شرح كتاب التوحيد 134

شرح كتاب التوحيد 134

الدرس في شرح كتاب التوحيد 134، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث الموبقات

يبدأ الشرح بتوضيح أهمية اجتناب السبع الموبقات كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن العدد المذكور في الحديث ليس على سبيل الحصر.

خطورة الشرك وأهمية التوحيد

يتم التركيز على خطورة الشرك بالله وأنه من أعظم الذنوب، بينما التوحيد هو أساس التعظيم لله ويقي من الوقوع في الشرك.

تفصيل الموبقات العظام

يتم شرح الحديث النبوي حول الموبقات العظام وتعدادها، مع التركيز على السحر ككفر وشرك، وغيره من الموبقات مثل قتل النفس وأكل الربا.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم الشرح بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. ومواصل إخواني في الله فيما نحن بصدده، وفيما بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله: باب ما جاء في السحر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من ضمن استدلالاته من أدلة السنة على ما جاء في أمر السحر. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا، اجتنبوا»، مأخوذ من المجانبة، وصورته أن تكون يا عبد الله في جانب والشيء المنهي عنه في جانب آخر. وهذه الصيغة تُعتبر من أعظم وأقوى صيغ التحذير؛ اجتنبوا، وذلك لأن مؤداها أنك تجتنب الفعل، تترك الفعل وتترك كل طريق موصل إليه، تترك الفعل وتترك كل طريق موصل إليه، هذا هو الاجتناب. فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبعة»، أي هذه المذكورات في هذا الحديث هي سبعة أشياء. هل معنى ذلك أن هذه المُوبقات هي محصورة في سبعة أمور لا تتعداها؟ الجواب: لا. وهذا ما يسميه العلماء بمفهوم العدد، والقاعدة الأصولية عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. فلما يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبعة المُوبقات»، ثم يسردها سردًا، هل معنى أن المُوبقات محصورة في هذه السبع؟ الجواب: لا؛ لأن هناك مُوبقات أخرى لم تذكر في هذا الحديث، ذكرت في حديث آخر كذلك. مثل ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». هل معنى ذلك أن أولئك النفر سبعة أشخاص، سبعة أصناف فقط؟ الجواب: لا، بل جاءت أدلة أخرى تدل كذلك على أن هناك أصنافًا من الناس يكرمهم الله جل وعلا بهذه التكرمة. هنا قد يقول قائل: إذا كان مفهوم العدد لا يفيد الحصر، إذا ما الفائدة من التعداد؟ الجواب: الفائدة من التعداد الاعتناء والاهتمام، هذا المقصود. كهذا الحديث، إذا علمنا أن المُوبقات كثيرة، وأن الجرائر والجرائم العظيمة وفيرة، لكن يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: إن كان من عناية بالحذر من مُوبقات، فهذه المُوبقات اجعلها على رأس الأولويات، اجتنبوا السبعة المُوبقات، هذه من أعظم ما ينبغي أن يُجتنب. وفي الحديث الماضي: «سبعة يُظلهم الله في ظله»، فالله جل وعلا يُكرم من شاء من عباده بهذه التكرمة، وهم أصناف كثيرة، لكن إن كان ولابد، واستطعت أن تحوز على هذه الأصناف السبعة فافعل. إذا فمفهوم العدد، إخواني في الله، يقول العلماء: إن فائدته تعود إلى الضرورة، العناية والاهتمام، كهذا الحديث الذي بين أيدينا: «اجتنبوا السبع المُوبقات». وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «المُوبقات»، جمع مُوبقة، وهي التي تُوبق أي تُهلك صاحبها. فهذه أعظم، أخطر ما يكون من الذنوب؛ لما عليها من تترتب عقوبات الدنيا، ناهيك عما يكون من عقوبة الآخرة. وأن صاحبها متى ابتُلِي بها لا يظن أن مهما صلى وصام، وأنه قرأ القرآن وقام، أن هذه الأعمال الحسنة ستغفر له ما قد سلف من هذه الذنوب أو من إحداها، لا. فإن