شرح كتاب التوحيد 133

شرح كتاب التوحيد 133

الدرس في شرح كتاب التوحيد 133، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الجبت والطاغوت وعلاقتهما بالسحر

المقطع يتناول تفسير آية ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، حيث فسر عمر بن الخطاب الجبت بالسحر والطاغوت بالشيطان. يُوضح المقطع معاني هذه المفاهيم وعلاقتها بالسحر والكهانة.

علاقة اليهود بالسحر والإيمان بالجبت والطاغوت

الآية تتحدث عن اليهود الذين آمنوا بالجبت والطاغوت، وتوضح أن اليهود كانوا من أشد الناس امتهانًا للسحر. الحسد أوقعهم في الكفر والاستمرار عليه، وأن من عقوبة الله لمن أعرض عن الحق أن يبتليه بالباطل.

عقوبة الإعراض عن الحق والابتلاء بالباطل

يشرح كيف أن الإعراض عن الحق يؤدي إلى الابتلاء بالباطل، مستشهدًا بحال المرتدين واليهود الذين ابتلاهم الله بالسحر. يُظهر أن من أعرض عن الحق سيعاقبه الله بسد أبواب الخير وفتح أبواب الباطل.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يُظهر المقطع أيضًا الاعتراف بأن العلم بيد الله تعالى وحده.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب من قول المؤلف رحمه الله تعالى، باب ما جاء في السحر، وأشرنا إلى مقدمة لأهم المباحث المتعلقة بمبحث السحر، وستأتي معنا المزيد من المسائل والأحكام المتعلقة بهذا الباب. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أي استدلالًا بهذه الآية على مسألة السحر. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقال جابر رضي الله تعالى عنه: الطواغيت كهان كان يتنزل عليهم الشيطان في كل حيٍّ واحد. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية وهو في معرض كلامه عن مسائل السحر، فذكر قول الله جل وعلا ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أي هذا في حق وصف الكفار ممن كانوا قبلنا، أن من صفتهم أنهم كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت. وما معنى الجبت؟ وما معنى الطاغوت؟ هنا أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى تفسير عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، بقوله: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى، وقد جاء في البخاري معلقًا، وعند غيره موصولًا، إلا أنه من طريق حسان بن قائد، وحسان بن قائد قد تكلم فيه، إذ أن فيه نوع جهالة، لكن المعنى صحيح. فإن الجبت هي كلمة عامة لكل ما عبد من دون الله، ويدخل في ذلكم السحر، ويدخل في ذلكم السحرة؛ لأنهم قد عبدوا واعتقد فيهم بغير الله، كمن يعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، فأصبحت ذلكم وتلكم الخصلة مزاحمة لله جل وعلا في ملكوته، وفيما هو من خصائصه جل في علاه. وأما أثر جابر، قال: الطواغيت كان يتنزل عليهم الشيطان في كل حي واحد، أي جعل جابر رضي الله تعالى من تفسيره أن الطواغيت يدخل فيها السحرة كذلكم، وهذا المعنى صحيح؛ لأن الطاغوت كما سيأتي معنا هو كل ما تجاوز به العبد حدًا، إذا وصل الحال بأحد من خلق الله أو من مخلوقات الله أنه يجعل قدره فوق المقام الذي أنزله الله إياه فقد طغى. فإذا وجد الساحر مثلًا، وهو مخلوق من خلق الله وعباد الله، إذا وجد أن بمقدوره يفعل ما يفعله الله فقد طغى، بل هذا أعظم الطغيان، ولهذا يسمى طاغوت، وطاغوت صيغة مبالغة من شدة الطغيان. وذكر جابر رضي الله تعالى عنه أن الطواغيت عبارة عن كهان كانت تتنزل عليهم الشيطان في كل حي واحد. نعم، كانت العرب قبل البعثة كثرت فيهم السحرة والكهان، لكن على مستوى راقٍ، إذ أن القبائل كانوا يلتمسون وجود السحرة والكهان، بجعل لهم السيادة. فكان أهل القبائل العربية إذا تنازعت كانوا يتحاكمون إلى السحرة، فكان السحرة والكهان عند العرب قديمًا بمقام القاضي، بمقام الحاكم القبلي. وللأسف هذه الخصلة الزميمة وجدناها قد وجدت في هذه الأمة، ولا يخفاكم إخواني في الله، أن الساحر في بعض الأماكن والبلدان يسمى بالشيخ، لا يقولون أين الساحر فلان، يقولون أين الشيخ فلان؟ من أين جاءت المشيخة؟ ساحر يسمى شيخًا، نعم، هذه طريقة الجاهلية. أنهم يجعلون للسحرة والكهان منزلة من السيادة والريادة، يتحاكمون إليهم ويرجعون إليهم، وعادت هذه الكرة في بلاد المسلمين، فيكون للساحر، وهو من أخبث خلق الله، يكن له الاحترام والإجلال، وما ينبغي أن يحترم، بل حقه أن يهان، وأن لا يصان. وسأتي معنا حكم الشريعة في التعامل مع السحرة. الشاهد أن جابرًا رضي الله تعالى عنه ذكر أن في قوله تعالى ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ أن الطاغوت يدخل فيهم الكهان، والكهان نوع من أنواع السحر، وهذا الأثر المروي عن جابر نعم رواه ابن أبي حاتم، وإسناده حسن. وسأتي معنا في دروس قريبة بإذن الله ما يتعلق بمعنى الجبت والطاغوت بمعنى أوسع. لكن لو رجعنا إلى الآية إخواني في الله التي بين أيدينا، والتي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى، فإننا نستدل بها ببعض الأمور المهمة. هذه الآية التي ذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى وهي قوله ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ هي في بدايتها قوله سبحانه وتعالى ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، فهذه الآية تتحدث عن فئة من الناس، ألم ترَ؟ الخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام، إلى من؟ إلى الذين آتاهم الله نصيبًا من الكتاب، وهم من؟ اليهود. المعنى بهذه الآية هم اليهود، أي ألا ترى يا محمد إلى هؤلاء اليهود الذين آتاهم الله نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك ماذا؟ يؤمنون بالجبت والطاغوت. ومن معاني الجبت والطاغوت كما مضى: السحر. وعلى هذا الفهم وعلى هذا المنحى نستفيد عدة فوائد. أولاها: أن اليهود من أشد الناس امتهانًا لمهنة السحر، وقد أشرنا إلى ذلكم إخواني في الله في الدروس الأول، عندما أشرنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، ومن سحره؟ اليهودي لبيد بن الأعصم، يهودي. فتجد أن اليهود في زمن رسول الله بل في الزمن الأول ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾، هذه الآية تتحدث عن من؟ تتحدث عن اليهود. فكانوا أيضًا في الزمن الأول معظمين لأمر السحر، ولهذا عبد الله بن أبي من نظر إلى عالم السحر، ويظهر بين الفينة والأخرى من يشار له بالبنان، وبئس البنان الذي يشار إليه بأنه من أقوى الناس سحرًا، تجد أنه يهودي. فاليهود من أشد الناس امتهانًا للسحر، ولهذا قال عنهم ربنا ﴿يؤمنون﴾ أي يصدقون ويذعنون بالجبت والطاغوت. وفي هذه الآية كذلك فائدة، وهي دلالة على خبث وشر الحسد، ما الذي أوقع اليهود في أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت؟ الحسد. الحسد الذي أدخلهم في الكفر والاستمرار عليه. وهكذا يا عبد الله تجد أن الحسد متى ما ترك العنان لحسده فإنه يرديه ويهويه، حتى وجدنا أن من أصحاب الحسد من لربما اقترف القتل، ومنهم من لربما زاول السحر. إذا حسد إنسان إنسانًا على نعمة ما، وما استطاع أن يسلبها بيده، استعان بالسحرة، استعان بالسحرة. تلك امرأة عافاها الله في جسدها، فأراد أن يمرضها، أو أسرة سعيدة أغدق الله عليها بالنعم، وهذا قد أكله الحسد مما يرى من نعمة الله فيهم، فيستعين بالساحر لكي يفسد عليهم حياتهم، وهكذا قس. فتجد أن الذي يقول ويرجع إلى مزاولة السحر ما كان من الحسد. وكان اليهود من أشد الناس حسدًا على أهل الإسلام، ولهذا كانوا يؤمنون ويزاولون السحرة. الفائدة الثالثة المستفادة من هذه الآية ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ فيها ما كان من عقوبة الله جل وعلا، فإن من عقوبة الله التي ينزلها على عباده الأشقياء منها ما يكون عقوبة حسية، ومنها ما يكون عقوبة معنوية. ومن هذه العقوبات التي أود أن أشير عليها، وهي مما أشارت إليها الآية الكريمة: أن من عقوبة الله في حق من تبصر الطريق وعلم الهدى والسبيل ثم أعرض عنه وأبى الإنصياع له، فالله جل وعلا يعاقبه بأنه سبحانه وتعالى يبتليه بما يناقضه، يبتليه بما يناقض الخير الذي كان أمامه. فمن كان قد استبصر عبادة الرحمن فتركها، يبتليه الله بعبادة الأوثان، ومن زرع أو من نزع من قلبه محبة الله ورسوله، فالله جل وعلا يعاقبه بأن يزرع في قلبه حب الشهوات والملذات، ومن أمسك ماله وهو قادر على الإنفاق في أبواب الخير، فالله جل وعلا يبتليه بأن يجعل ماله يذهب إلى الحرام. ومن رأى الحق وأبى، يبتليه الله جل وعلا بفنون الباطل الشتى. وها هم اليهود وهذه الآية آية من آيات الله، اليهود قد علموا بصدق نبينا عليه الصلاة والسلام، وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، لا لبس ولا غموض في حقيقة دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الإباء والاستكبار والحسد كما مر أعرضوا. فعندما أعرضوا عن دعوة الرسول وعندما أعرضوا عن دعوة القرآن وما أنزله الله من الآيات البينة، ابتلاهم الله بماذا؟ بعقوبة أن أشغلهم الله بالباطل ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، يؤمنون بالجبت والطاغوت. وهذه فيه فائدة عظيمة ومسألة عزيزة، أن الإنسان متى ما حباه الله بنعمة معرفة الحق ومعرفة الخير ولمسه وعلمه وعرفه ثم أبى، فحينها سيبتليه الله بالنقيض. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ما اكتفى الله بزوغانهم هم أزاغوا هذا ازيغ فيهم لا عقوبة. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، فتجد أنه يستميت على الباطل ويهرول إلى الملذات والشهوات وإلى سبل الضلالات والانحرافات. مثل يا عبد الله ولأخذ المثال، انظر لحال من يرتد، من يرتد من أمتنا، بالأمس كان من أهل الإسلام نطق بلا إله إلا الله، علم التوحيد، علم القرآن، وجد راحة البال، وعرف الحلال والحرام، ونظر إلى عظيم ما أنزل الله من شرائع وأحكام، ثم بعد ذلك يرتد، كيف يرتد؟ ما الذي جعله يرتد؟ ما الذي أداه؟ حكمة أرادها الله. لكن الشاهد من كلامي انظر وتتبع يا عبد الله إلى من يرتد، والله من خلال ما كنت أقرأ عن أحوال المرتدين، وخاصة في هذا الزمن المرير، أن الله عاقبهم أن أوصلهم إلى شر عظيم أشد مما يقع فيه الكافر الأصلي، أشد أشد مما يقع فيه الكافر الأصلي. هذا يهودي على شر، هذا نصراني على شر، فإذا جاء المرتد فإن شره أعظم من شر اليهود والنصراني. وأنتم قد قرأتم بالأمس رجل كان من أهل المدينة فارتد، فما هي إلا سنة حتى أصبح مثلًا وتزوج برجل آخر. قد قرأنا بالأمس امرأة كانت من أهل الإسلام ارتدت، ما هي سنة إلا في الأفلام الإباحية. حجيب عقوبة من الله، من لمس الحق ومن عرف الحق ثم أعرض عنه، فالله يبتليه بعقوبة. ومن عقوبة الله في أمثال هؤلاء أن الله يسد عليهم أبواب الخير ويبتليهم بالباطل، حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، لم يفلتهم. وهذه عبرة ليس فقط في حق اليهود وفي حق المرتد، بل في حق كل مسلم، من رأى الحق وعلم عليه أن يتبعه ويسأل الله عز وجل أن يعينه على الاستمرار، ولا يعرض عنه؛ لأنك إن أعرضت عنه يا عبد الله سيعاقبك الله؛ لأنك صاحب هوى، علمت الخير ثم تركته، وما بعد الحق إلا الضلال. الفائدة الأخيرة التي أختم بها هذا المقام وفي هذا الدرس في هذه الآية ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ فيه أن اليهود يزاولون السحر، وهل انتهى الأمر؟ لا، من انتهى الأمر؟ فكل من كان من دعوة أهل الباطل فإنه سيناله شيء من التعامل بالسحر. هذا ليس من خواص اليهود، بل هذه قاعدة، على قدر ما يكون من بعدك عن الحق والخير يبتليك الله بشيء من الباطل، ومن الباطل الذي تبتل به أن يوقعك الله في شيء من أنواع السحر. من قرأ فيهم أهل الكلام، علم الفلسفة، كابن سينا وغيرهم، كانوا يتعاملون بالسحر، ابتلاء من الله يتعاملون بالسحر، وهم كانوا ينتسبون إلى المدرسة الإسلامية، لكن فيهم من الزندقة ما أوقعهم في الدخول في السحر. الروافض عندهم من يفعل ويزاول السحر، بل كذلك من بعض القبورية، هم كذلكم تحت الخفاء يتعاملون بالسحر. وكم علمنا ورأينا وسمعنا من بعض مشايخ وأعيان أهل السنة من لربما رمي بالسحر، عندما واجه أولئك القوم، من أين جاء ذلكم؟ من تحت تدبيرهم ومن تحت تنسيقهم مع السحر في ضرب أهل السنة بهذا المقام بعمل السحر فيهم. فالرجل المبتدع وكل من خرج عن دين الله يبتليه الله بباطل، ومن الباطل الذي يبتل به أنه يدعي للسحر، لكن قل هذا أو كثر، عظم أو ندر، لكن هذا مما يقع فيه من آتاه الله شيئًا من الخير ثم أعرض عنه، سيبتلى ولو بقدر يسير بالباطل، أو بأخص بهذا الباب الذي ذكره ربنا جل وعلا عن اليهود ممن كانوا قبلنا. فالشاهد إخواني في الله، هذه الآية أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في حق اليهود ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أي أن ذلك من صفات كفرهم، أي كفر اليهود، فدل على أن من آمن بالسحر فقد كفر، من آمن بالسحر فقد كفر. وقد مر معنا ذلك في درس أمس في مراتب التكفير في مجال السحر، أن من عمل السحر كفر، ومن تعلم السحر ولم يعمل به كفر، ومن علم غيره السحر ولم يعمل به كفر، ومن اعتقد حل السحر إن لم يعمل به كفر. وهذه الآية تدل على ذلك ﴿يؤمنون﴾، إيمان فقط كان ذلك من أسباب كفرهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.