شرح لمعة الإعتقاد  40

شرح لمعة الإعتقاد 40

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الشفاعة يوم القيامة

يتحدث الدرس عن الشفاعة يوم القيامة وأنواعها، مشيراً إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته. يوضح أن الشفاعة تكون خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عامة له ولغيره.

أدلة الشفاعة العامة وأنواعها

دلت الأدلة على وجود شفاعة عامة يوم القيامة لنبينا ولغيره، وتشمل إخراج أناس من النار. وقد أنكر المبتدعة هذا النوع من الشفاعة.

تفاصيل شفاعة النبي لأهل الكبائر

يتناول المقطع شفاعة النبي لأهل الكبائر، مشيراً إلى شروط الشفاعة وضوابطها مثل إذن الله للشافع والرضا عن المشفوع له.

ختام الكلام حول مسائل الشفاعة

يختتم الدرس كلامه حول الشفاعة، مؤكداً على أن الله تعالى أعلم، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  • 19 جمادى الأولى 1436هـ - 09/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى في رسالته "لمعة الاعتقاد": "ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما، فيدخلون الجنة بشفاعته، ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات". قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾، وقال: ﴿ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين﴾. في هذا الفصل، والذي عرج إليه المؤلف رحمه الله تعالى بذكر المسائل الغيبية، كان من كلامه رحمه الله تعالى ما يتعلق باليوم الآخر من الأهوال ومن المواقف. فمر معنا الصراط والحساب والميزان، وهنا ألمح رحمه الله تعالى وأشار إلى مسألة الشفاعة. قال: "ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم". والشفاعة في لغة العرب بمعنى ضم شيء إلى آخر ليشفعه، بمعنى آخر جعل الوتر شفعا. وأما ما يتعلق شرعا، فالشفاعة هو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. هذه الشفاعة التوسط للغير، وما المراد من هذا التوسط؟ إما أنك تجلب لهذا الذي استجلبت له منفعة، أو أنك تدفع عنه مضرة، ففعلك هذا يسمى شفاعة. أما إذا كان جلب النفع لنفسك ودفع المضرة عن نفسك، هذا لا يسمى شفاعة، وإنما الشفاعة تحتاج أن تكون متوسطا بين طرفين، وأنك تجلب منفعة لغيرك أو تدفع مضرة عن غيرك. فهذه الشفاعة في لغة العرب واصطلاحا. وقوله رحمه الله تعالى: "ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته" إلى آخر كلامه، ذكر العلماء أن الشفاعة على قسمين، ويتكلم عن الشفاعة المتعلقة باليوم الآخر أنها على قسمين: شفاعة عامة وشفاعة خاصة. فالشفاعة الخاصة، ونعني بها هي التي تكون لنبينا عليه الصلاة والسلام، لا أحد يزاحمه عليها، خصه ربنا سبحانه وتعالى بهذه الخصلة من أنواع الشفاعة. ومن ذلك ما يتعلق بشفاعته عليه الصلاة والسلام لفصل القضاء، وذلك عند الموقف العظيم عندما تجتمع الأمم، فيعلوهم الخطب، فكل يستنجد بنبيه وبرسوله، فيقول: "نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري" حتى تأتي الخلائق إلى نبينا عليه الصلاة والسلام لفصل القضاء، فأشفع، نبينا صلواته ربي وسلامه عليه، فهذه الشفاعة خاصة بنبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه الشفاعة قد جاءت في حقها الأدلة الكثيرة، بل هي مجمع عليها، بل حتى أهل البدع، حتى أن أهل البدع هم بأنفسهم ما خالفوا، وإنما أثبتوا هذا النوع من أنواع الشفاعة الكبرى، ويكون لأهل الموقف يوم القيامة. وهذا شفاعة خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام. وهناك شفاعة عامة، ونعني بالشفاعة العامة هي التي تكون لنبينا عليه الصلاة والسلام وتكون أيضا لغيره، تكون أيضا لغيره. وعلى هذا ألمح المؤلف في قوله: "ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات"، أي هناك شفاعات تكون لنبينا ولغيرهم من الأنبياء ومن الرسل والملائكة، يباح لهم الأمر في أن يشفعوا، وهكذا من أهل الصلاح ممن له منزلة عند الله سبحانه وتعالى. ولا يكون ذلك إلا بعمل صالح وبقول نافع ناصح، هؤلاء هم الذين يشفعون عند الله سبحانه وتعالى. وقد دلت الأدلة على ذلك، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "يقول الله سبحانه وتعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، فلم يبق إلا أرحم الراحمين، فيشفع ربنا سبحانه وتعالى، فيخرج من النار أقواما لم يعملوا خيرا قط". إذن قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث القدسي: "شفعت الملائكة، شفع الأنبياء، شفع المؤمنون"، دل على أن هناك من يكون لهم أمر الشفاعة، وذلك بإذن الله سبحانه وتعالى، فهذه الشفاعة العامة. وهذه الشفاعة العامة طبعا لها صور، ومن أعظم صورها ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: أن يخرج من النار من أمته من أهل الكبائر، وهو إخراج أناس كانوا من أهل النار فيدخلون الجنة. وهذه الشفاعة كما أقول هي شفاعة عامة تكون لنبينا ولغيره. والمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا النوع من الشفاعة وخصها بالتنصيص، لأن من الشفاعات التي خالف فيها المبتدعة، خالف فيها المبتدعة، فإن الخوارج والمعتزلة لا يؤمنون بهذا النوع من الشفاعة، لا يتصورون أن رجلا دخل النار بذنبه وبمعصيته أنه تأول إليه المآل أن يخرج ويدخل الجنة، قال هذا مستحيل، هذا عندهم مستحيل، عندهم قاعدة أنهم من دخل إلى النار لن يخرج منها البتة أبدا، وما هم بخارجين منها. وهذا إنما أداهم عندما حكموا على صاحب المعصية بأنه قد أشرك بالله وأنه قد كفر بالله، يقول هذا صاحب المعصية كافر، إذا دخل في النار أن له الخروج. وحينها ألغوا باب الشفاعة، ألغوا باب الشفاعة، أنكروا الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهذا عين الباطل. ولهذا تجد أن أهل السنة في كتبهم في باب الاعتقاد دائما يشيرون إلى هذا النوع من أنواع الشفاعة، لأن في ذلك رد على أهل البدع من المعتزلة والخوارج من الوعيدية ممن أنكر باب الشفاعة. ولهذا قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: "فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما". وقد جاءت أدلة على ذلك على أن الشفاعة تكون لأناس دخلوا إلى النار وعذبوا بالنار حتى احترقوا، ثم بعد ذلك تأتي شفاعة الرب سبحانه وتعالى أو تشفع شفاعة بعض الخلق ممن سمح لهم ربنا بالشفاعة فيشفعون في حق هؤلاء ممن كانت عليهم ذنوب وسيئات ومعاصي ودخلوا في النار، ونقوا من ذنوبهم أو أحرقوا بالنار، ثم تتدخل الشفاعة في إخراج هؤلاء من النار فيدخلون الجنة. ولهذا ثبت عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه الصلاة والسلام: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون ولا يحيون -يحيون أي الكفار- هم أهل النار وهم خاصة النار، ما يخرجون منها البتة". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "ولكن أناسا تصيبهم النار بذنوبهم حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فهؤلاء يدخلون في حيز الشفاعة فيخرجون". فهذا دلالة واردة صريحة على المبتدعة في أنهم ألغوا باب الشفاعة، بل نبينا قد أثبت ذلك. وصح كذلك عن نبينا كما جاء من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: "جعلت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". فهذه أعظم شفاعة خصها نبي لأمته يوم القيامة، أن جعلها في أهل الكبائر. من أهل الكبائر؟ هم الذين وقعوا في الذنوب العظيمة. وقد قال العلماء في شرحهم لهذا الحديث: أن شفاعته هنا تكون في أمرين اثنين أو في صورتين اثنتين. الصورة الأولى: شفاعة لأهل الكبائر في قوم رجحت السيئات على الحسنات، قوم رجحت السيئات على الحسنات فأمروا بهم إلى النار، فيشفع فيهم نبينا أن لا يدخلوا النار، فهؤلاء محل شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك من محلها قوم عند الميزان وعند تراجح الكفة، فإذا بالسيئات قد رجحت لعظيم ذنوبهم، فإذا كان من حقهم أن يتوجبوا إلى النار، فيشفع نبينا أن هؤلاء لا يساق بهم إلى النار، فتكون شفاعة النبي صارفة عن هؤلاء فيدخلون الجنة، هذه تدخل في عموم الحديث. ومن صورة ثانية في شفاعة النبي في قوم دخلوا النار، دخلوا النار وانغمسوا في النار، فيشفع فيهم نبينا بالخروج، فيخرجون من النار بشفاعة نبينا، وأيضا بشفاعة من ذكر عنهم الشفاعة من الأنبياء والملائكة، كلهم يتوجهون إلى الله سبحانه وتعالى، يسألون الرب سبحانه وتعالى أن يشفعهم في هؤلاء ممن هم في نار جهنم، فيشفع ربنا لهذا ويشفع ربنا لهذا، فيخرج أقوام وأقوام وأقوام من النار بفضل الشفاعة. ثم بعد ذلك تأتي شفاعة الرب سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾. وطبعا الشفاعة قد مرت في دروس خلت لها شروط ولها قيود ولها ضوابط، وليس هذا محلها، لكن من أهم ضوابط وشروط الشفاعة أن الله سبحانه وتعالى يأذن بالشفاعة، فلا أحد يستطيع كائنا من كان أن يفتح باب الشفاعة أو يشفع إلا بعد أن يأذن له الرب سبحانه وتعالى. وأيضا إذا فتحت الشفاعة فليس للشافع أن يشفع لكل من هب ودب، لا، وإنما الشفاعة لمن ارتضى له الرب سبحانه وتعالى. قال: ﴿ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين﴾. أما الكفرة ومن أشرك بالله ومن ألحد بالله أحد بآيات الله، فهؤلاء ليس لهم نصيب من الشفاعة، لا أحد يستطيع أن يشفع فيهم، ولو كان نبيا من أنبياء الله أو كان ملكا مقربا، ما أحد أبدا يشفع في أهل الكفر، الكفر يأس من شفاعة الشافعين كما قال ربنا جل وعلا، فما تنفعهم شفاعة الشافعين، لأنهم ليسوا محل رضى الرب سبحانه وتعالى لكفرهم وشركهم وإلحادهم وعتوهم وتمردهم على توحيد الله، فإنهم ماذا يبقون في الدرك الأسفل من النار. ولكن هنا مسألة قد يقول قائل: ألم يشفع نبينا لعمه وعمه كافر؟ نعم ثبت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه شفع في عمه، لكن قال علماء: هذه من الشفاعة الخاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام، شفاعة خاصة برسول الله أنه شفع في عمه، وخاصة لأن عمه من قرأ في السيرة يعلم كم له من أياد بيضاء، إذا نبينا عليه الصلاة والسلام دافع ونافح وصد الكفار عندما أرادوا أن يؤذوا نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان من أمر عمه أن كان لهم بالمرصاد، فمنع وزجر هؤلاء، فإلا أنه أبى ومات على الكفر، وكان بنا حريصا على إسلامه، لكن الهداية بيد الله عز وجل. لكن لفعله ولفعاله كان من أمر النبي أن شفع في عمه حتى قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، أي بشفاعته عليه الصلاة والسلام، لكنه ما خرج من النار، لكن ماذا؟ حول إلى مقام آخر أخف عذابا، أي درك الأسفل من النار. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه المسائل السريعة بأمر الشفاعة إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.