شرح كتاب التوحيد 132

شرح كتاب التوحيد 132

الدرس في شرح كتاب التوحيد 132، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حقيقة السحر وحكمه في الإسلام

السحر له حقيقة ودل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وحكمه يختلف باختلاف درجاته وصوره. السحر الذي يستخدم فيه الشياطين يعتبر كفرًا مخرجًا من الدين.

تكفير السحرة وأصنافهم

الساحر الذي يستخدم الشياطين والعفاريت والجان يعتبر كافرًا، بينما النوع الآخر من السحر الذي يعتمد على خلطات وأدوية لا يعتبر كفرًا. من اعتقد حل السحر يعتبر كافرًا.

حكم تعلم وتعليم السحر في الإسلام

من يبيح السحر أو يتعاطاه أو يعلمه للغير أو يتعلمه يكون كافرًا، مستندًا إلى الآيات القرآنية التي تنص على كفر من يتعامل مع السحر. السحر يسبب الخسران في الدين والدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا بالأمس، إخواني في الله، الدخول في هذا الباب الجديد من أبواب كتاب التوحيد، والذي عنونا له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء في السحر. وأشرنا إلى ما يتعلق بعلاقة مبحث السحر بالتوحيد، وما يتعلق بمعنى السحر لغة واصطلاحًا، ثم كانت الإشارة إلى مبحث مهم: هل للسحر حقيقة أم لا؟ والجواب: نعم، له حقيقة، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما كان من الواقع الملموس، ما نجده من حالات الصرع والمس والمرض والعلة، والتي كان سببها تعاطي السحر. ومن المسائل المهمة، إخواني في الله، كذلك كمقدمة لهذا المبحث: ما حكم السحر؟ ينبغي أن نعلم أن السحر له صور، وأشرنا إلى عبارة الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: أنك لا تطمع أن تجد للسحر تعريفًا واحدًا لكثرة شعبه. فالسحر له دركات وصور مختلفة، فعلى اختلاف دركاته تأتي مسألة الحكم في أمره وحاله: هل هو كفر أم ليس بكفر؟ فالتفصيل المعروف، والذي سار عليه الكثير من أهل العلم، وهو على النحو التالي: أنه إن كان السحر عبارة عن طلاسم وعبارة عن رقى يتوصل بها الساحر لاستخدام الجان والعفاريت والشياطين، لكي تؤثر في بدن المسحور وعقله، فهذا يعد كفرًا من الكفر الأكبر المخرج من الدين والملة. طلاسم وعقد ونفث يستعين بها الساحر إلى استجلاب العفاريت والشياطين، يستخدمهم في أنهم يؤثروا على ذلك المسحور في عقله، في بدنه، بإذهاب علة صحته، وبجعله طريح الفراش، فهذا يكون السحر كفرًا مخرجًا من الدين والملة. وهنا فائدة ذكرها الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد، أنه أشار إلى فائدة في هذا المقام، فقال: «فالسحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين، ومن التعلق بهم، وربما التقرب إليهم بما يحبون ليقوم بخدمته ومطلوبه، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه، وسلوك الطريق المفضية إلى ذلك». أشهد أن من أسباب كفر هذا النوع من أنواع السحر: أن الساحر يستخدم الشياطين. هنا السؤال: كيف للإنسان أن يبرم عقد اتفاق وشراكة مع الشيطان؟ هل هذا يمكن؟ الجواب: نعم يمكن، وذلك عن طريق التقرب إليهم، تتقرب إلى الشيطان، تجعله هو معبودك، هو ربك، تتقرب إليه بأنواع من الطاعات والعبادات، فإذا وجد الشيطان منك صدق التقرب، يأتيك، يأتيك، لكن بمقابل أنك كفرت بالله جل وعلا. ومن أعظم ما يطلبه الشيطان من الساحر لكي يخدمه: عليك أن تخدمه، فمن أعظم ما يخدم به السحرة الشياطين: أنهم يتقربون إليهم بإهانة الدين، بإهانة الدين، هذا أعظم برهان يريده منك الشيطان لكي تكون ساحرًا، ويعينك بأنواع من السحر، وبأنواع من القوة الخارقة كما يقال. وإنه ما من شيء من أمور الدين يمكن أن تهان وهي متاحة للأيدي والعيان، بمثل القرآن، كلام الله جل وعلا، هذه من أعظم معالم الدين، القرآن الكريم. ولهذا الشيطان يطلب من الساحر أن يبرهن على حبه وتقربه لشيطانه بأن