنهم ليس من باب الافتخار والكذب، وإنما من باب ذكر محاسن الموتى التي كانوا عليها حتى يقتدى بهم في هذا الباب. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليهم هذا، لأنه ليس من باب التفاخر. أما إذا كان من باب التفاخر على الغير فهذا لا يجوز، بل هو من سنن الجاهلية. ولأن هؤلاء الذين كانوا يذكرون كانوا من أهل الإسلام، كانوا من أهل الإسلام الذين قتلوا في يوم بدر. قتلوا في يوم بدر، واستشكل بعضهم أن في بدر لم يقتل أحد من المسلمين إلا القليل، وإنما الذين قتلوا كانوا في أحد، الذين قتلوا من آباء الأنصار أكثرهم كانوا في أحد. وكذلك أبناء عفراء قد شهدوا بدرًا: معوذ ومعاذ وعوف، يعني أولاء قد شهدوا بدرًا. فلعل كما قال بعض العلماء: لعل بعضهم أخطأ، فأراد أن يقول أحد فقال بدر: "من قتل من آبائي يوم بدر"، وإنما قتلوا في يوم أحد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت: "وفينا نبي يعلم ما في غد": "دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين". أنكر عليها النبي عليه الصلاة والسلام هذا القول، لأنه لا يعلم ما في غد إلا الله. قل: "لا يعلم في السموات والأرض الغيب إلا الله". وقال ربنا جل وعلا لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: "قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء". فلا يجوز للإنسان أن يقول أن أحدًا يعلم بالغيب، أعلم بالغيب. ولهذا جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر بشدة، أنكر على هذه البنت أو هذه الجارية أنكر عليها بشدة، وقال: "لا يعلم ما في غد إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله". قال: "فقال: دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين". فيه جواز سماع المدح والمراثي مما ليس فيه مبالغة، أو غلو، وليس فيه أيضًا تفاخر، فلا بأس أن يمدح ويثنى على الميت ويندب بالميت، لكن ليس من باب التفاخر كما قلنا، وإنما من باب ذكر محاسن هذا الميت وأنه كان على الخير حتى يقتدى به. وهذا معلوم عند السلف، وأيضًا واقع عند السلف، قد كان السلف رحمهم الله يذكرون محاسن غيرهم من الأئمة الذين قد ماتوا، يذكرون محاسنهم وأنهم يفعلون كذا ويفعلون كذا، وإن كانت لهم خصيصة مثلاً أو شيء من الأسرار جعلوه في وقت بعد موته، أخبروا به، أخبروا به بعد موته، مثل ما أخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر النبي عليه الصلاة والسلام بعدما مات، وهكذا معاذ، أخبر بها بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يموت تأثمًا حتى لا يصيبه الإثم أنه كتم شيئًا من العلم. وهكذا، فلذلك فإن الإنسان إذا أثنى على الميت أثنى عليه بخير فهذا جائز، ولو رثاه بشيء من الرثاء من الشعر أيضًا لا بأس بذلك، ولا يدخل هذا في التفاخر. فهذا شيء ما يذكر فيه هذا الحديث، وإلا فوائده كثيرة، لكن إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر