الدرس في كتاب الصلاة 47، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع في الصلاة ومعاني عبارات "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد". يبين دلالات هذه العبارات في العبادة.
شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرفع من الركوع "ربنا لك الحمد ملأ السماوات والأرض". يُفسر معنى هذا الدعاء ويُشرح مدلولاته اللغوية والشرعية.
شرح معنى دعاء "اللهم لا مانع لما أعطيت" بعد الرفع من الركوع. يبين أن هذا الدعاء يفيد تفويض الأمور كلها لله سبحانه وتعالى.
الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه بالصلاة والتسليم. يشير إلى أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية أو وكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفا، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع ظهره من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد». قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفا، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «اللهم ربنا لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد». قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن مجزة بن زاهر، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ». قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، كلاهما عن شعبة، بهذا الإسناد، في رواية معاذ: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدرن»، وفي رواية يزيد: «من الدنس». هذا حديث عبد الله بن أبي أوفا، رضي الله عنه، يبين ما كان يقوله النبي عليه الصلاة والسلام إذا رفع رأسه من الركوع. فكان عليه الصلاة والسلام إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده»، أي: استمع الله جل وعلا لمن حمده وأثنى عليه، فلذلك استحب أن يحمد الله جل وعلا بعد ذلك، فيسمعه الله جل وعلا، ويثيبه على هذا الحمد «سمع الله لمن حمده، اللهم لك الحمد». وفي بعض الرواية الأخرى: «اللهم ربنا لك الحمد»، وجاء في رواية: «اللهم ربنا ولك الحمد»، وكل هذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى «اللهم»: يا الله، حذفت «يا» النداء، وعوض عنها بميم الجمع، فصارت «اللهم». «لك الحمد»: الحمد هو الثناء على الله جل وعلا، بمعنى المحبة والتعظيم. فأنت تثني على الله جل وعلا مع محبتك لله جل وعلا وتعظيمك له. والله عز وجل يحمد لكماله سبحانه وتعالى، ويحمد لفضل إنعامه. واللام هنا في «لك» للاستحقاق والاختصاص. وألف «الحمد» للاستغراق، أي: كل الحمد لك، كل الحمد، وكل الثناء، وكل مدح، فهو لله سبحانه وتعالى. «لك حمد ملأ السماء وملأ الأرض»، ملأ السماء وملأ الأرض. وفي الرواية الأخرى: «ملأ السماوات وملأ الأرض»، يعني: يملأ السماوات، ويملأ الأرض. لو كان جسما لملأ السماوات والأرض، «وملأ ما شئت من شيء بعد»، يعني: غير ذلك من المخلوقات. فمعنى هذا أنه حمد ليس له حد. فأن تحمد الله عز وجل حمدا عظيما كبيرا كثيرا، وهو جل وعلا المستحق لذلك سبحانه وتعالى. «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد»، وهذا مبالغة في دعاء الله جل وعلا بتطهيري تطهيرا من الذنوب والخطايا، بالثلج والبرد والماء البارد. والمراد أن يحصل التطهير الكامل الذي لا يبقى بعده شيء من دنسي الذنوب والمعاصي. «اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ»، وفي رواية: «من الدرن»، وفي رواية: «من الدنس»، وكله بمعنى واحد، بمعنى الأقذار والأوساخ. وهذا أيضا دعاء الله جل وعلا أن يطهرك تطهيرا كاملا لا يبقى من أثر الذنوب شيء، كما أن الثوب الأبيض -وخص بذكره لأن الثوب الأبيض يظهر فيه الوسخ- إذا نقي وصفى نقاء تاما، لا يبقى للوسخ أثر في هذا الثوب، فكذلك أنت تدعو الله جل وعلا أن يطهر قلبك تطهيرا كاملا، حتى لا يبقى لهذا الدنس أثر في قلبك. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أخبرنا مروان بن محمد الدمشقي، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «ربنا لك الحمد ملأ السماوات والأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الشيم عن ابن بشير، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وما بينهما، وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا حفص، قال: حدثنا هشام بن حسان، قال: حدثنا قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: «وملأ ما شئت من شيء بعد»، ولم يذكر ما بعده. هذا حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنهما، فيه تكملة لهذا الدعاء الذي كان يقوله عليه الصلاة والسلام بعد رفع رأسه من الركوع، زيادة على ما في حديث ابن أبي أوفا، بعد قوله: «وملأ ما شئت من شيء بعد»، «أهل الثناء والمجد»، أهل بالنصب على النداء، يعني: يا أهل الثناء والمجد. وقال بعضهم: بالرفع، «أهل الثناء» على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أنت أهل الثناء. والأشهر هو النصب. «أهل الثناء والمجد»، يعني: أنت أهل للثناء والمدح، أن يثنى عليك وأن تمدح، وذلك لكمالك سبحانه وتعالى وعظيم فضله، أنت أهل لذلك. أنت أهل الثناء والمجد، والمجد يعني: عظمة التعظيم والإجلال. التقدير: «أحق ما قال العبد»، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت. قوله: «أحق ما قال العبد»، هذا مبتدأ، خبره: «اللهم لا مانع لما أعطيت». وقوله: «وكلنا لك عبد»، هذه جملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر، لا محل لها من الإعراب. فقوله: «أحق ما قال العبد»، يعني: أحق قولا، وحق مدحا أو ثناء، قاله العبد، هو قوله: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت». «اللهم لا مانع لما أعطيت»، لا مانع للذي أعطيته، فالذي يريده الله جل وعلا إعطاءه للعبد، لا يستطيع أحد أن يمنعه، سواء كان هذا الإعطاء حسيا أو كان معنويا. معنويا كالإيمان والاستقامة والهدى والتقى والتوكل على الله جل وعلا، والخوف منه والخشية، إلى آخر ذلك من الأمور المعنوية. وهكذا العلم، هذا كله من عطاء الله جل وعلا. إذا أراد الله عز وجل إعطاء عبد شيئا من ذلك، لا يستطيع أحد أن يمنعه. أو كذلك العطاء الحسي كالمال والولد، وكذلك غير ذلك من متاع الدنيا، كذلك لا يستطيع أحد أن يمنعه. «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، من منعه الله جل وعلا شيئا، لا يستطيع أحد أن يعطيه إياه. من منع الله عنه الهداية، لا يستطيع أحد أن يهديه. ومن منع الله عز وجل عنه الهدى والاستقامة، لا يستطيع أحد أن يعينه على ذلك. ومن منع الله عز وجل عنه شيئا من أمور الدنيا، من مال أو ولد أو غير ذلك، ما استطاع أحد أن يعطيه إياه، لأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى. فهذه الجملة فيها بيان أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، وأن المتصرف في الأمور هو الله، والمالك للأشياء هو الله جل وعلا، والمعطي هو الله، والمانع هو الله. فقول العبد: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، فيه تفويض من العبد لربه سبحانه وتعالى في الأمور كلها، وأن كلها بيد الله سبحانه وتعالى، هو المتصرف فيها جل وعلا وحده دون أحد سواه. قال: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، لا ينفع ذا الجد، أي: صاحب الغنى، صاحب الغنى والمال والسلطان والجاه في الدنيا، لا ينفعه جاهه وسلطانه وغناه من الله جل وعلا شيئا. «لا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي: لا ينفعه غناه من الله جل وعلا شيئا، فغناه وماله وسلطانه وجاهه، لا يدفع عنه عذاب الله جل وعلا إن أراده الله أن يعذبه، ولا يدفع عنه كذلك عطاء الله إن أراده الله جل وعلا أن يمنعه. فالذي ينفعه هو إيمانه وعمله الصالح، وأما غناه وما آتاه الله جل وعلا من متاع الدنيا، فذلك لا ينفعه من الله جل وعلا شيئا، لا يدفع عنه عذاب الله، ولا يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا الدعاء دعاء عظيم، ينبغي للمسلم أن يحرص على الدعاء به بعد أن يرفع رأسه من الركوع، فيأتي بهذا الدعاء بعد قوله: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملأ السماوات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.