كتاب الصلاة 46

كتاب الصلاة 46

الدرس في كتاب الصلاة 46، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اعتدال النبي في أداء الصلاة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بخشوع واعتدال، مع تخفيف في القراءة وتقارب في مدة الأركان. روى البراء بن عازب أن صلاته كانت معتدلة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين.

أهمية الاطمئنان في الصلاة

يشرح كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الاطمئنان في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، ويبين استحباب ذكر الأدعية المأثورة في هذه المواضع. كان النبي يطيل حتى يقول القائل قد نسي أو وهم.

كيفية متابعة الإمام في الصلاة

يشرح كيفية متابعة الإمام في الصلاة، حيث يستحب التأخر قليلا في السجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، مع استثناء حالة استعجال الإمام. روى البراء بن عازب أن الصحابة كانوا ينتظرون حتى يضع النبي جبهته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين: أني سمعت القشيري -رحمه الله- في صحيحه، وحدثنا حامد بن عمر البكراوي -وقيل: البكراوي نسبة إلى جده الأعلى أبي بكر نفيع بن الحارث الصحابي رضي الله عنه-، قال: حدثنا أبو كامل، وقضيل بن حسين الجحدري، كلاهما عن أبي عوانة، قال حامد: حدثنا أبو عوانة عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، فوجدت قيامه، وركعته، واعتداله بعد ركوعه، وسجدته، وجلسته بين السجدتين، وسجدته، وجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء. ومعنى هذا أن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام كانت معتدلة، وأركانها متقاربة. وإن كان بعضها قد يكون أطول من بعض، كالقيام قد يكون أطول من الركوع ومن السجود، لكنها من حيث الإطالة وعدمها متقاربة في ركوعه واعتداله من الركوع، وسجوده، وجلسته بين السجدتين. وفيها أيضا تخفيف القراءة، لأنه لا تكون كذلك إلا والقراءة فيها ليست بطويلة، لو كانت القراءة طويلة لم يكن يعني هذه الأركان كلها متقاربة، فلا يكون كذلك إلا مع تخفيف القراءة، لكن قد يكون بعضها أطول من بعض بشيء يسير. قالوا: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة عن الحكم، قال: غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث -يعني في زمن ابن الأشعث الذي خرج على الحجاج، وحصلت تلك الفتنة العظيمة التي قتل فيها كثير من أهل العلم، ومنهم الإمام سعيد بن جبير تلميذ بن عباس الذي قتله الحجاج بسبب ذلك-، قال: وذكر الإمام النووي -رحمه الله- أن هذا الرجل هو مطر بن ناجية الذي غلب على الكوفة، قال: فأمر أبا عبيدة بن عبد الله -وهو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما-، قال: أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريبا من السواء. قال شعبة: فذكرته لعمر بن مرة، قال: فقد رأيت ابن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا. فالمراد أن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام كانت معتدلة الأركان، ومع تخفيفها واعتدالها، وكونها قريبة من السواء، ليست متساوية تساويا كاملا، لكن قريبا من السواء. قال -رحمه الله-: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن الحكم، أن مطر بن ناجية لما ظهر على الكوفة أمر أبا عبيدة أن يصلي بالناس، وساق الحديث. قال: حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا آل أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. لا آل يعني لا أقصر في الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في صلاته. قال: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي. معنى أنه لا يستعجل في القيام من الركوع، بل يرتفع من الركوع وينتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسيه، يعني من انتصابه وطول انتصابه، لا يستعجل فيخر للسجود، وهكذا إذا رفع من السجود فجلس بين السجدتين كذلك مكث حتى يقول القائل: قد نسيه. ويذكر هذا أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يفعل ذلك. وهذا فيه أنه مما ينبغي أن يعتني به الإمام في صلاته، والمصلي إذا صلى ولو منفردا، أنه لا يستعجل في خروجه إلى السجود بعد رفعه من الركوع، بل إذا رفع يقف قائما بقدر ما يأتي بهذا الدعاء: اللهم ربنا لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. فإذا أتى بهذا الدعاء فحينئذ يسجد، هذا على جهة الاستحباب، يعني على جهة الاستحباب فهذا أفضل. وهكذا في الجلوس بين السجدتين يكرر: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، يقوله مثلا ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يسجد. قال -رحمه الله-: حدثني أبو بكر بن نافع العبد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام. كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكان صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر -يعني أطال القراءة في صلاة الفجر-. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهما، ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهما -يعني أنه وهم ونسي- إذا رفع من الركوع بقي قائما حتى يقول: قد وهم أو نسيه، وهكذا إذا رفع من السجود أطال -يعني في جلسته بين السجدتين- حتى يقول القائل: قد أوهما. وهذا على حسب ما عليه غالب الناس في عدم الإطالة في هذين الركنين، فتجد غالب الأئمة أنهم يستعجلون بعد الرفع من الركوع، وفي الجلسة بين السجدتين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يطيلها بنحو ذكر هذه الأدعية التي تقال في هذين الموضعين. قال -رحمه الله-: وحدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء، وهو غير كذوب، أنهم كانوا يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدا يحني ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض، ثم يخر من وراءه سجدا. في هذا الحديث يعني يخبر البراء رضي الله عنه أن الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يصلون خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع لم ينحني أحد ممن خلفه إلى السجود حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض، وهذا يدل على استحباب ذلك، أن المأمومين لا يخرون للسجود حتى يضع الإمام جبهته في الأرض، ثم بعد ذلك يسجدون خلفه، هذا من باب كمال المتابعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: وإذا سجد فسجدوا. متى يتحقق السجود؟ إذا وضع جبهته في الأرض، إذا وضع جبهته في الأرض، فهذا هو الأكمل والأفضل. لكن إذا كان الإمام يستعجل -كحال كثير من أئمة المساجد اليوم- لو أنك بقيت واقفا حتى يضع جبهته ربما لا تسجد إلا وقد رفع رأسه، فإذا كان الأمر كذلك فلك أن تتابعه قبل أن يصل إلى موضع السجود، يعني إذا كبر للسجود فلك أن تتابعه وتسجد بعده حتى تدرك معه السجود، فلا بأس. أما إذا كان يطيل السجود، وإذا سجد وتابعته بعد ذلك أدركت السجود، فهذا هو الأكمل، وكذلك الأفضل في هذه السنة في متابعة الإمام. قالوا: حدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: حدثنا يحيى -يعني ابن سعيد-، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء، وهو غير كذوب. وقوله: حدثني البراء، وهو غير كذوب، هذا من زيادة التوثيق، والبراء صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول، لكن هذا من باب زيادة التوثيق في ذكر هذا الخبر وهذا الحديث. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحني أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا، ثم نقع سجودا بعده. قال -رحمه الله-: وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محارب بن دثار، قال: سمعته عبد الله بن يزيد يقول على المنبر: حدثنا البراء أنهم كانوا يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياما حتى نراه قد وضع جبهة وجهه في الأرض، ثم نتبعه. قال: حدثنا زهير بن حرب، ومن نمير، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبان وغيره، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يحني أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد. فقال زهير: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الكوفيون -أبان وغيره- قال: حتى نراه يسجد. قال: وحدثنا محرز بن عون بن أبي عون، قال: حدثنا خلف بن خليفة الأشجعي أبو أحمد، عن الوليد بن سريع مولى آل عمر بن حريث، عن عمر بن حريث، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ -أي سورة التكوير-، قال: وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجدا. طيب الله ثراه، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.