يهين القرآن. ولهذا، إخواني في الله، كان من أعظم كفر الساحر الذي به يستجلب قوى الشيطان لنفسه: ما يكون من إهانة لكتاب الله. وكم هي الحكايات، وكم هي الوقائع، وكم هي الأخبار التي رؤيت، والتي اعترف بها أصحابها: أنهم كانوا يهينون القرآن أيما إهانة، حتى وصل ببعضهم -وأأسف أن أذكر هذه النماذج لأن مما تقشعر لها الأبدان، لكن هي في الواقع موجودة- أن بعض السحر، لو ربما من إهانة لكتاب الله جل وعلا: أنه يرميه في الحمام، بعضهم يجعل القرآن حذاء نعال، ويلبسه ويدخل به إلى الحمام، بعضهم بدل أن يستخدم الأوراق المنديل أو ما يسمى بالمحارم أو بالكلينكس أو بالفاين لكي يستنجي، لا، ما يستخدم الأوراق، وإنما يستخدم القرآن، يمزق القرآن صفحة صفحة، ثم يستنجي ويستجمر به، بعضهم يأتي بالقرآن كاملاً ويدسه في المرحاض، وبعضهم يتفنن في إهانة القرآن بأن يكتبه بدم الحيض. هذه، أخوانًا في الله، وقائع، وكم تأتينا الأخبار حتى في بلادنا اليمنية: سمعنا هنا وهناك عن بعض الأماكن التي كانت فيها المجاري تنسد، فجيئ بالعمال وفتشوا في المجاري والأنابيب، فإذا بها قد سدت بالمصاحف، بالمصاحف. هناك من كان ماذا؟ يأتي بكل مصحف يرميه في المرحاض، يرميه في المرحاض، حتى امتلأت المجاري بالمصاحف، والعياذ بالله. قد يقول قائل: وما الذي يستفيده الساحر من هذه الإهانة لكتاب الله؟ الجواب: يستفيد منه قوى الشيطان، الشيطان يعطيك من قوته على قدر ما يكون من إهانته، من إهانتك لكتاب الله جل في علاه. ولهذا هم يتفننون، حتى قال بعض من اشتغل في هذا المقام: إذا أردت أن تتعرف على خبث الساحر، استأذنه في أن تدخل إلى الحمام، يرفض، ما سيدخلك إلى حمامه، لأن حمامه غرفة العمليات التي بها يهين القرآن. فعلمتم، يا عبد الله، لماذا الساحر كافر، كافر، ومن شر الكفرة لخبثه ودناءته. فالساحر، إخواني في الله، إذا كان السحر على هذا المقام: أن الساحر إنما يستخدم السحر عن طريق استخدام الشياطين والعفاريت والجان، فهذا كافر، فهذا هو الكفر بعينه. أما إذا كان النوع الثاني من أنواع السحر: عبارة عن أدوية، وعبارة عن عقاقير، وعبارة عن خلطات يستخدمها بعض الناس، تؤثر في النفوس، فهذا ليس بكفر، نعم. كان هذا في علم الكيمياء أولًا، الكيمياء هذا العلم الذي أصبح الآن العلم التكنولوجي والتطوري في هذا الأزمان، كان عبارة عن أعشاب تخلط مع بعض، فتؤثر في الناس، فتجعل ذاك يهلوس، وتجعل ذاك يضحك بلا سبب، تجعل ذلك ينام ويغمى عليه لعدة أيام. فكانت الخلطات تؤثر، فكان المشعوذون يستخدمونها في التأثير في الغير. لكن انظر: ليس عندي شياطين، وليس عندي عفاريت، وإنما عندي خلطات يستخدمها بعض من يزاول المهنة الشعوذة حتى يؤثر في غيره. هذا النوع من أنواع السحر، إن دخل في السحر، لكن هذا لا يعده العلماء من الكفر، بل هذه من المصائب العظيمة والجرائر الكبيرة، لما فيه من الأذية لعباد الله. ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا سئل حول من تعاطى السحر: أيكفر أم لا؟ كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: إذا تعلم السحر، قلنا له: صف لنا سحرك، صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل في التقرب بالكواكب السبعة، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، لم يكفر. فهذا هو التفصيل، إخواني في الله، في هذه المسألة. وهنا، فإذا أختم به المقام، وهنا تكلمنا حول ما يتعلق بتكفير السحرة، ينبغي أن نعلم: من هذا الذي يدخل في التكفير، يدخل في حيز التكفير، أصناف من الناس. الصنف الأول: من اعتقد حل السحر، فهو كافر، وإن لم يعمل به. مثاله: الرجل ما يتعاطى السحر، لكن يرى أن السحر أصبح ثاني من الفنون، ثاني من الفنون، أن يظهر الإنسان شيء من القوة الخارقة. فإن سئل عن السحر: ما تقول في السحر؟ يقول: الله أمر عادي، إيش فيه؟ قوة خارقة يا رجل، سحر، هذا رجل يستعين بالشياطين، بالعفاريت، والتقرب إلى غير الله، يقول: أخي، قوة خارقة، ما في شيء. فإذا به يبيح السحر، وما يتعاطى، ما يتعاطى. أو يوجد من الناس من لربما ينادي بمسابقة للسحرة: أيهم أعظم سحرًا، يعطى له جائزة دولية مثلًا. فإذا وجد أن إنسانًا ما قد يصرح بلسانه، أو يخفي هذا بجنانه، في قلبه، فإن اعتقد السحر فقد كفر، وإن لم يفعل السحر. لماذا؟ لأنه اعتقد حل شيء قد دلت الأدلة الشرعية على تحريمه، مثل مثل من يحل الزنا. الرجل ما يزني، لكن إذا قيل: ما ترى في الزنا؟ قال: الزنا حلال، ما حكمه؟ كافر، هو ما يزني، لكن يرى أن الزنا حلال، وأنه من الأمور الشخصية التي ما يذكر بها على أحد من خلق الله، قل: أنت كافر، لأنك تبيح شيء قد دلت الدلالة الشرعية على تحريمه. وهكذا من يبيح شرب الخمور، فكل من أباح ما حرم الله واعتقد حله فقد كفر، ومنه السحر. الصورة الثانية: من عمل السحر، من عمل السحر الذي قد ذكر، فقد كفر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لِمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. هذه الآية ذكر ربنا جل وعلا: أن من يتعاطى السحر، كأنه يتعاطى بيع وشراء، عندي ثمن، وعندي سلعة، السلعة هو السحر، والثمن المدفوع هو دينك، دينك، فكأن الساحر إنما اشترى السحر بدينه. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، أي: يوم القيامة، ما أبقيت لك شيء، لماذا؟ لأن دينك قد انصرف، قد دفعته في شراء السحر، فما الذي أبقيت من دين؟ ولهذا من تعاطى وزاول وعمل وامتهن السحر، فقد كفر وأصبح مرتدًا. الصورة الثالثة: ممن يكفر في مجال السحر: من علم غيره السحر، رجل ما يعمل السحر، ولا يسحر أحد من خلق الله، لكن عنده معرفة بالسحر، يقرأ في النت، يقرأ في الصفحات، وعبر المنصات، كيفية عمل السحر، أو عنده بعض الكتب: كتاب المعارف، وكتاب كذا، وكتاب كذا، مخبأ عنده، فينادي بالناس: تعال يا فلان، تعلم السحر، خذ هذا الكتاب، خذ هذا الكتاب. وقد أخبرت عن بعض الناس مع من أخذ هذه الكتب وبدأ بتطبيق بعض إرشاداتها، بدت له الشياطين، لولا أنه خاف، وإلا لدخل في هذا المجال، فأغلق الكتاب. يوجد كتب سحر، فبعض الناس ربما يدفع بهذه الكتب، أو عنده بعض المعلومات، يعطيه لغيره، ويقول للناس: أنا والله ما أعمل السحر حاشا، لكن أعلم غير السحر. ما حكمه؟ كافر، وهو كافر. وما يعلمان من أحد حتى يقول: «إنما نحن فتنة فلا تكفر». كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِحْرَ﴾. فمما زاد من كفر الشياطين: أنهم تولوا مقام التعليم، فدل ذلك على أن من علم غيره السحر، فقد كفر. الصورة الرابعة: من تعلم السحر، يأتي رجل، يأتي طالب، يأتي شاب مهوس، عنده هوس، يقرأ وينظر في فعل السحر الذي معه، هذه العصي، فيحول هذا إلى ذهب، ويحول هذا إلى كذا، يقول: لا، بتحلم السحر، أريد أن أتعلم السحر، فيذهب إلى ساحر، ويقول للناس: أنه والله ما سأسحر أحد، لكن سأتعلم، فأشوف كيف تكون، وأجرب معاه في بيتي، معاه في غرفة، أجرب هذه الأنواع من أنواع الفنون. فيقال له: يا عبد الله، إن تعلمت السحر، ولو لم تعمل به، فقد كفرت، تعلمك، وجلوسك، وجثوك عند السحر، لكي تأخذ منهم السحر، هذا في حد ذاته كفر. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. يا أيها الطالب، يا أيها المتعلم، فلا تكفر. فدل على أن من أخذ وتعلم من غيره السحر، فقد كفر. فهذه، إخواني في الله، أربع صور: من عمل السحر فقد كفر، ومن اعتقد حله ولم يعمل به فقد كفر، ومن علمه لغيره ولم يعمل به فقد كفر، ومن تعلمه من غيره ولم يعمل به فقد كفر. والقول كما قال الله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. من دخل في مقام السحر، خسر دينه ودنياه، وأوبق أولاه وأخراه. أكتفي بهذا المقام بما ذكر، وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.