من تورط في مثل هذه المُوبقات والكبائر العظام، فإن أمره أعظم من أن يفعل عملًا صالحًا، بل عليه أن يتحلل، عليه أن يستغفر، عليه أن يتوب، عليه أن ينوب، عليه أن يقلع. ترتب عليه أحكام. ولهذا، إخواني في الله، فهذا الحديث من الأحاديث المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة. فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع المُوبقات»، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك»، أول ما بدأ به نبينا من الأمور العظيمة، ومن الأشياء الخطيرة التي ينبغي أن تجتنبها ما دمت حيًا يا عبد الله في هذه الدنيا، أن تجتنب الشرك. إياك والوقوع في الشرك، والشرك قد مر معناه: هو أن تجعل لله ندًا، وهو من أعظم الذنوب على الإطلاق. ما هناك ذنب يوازي أو يساوي أن تشرك بالله. ولهذا لما سئل نبينا عليه الصلاة والسلام: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، هذا أعظم الذنب. ومن شدة شؤم الشرك على صاحبه أن الله جل وعلا لا يغفر لصاحبه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فمن وقع في الشرك فلا يظن أبدًا أن الله جل وعلا يغفر له. لكن العكس، العكس هو أن يأتي الإنسان بذنوب، يأتي الإنسان بمعاصي، لكن في باب التوحيد، وجناب الرب جل وعلا موحد، ما وقع في الشرك، هذا يرجى له الفلاح. قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث القدسي: «يا عبادي، يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا وذنوبًا ومعاصي، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة». انظر العكس. فالذنب، إخواني في الله، أعظم الذنوب على الإطلاق الشرك، فاحذر يا عبد الله أن تقع في الشرك. ولا تظن يا عبد الله أن الشرك والوقوع فيه أمر عظيم أو أنه أمر يحتاج إلى عناء، لا والله. الشرك قريب منا، لربما الإنسان يكفر بالله ويكون مرتدًا بكلمة، كلمة يخرجها من لسانه يعقد عليها قلبه، إذ به يعد يكون مرتدًا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، معنى ماذا فعلوا؟ قالوا كلمة من باب الهزل والمزاح، فأودت بهم أن يخرجوا من الدين والملة. وهكذا لربما خاطرة أو فكرة يعتنقها ويعتقدها الإنسان، لربما يعتقد الإلحاد، يسمع من هذه الشبهات والطرحات التي فشت في الناس، ثم يعتنق فكرة الإلحاد وأنه كاره للإسلام، اعتقدها اعتنقها فهو كافر. أو لو ربما فعله يفعله كمن ينحني ويسجد لغير الله، هذه الأمور اللحظة والفكرة والفعلة، كم تحتاج من أوقات؟ لو ربما ثواني، دقائق يفعلها الإنسان، يعتقد بما فيها يكفر من الدين والملة، ما يحتاج إلى عمر مديد أو إلى زمن طويل. بهذا، إخواني في الله، فالشرك خطير جدًا، خطير. وكم نرى من الناس من تساهل في هذا الباب، ولم يرفع له رأسًا، التهاون في أمر الشرك. واعلم يا عبد الله أن الشرك يقابله التوحيد، فإذا أردت أن تبتعد عن الشرك كن موحدًا. والتوحيد أساس التعظيم لله، كن معظما لربك، فكون موحدًا، التعظيم إذا وقر في القلب وظهر في الأفعال والأقوال كان صاحبه معظما لله، كان موحدًا. ومن تعظيمك لله جل في علاه أن لا تجعل مع الله ندًا، وأن لا تجعل مع الله شريكًا، هذا هو التعظيم. لا تجعل أحدًا كائنًا من كان، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا يزاحم الله في عبادته وطاعاته. إذا صليت لله وحده، وإذا صمت لله وحده، وإذا دعوت وإذا رجوت وإذا رغبت وإذا عظمت وإذا خشعت لله وحده، هنا يا عبد الله تكون موحدًا. أما أنك تخلط بين تعظيمك لله وتعظيم غير الله، فتدعو الله وتدعو غير الله، أو تهتف باسم الله وتهتف باسم غير الله، بغير الله، كمن يهتف بأسماء الأنداد والأصنام والأوثان والقبور والأضرحة والقباب والأحجار، هذا معظم لله عز وجل. فوالله