الدرس في شرح كتاب التوحيد 136، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع حكم قتل الساحر في الإسلام مستندًا إلى آثار صحابية، حيث ثبت عن عمر وحفصة وجندب رضي الله عنهم أنهم أمر بقتل السحرة بهدف حماية المجتمع من فسادهم. يهدف هذا الحكم إلى حماية المجتمع من أضرار السحر.
ناقش المقطع آراء المذاهب الفقهية حول حكم قتل الساحر، حيث اختلفت الآراء بين القتل مباشرة، والتفصيل بين أنواع السحر، وترك الأمر لولي الأمر لتحديد العقوبة. يشير هذا الاختلاف إلى تعقيدات الفقه الإسلامي في التعامل مع السحر.
بحث المقطع في مسألة توبة الساحر وهل تقبل توبته أم لا، حيث اختلف العلماء بين عدم قبول توبته وقتله، وبين قبول توبته إذا كانت صادقة مع التشديد على معاقبته بالقتل إذا تكرر منه السحر. يظهر هذا الاختلاف تعقيدات الفقه في التعامل مع توبة الساحر.
ختم المقطع بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مما يعكس أهمية الختام بالدعاء والصلاة على النبي في الخطب والدروس الدينية. يعبر هذا الختام عن الرجاء في نفع الله تعالى للمستمعين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وصح عن حفصة رضي الله تعالى عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. قال وكذلك صح عن جندب، قال إمام أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي عنون له بقوله: باب ما جاء في السحر، بذكر الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية تعاملهم مع السحرة في أزمانهم. فمر معنا ما مر في البخاري من فعل عمر، ومن قوله: أنه كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. مر مضى هذا معنا من قول عمر، وكيف أنه أمر في الأمصار والقرى والأقطار أن يتتبعوا السحرة فيقتلوهم. والأثر الثاني وهو الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر رضي الله تعالى عنها. وهذا الأثر رواه الإمام مالك بلاغًا، لكن جاء عند البيهقي بإسناد متصل صحيح عن ابن عمر، أن حفصة ابتليت بهذه الجارية التي سحرتها، فانكشف أمرها، فأمرت بأن تقتل. والأثر الثالث ما ذكره المؤلف بقوله: وكذلك صح عن جندب. جندب الخير صحابي جليل، روى البخاري في تاريخه أن جندب مر على ملأ، وكان هذا الملأ عبارة عن الوالي، وهو حينها الوليد، قد تجمعوا حول ساحر، وكان هذا الساحر أغرى الناس بحركاته وأفعاله. وكان من أفعاله أنه يأتي بإنسان فيوهمهم أنه قد قطع رأسه ثم يعيده، فينبهر الناس. وهذا من فعل السحرة استعان بالجان وبالشياطين على مثل هذه الترهات. فمر جندب رضي الله تعالى عنه على هذه المهزلة، هذا الساحر وقد أبهر الناس بأفعاله، فلما دنا ودنى منهم، إذ بجندب يرفع السيف فيقتل الساحر أمامهم، ويخبرهم فليأمروه أن يعيد رأسه إلى نفسه، قد مات ما يستطيع. فثم قال جندب رضي الله تعالى عنه: حد الساحر ضربه بالسيف. هذا الذي عناه المؤلف بقوله: وكذلك صح عن جندب. ثم ختم المؤلف الباب بقوله: قال الإمام أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ما معنى عن ثلاثة؟ أي أن هذه المعاملة وهي قتل الساحر ثبتت عن ثلاثة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثبت عن عمر كما قد مضى، وثبت عن حفصة كما علمنا، وها هو يثبت عن جندب رضي الله تعالى عنهم جميعًا. فالكل قد اتفق على أن الساحر يقتل. وهذا هو مما ينبغي أن يتواصى به أهل السلطة، ومن كانت له القدرة على استئصال جذور الشر من مجتمعات المسلمين، أن يضربوا بيد من حديد لمن يتلاعب في دين الناس، وهكذا من يتلاعب في حياتهم، كأمثال السحرة. كم غروا بالناس؟ كم من صحيح قد أعلوه؟ كم من رجل معافى فأفسدوه؟ كم من رجل سليم العقل فجنوه؟ وهكذا قس من شرهم المستطير. فكان من فعل الصحابة أنهم كانوا يقتلون السحرة، وهذا كما قلنا من فعل من كانت له السلطة والولاية كولاة الأمور. وهنا تأتي مسألة، بل في الحقيقة عندي مسائل، ألا وهي من خلال الآثار المروية عن الصحابة، ما هو حد الساحر شرعًا؟ ها نحن عثرنا على ساحر، ما الذي ينبغي أن نفعل معه؟ لابد إخواني في الله من وضع أسس، وكما ذكرنا من البلية. وقد ذكرنا هذه القصة لإخواننا أن بعض من كان من الدعاة في بلاد من بلاد المسلمين تتبع السحرة وألقى القبض عليهم، فلما أتى بهم إلى الجهات الأمنية، قالوا: ما الذي نفعل بهم؟ ما عندنا قرار، ما عندنا قانون أو عقوبة على أمثال هؤلاء. سبحان الله، ما في قرار ولا قانون، إذا يتركون هكذا يفسدون في الأرض، يعيثون في الأرض فسادًا، قتلا ونهبًا، واستغلالًا لأموال الناس، وإفسادًا لعقولهم. فانظروا إخواني في الله إلى أقوال العلماء في مسألة حد الساحر. عندي عدة مذاهب في هذا الباب. المذهب الأول: مذهب من يرى أن الساحر يقتل، يقتل أولًا وآخرًا، ما هناك عندهم نزاع في هذا. وهؤلاء استدلوا بفعل الصحابة الذي سمعتم عنهم قتلوا ويقتلون السحرة، قالوا: نعم، فعلهم نافع. فأي ساحر نمسك به يقتل. ثم اختلف هؤلاء: هل الساحر يقتل ردة أم يقتل حدًا؟ الساحر إذا قتل، هل قتله على الكفر أم على الإسلام؟ فرق بين هذا وذاك. لأن إذا قلنا أن الساحر يقتل ردة، فإن جثته ترمى في الشارع، يحفر له حفرة كحفرة الكلاب، يرمى فيها ولا يبالى، هذا مرتد كافر. وإذا قلنا أن الساحر يقتل حدًا، فهو لا زال من أهل الإسلام، إذا قتلنا يغسل ويكفن ويدفن ويصلى عليه، لأنه لا زال من عصاة المسلمين، مثل قاتل النفس، من قتل نفسًا يقتل. نأتي الآن إلى الساحر على المذهب الأول، والذي قلنا أنهم يرون أن الساحر يقتل، قتله ماذا؟ ردة أم حدًا؟ فمنهم من قال: أن الساحر كافر، كافر متى ما مسكنا عليه نقتله وهو كافر مرتد، يرمى جثته في أي حفر من الحفر. ومن أهل العلم من يرى التفصيل، قالوا: نحن نقتل الساحر، لكن ننظر إلى سحره. فإذا كان سحر الساحر مبني على الكفر، وقد مضى ذلك معنا، إذ أن من السحر من يستمد قوته من كفره وإشراكه بربه، إما استهزاءًا بالقرآن، وإما عبثًا بالقرآن، أو رميًا بالقرآن في القاذورات والمجاري، وإما أنه يسجد للشيطان، بلاء أنت ما تعرفون ما الذي يفعله الساحر في خلاواته وفي حمامه، يفعل البلاء. قالوا: العلماء إذا كان الساحر مما سحره يستمد من الكفر، فهذا يقتل ردة. وأما إن كان الساحر سحره عن طريق العقاقير والأدوية، وقد أشرنا إلى هذه المسألة في أوائل المبحث، إذ أن من الساحر سحره عبارة عن خلطات، يأتي رجل يقول: يا ساحر، أخي عندي فلان، أريد أنك تصرفه عنا. أقول: هذا ما عليك، فأعطيه علاجًا، هذا ادخله في مائه، في شرابه، ودعوه يشرب. ما عليك، فإذا بهذا المسحور إذا شرب هذه الخلطة أو الجرعة ذهب عقله. هذا بماذا استغل سحره؟ بكفر لا، وإنما بعقاقير وخلطات وجرعات فيها مواصفات خاصة، يستطيع أن يغير في النفوس، يطرب العقول. فقال العلماء: فمن كان سحره من النوع الثاني، عبارة عن عقاقير، عبارة عن أدوية، فهذا يقتل، لكن قتل حد، لا قتل ردة. هذا هو التفصيل الذي يسير عليه جماعة من المذهب الأول، وهم من يرون أن الساحر يقتل في كل أحواله، لكن على الخلاف. والخلاف المشهور الذي سمعتموه: إن كان سحره قائم على الكفر، قتله ردة، وإن كان سحره قائم على العقاقير والجرعات والمواصفات الخلطية، فهذا يقتل حدًا. المذهب الثاني، وهو المذهب المشهور عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يرى التفصيل، يرى أن الساحر يقتل إذا كان سحره قائم على الكفر. وأما إن كان سحره قائم على الأدوية والجرعات، فهذا يعزر، هذا يعزر، إما بالجلد، وإما بعقوبات تنزل عليه. قال: أما ما نقتله إذا كان سحره ليس بكفر، ليس هناك سجود لغير الله، ما هناك تلاعب بمقدسات الله. قال: كيف نقتله لهذا يعزر، إلا في حالة قال بها الإمام الشافعي: نعم، حالة واحدة نقتله، إذا كان هذا الساحر عن طريق الجرعات قتل المسحور، إذا قتله، وثبت ذلك عليه. ماذا فعلت؟ قال: الله ما فعلت، قطعت جرعة، ولكن جرعة شكلها زائدة شوية، زائدة ما هي زائدة، أنت قتلت هذا، تقتل به. هذه الحالة نعم، يرى الإمام الشافعي أن من كان سحره قائم على الجرعات وعلى الخلطات، فإنه لا يقتل أصله، وإنما يعزر، إلا في حالة إذا قتل به المسحور، فإنه يقتل به. المذهب الثالث، وهو مذهب قريب من المذهب الثاني، قالوا: الساحر إذا سحره بلغ إلى حد الكفر، فإنه يقتل. فلهذا تجدون الاتفاق في المذاهب الثلاثة، ما أحد يخالف على أن الساحر إذا كان سحره وصل إلى حد الكفر، فإنه يقتل. وإنما تم الخلاف في الساحر إذا كان سحره عبارة عن جرعات وعبارة عن أدوية وعقاقير. فالمذهب الأول يرى أنه يقتل أيضًا، والمذهب الثاني يرى أنه يعزر، والمذهب الثالث وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال: لا نقول يقتل، ولا نقول يعزر، وإنما يترك هذا لولي الأمر، أنك تنظر في العقوبة الذي يستحق، وهذا الساحر، فإذا استحق القتل لشهرته يقتل، إذا استحق التعزير يعزر، أو يستحق الجلد، الجلد يجلد. قال: نحيل الأمر إلى ولي الأمر. فهذه المذاهب الثلاثة إنما خلافها في الساحر إذا كان سحره لم يصل إلى حد الكفر، عن طريق الجرعات، عن طريق أدوية وعقاقير. أما إذا كان سحره قد وصل إلى حد الكفر، فهذا يقتل ولا يترك. مسألة أخيرة إخواني في الله، وهي: هل للساحر توبة؟ هل للساحر توبة؟ ألقينا القبض على ساحر واعترف بسحره، وقال: يا إخوة، أعفوا مني، وأنا آسف، وأستحل من المظالم، وهذه آخر مرة، واعذروني، وأخذ يظهر الندم والحسرة. هذه المسألة هل للساحر توبة؟ هي في الأصل تقوم على مسألة: هل للساحر استتابة أصلا؟ هل نستتيب الساحر؟ هل إذا مسكنا الساحر يقول: ها يا ساحر، بالتوبة، ولا ما التوبة؟ هل لنا أن نطلق هذا؟ هل نخيره بالتوبة؟ على العلماء على قولين اثنين. من أهل العلم، وهذا المشهور عند المالكية، وعن الإمام أحمد، أن الساحر ما يستتاب، ما يستتاب. متى ما مسكنا به نجره إلى المشنقة، يشنق أو يعدم مباشرة. دع يبكي، ما يبكي، عندي عيال، عندي سوء الحال، أنا ما يجرجر إلى المقصلة، إما يشنقًا، وإما قتلًا. قالوا: هذا وهو المشهور عند العلماء أنه ما يستتاب، وليست له توبة. وذلك استدلوا أولًا بفعل الصحابة، قال: هذه آثار الصحابة، ما سمعنا أنهم طلبوا استتابة، أو نعطيهم فرصة، لا، ما يعطى لهم فرصة، هؤلاء قد بلغوا في الشر مبلغًا ما يمكن سكت عليه. قالوا: واستدلوا أيضًا بأن هذا أمر باطني، باطني، الله أعلم هل هو صادق وإن لا في الخارج يبكي بالدموع، وقلبه يبحك علينا. قالوا: ما هؤلاء سحرة، ما نطمئن، فيقتلون، يقتلون من غير استتابة، تابوا لما تابوا، المتلبس بالسحر يقتل. هذا المشهور عن أولئك. المذهب الثاني، وهو الذي مشهور عن إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، ولعله القريب من الصواب، قال: لا، بل الكافر يستتاب، والكافر له توبة، إن تاب. واستدلالًا أولًا قالوا: إذا كان المشرك وهو مشرك، وما هناك ذنب أعظم من الشرك، ومع ذلك إذا جئ بالمشرك يقول: أتشهد أن لا إله إلا الله، نعطيه فرصة، فإن شهد تركناه، تركناه وتاب، ومن تاب تاب إلى الله. قال: إذا كان المشرك يستتاب، فما ظنك بالساحر، وهو دونه؟ فقالوا: هذا الدليل الأول. الدليل الثاني قالوا: سحرة فرعون ألم يتوبوا إلى الله؟ وتاب الله عليهم، وقد بلغوا من السحر مبلغًا عظيمًا، بل كان هم الخلاصة، هم الخلاصة من ملأ فرعون في قوة سحرهم، ومع ذلك عندما تابوا، تاب الله عليهم، وجعلهم من أهل جنته. فالصحيح في هذه المسألة أن الساحر إن تاب وأقلع بشروط التوبة، بشروط التوبة المعروفة، فإن تاب، تاب الله عليه. لكن مسألة هؤلاء الذي يرون أن الساحر إذا تاب، تاب الله عليه، قال: لكن إذا تكرر ذلك منه، فحينها يعامل معاملة الزنديق. كيف معاملة الزنديق؟ قالوا: حينها يقتل ولا يستتاب. يعني نحن نعطيك فرصة، تب إلى الله، قال: أنبت إلى الله، رح يا عبد الله، وأصلح حالك، وحسن طريقتك. فرأينا أن الرجل أعاد الكرة، جئنا به، يا عبد الله، أخذت العهود والمواثيق وتركناك، لا والله، غفل مني وأنا نسيت، وجمع أعوذ بالغرور بالمال، وتركناه. فإذا تكرر الأولى والثانية، ومنهم من أضاف الثالثة، حينها يقتل، يقتل من غير استتابة، نقتله. ثم إن كان صادقًا في توبة هذا بينه وبين الله، الله أعلم بالسرائر، قد يكون في المرة الثانية، في الثالثة، قد يكون صادق التوبة، لكن يكفينا، يكفينا الخديعة، لا نترك لك المجال، وأنت تلعب بأعراض المسلمين والمسلمات، تتلف الأموال، وتذهب العقول. فعلى قول المذهب الثاني، قال: مع أن الكافر الساحر تعط له التوبة، لكن بشرط، بشرط التوبة أيضًا، أن لا يتكرر ذلك منه الصنيع، كما هو مع كثير من السحرة، وخاصة أن الطبع غلاب، الطبع غلاب، ومن كان خادمًا للشيطان، فالشيطان لا يتركه، لا يتركه. فمن تاب الآن وخاف من السيف، لربما ذهب، ما هي الأيام، ويأتيه شيطان ويغريه ويغريه حتى يرجع من طرف خفي. لكن إن عثر عليه المرة الثانية، أو على قول المجمع على المرة الثالثة، فهذا يقتل، ولو بكى، ولو اشتكى، ولو تاب إلى الله، وغلت توبته، حينها بينك وبين الله، أما أنت أمامنا فكافر، فيقتل ردة. هذا إخواني في الله ما أذكره من هذه المسائل، وهي من المسائل المهمة التي ينبغي أن تفهم في مسألة التعامل مع السحرة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.