لو أن التعظيم حل في قلب صاحبه لما تجرأ على أن يقع في شيء من صور الشرك. فالله الله يا عبد الله بالتوحيد، وحذرا من الشرك أن تقع فيه، سواء كان في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته. قال عليه الصلاة والسلام: «الشرك»، فبدأ به لعظمته. قال: «والسحر»، وهذا هو الشاهد من إرادة المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الحديث في هذا الباب؛ أن يبين مقدار السحر، وأن السحر هذه مرتبته من أعظم الموبقات، وأنها بعد الشرك. وهل معنى ذلك أن السحر ليس من الشرك وليس من الكفر؟ الجواب: لا، بل إن السحر من الكفر ومن الشرك. وإنما قال العلماء: إن هذا الحديث إنما أخرج السحر من الشرك لبيان أمره. وهذا ما يسميه الفقهاء: عطف الخاص على العام. يذكر اللفظ العام ثم يذكر بعض أفراده. فالشرك يدخل فيه السحر، فذكر السحر على حدة لبيان أمره والتحذير من شأنه وبخصوصه؛ لأن أكثر الناس من يغفل عنه، كما هو في هذه الأزمان. كما في هذه الأزمان لو ربما بعض الناس يتعامل بالسحر ويرى أنه من الأمور المباحة، أو يراه أنه من الأمور المكروهة. وقد مر معنا من أدلة الكتاب والسنة على أن من تعاطى السحر كفر. بل قلنا: إنه يدخل في التكفير في مجال السحر: من عمل السحر، من اعتقد السحر، من تعلم السحر، من علم غيره السحر، كل هؤلاء كفر، كل هؤلاء كفر، كما جاء ذلك بنص القرآن والسنة. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث في بيان الموبقات العظام التي ينبغي أن يتخلص منها كل مسلم ومسلمة. ثم ذكر بقية الموبقات، وهي: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا والتعامل بالربا، سواء كان ربا مع شخص أو ربا مع جهة، كمن يتعامل مع البنوك الربوية، فإن ذلك من الموبقات العظام، والتي تفسد عليك مالك يا من أردت الربح من خلال التعامل بالأصناف الربوية والمعاملات الربوية. فاعلم أن الربا يمحق البركة: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: وأكل مال اليتيم، أي من تولى العناية والرعاية لأموال اليتامى، فليتق الله فيها في أموالهم، فلا يأكلها إسرافًا ولا بطرًا، وإنما يحاول أن يحفظ عليها أو يزيد عليها، هذا الذي لك يا أيها المولى على مال اليتيم. إما أن تحفظ رأس أموال اليتامى أو أنك تزيد وزدت، فهذا خير لك. أما أنك تنقص بما يعود إلى نفسك وإلى جشعك وإلى أنك تطمع في الأخذ من أموالهم بغير وجه حق، فهذا سحت. ومن يأكل أموال اليتامى إنما يأكل في بطنه نارًا، كما قال ذلك ربنا جل في علاه. وهكذا: «التولي يوم الزحف»، وهو الهروب عند التحام الجيوش، فإن المسلم إذا كان جنديًا في معسكر المسلمين والتقى مع معسكر الكفار، وجب عليه الثبات والاستقرار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، أمر الله بالثبات، فلا يجوز الانسحاب ولا الاستسلام؛ لأن الاستسلام حينها سيضعف ببقية الأفراد. ولهذا كان الانسحاب عند التقاء الجيوش من كبائر الذنوب. ولهذا قال: «والتولي يوم الزحف». قال: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، وهو أنك تلوك بلسانك أعراض المسلمين والمسلمات، وخاصة النساء في المجالس الخاصة أو العامة، وأنت تلوك في أعراض المسلمين: في زوجة فلان، وفي بنت فلان، وما عندك شيء من البرهان سوى القيل والقال. لا يا عبد الله، أعراض المسلمين لا يجوز. النساء وهكذا الرجال، كونك ترمي رجلًا ما بفاحشة وما عندك دليل، هذا من الإفك العظيم، والذي يحاسبك عليه ربنا جل وعلا. ولهذا وجب أن تكف يا عبد الله عن الولوغ في أعراض المسلمين والمسلمات؛ إذ أنها من كبائر الذنوب. هذا، إخواني في الله، ما يذكر في هذا الحديث من مسائل وفوائد. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.