كتاب الصلاة 45

كتاب الصلاة 45

الدرس في كتاب الصلاة 45، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مراعاة الإمام لأحوال المأمومين

يجب على الإمام مراعاة أحوال المأمومين في الصلاة وتخفيفها إذا كان هناك من يشق عليه الإطالة. هذا يشمل الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة.

التخفيف في الصلاة وأهميته

التخفيف في الصلاة عند وجود المصلين، خاصة الكبير أو المريض أو الضعيف أو صاحب الحاجة، أمر ضروري. يستند هذا إلى أحاديث نبوية تؤكد على ضرورة مراعاة أحوال الناس.

أمثلة على تخفيف النبي للصلاة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الصلاة في جماعة مع إتمامها، ويراعي حال المأمومين، مثل تخفيفه عند سماع بكاء الصبي. هذا يدل على شفقته ورحمته بالناس.

حكم إدخال الصبيان إلى المساجد

يُباح إدخال الصبيان إلى المساجد إذا أمن من تلويثها. يُعتبر حديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم" حديثًا ضعيفًا لا يصح، ويشترط الأمن من التلويث لإدخالهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا هشيم عن إسماعيل، من أبي خالد عن قيس، ومن أبي حازم عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لا أتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا. فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وقال: حدثنا هشيم، ووكيع، حاء. قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، حاء. وحدثنا أبو عمر، قال: حدثنا سفيان، كلهم عن إسماعيل، في هذا الإسناد، بمثل حديث هشيم. هذا الحديث حديث من مسعود الأنصار رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره أنه يتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل - أي في الصلاة، فالقراءة - كان يتأخر ولا يأتي في أول وقت الصلاة بسبب ذلك. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، ووعظ في هذا الأمر، ثم بيّن عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يكون منفرًا للناس عن الخير، بسبب ما قد يشق عليهم - ما قد يشق عليهم بالإطالة في القراءة أو في الصلاة، وهم لا يرغبون في الإطالة أو لا يتحملون الإطالة - فيكون بذلك مشقة عليهم. فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بالتخفيف، قال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة». ففي هذا الحديث جواز تأخر الإنسان عن الصلاة - يعني عن شهودها في أول وقتها - بمثل هذا الأمر، إذا كان يطيل إطالة تشق على الناس، فإنه يجوز له أن يتأخر. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على هذا الرجل تأخره عن صلاة الصبح بسبب ذلك. وفيه كذلك أن الإمام ينبغي أن يراعي أحوال الناس، فإذا كان الناس لا يرغبون في الإطالة، ويشق عليهم الإطالة في الصلاة والقراءة، فإنه يخفف، فإنه يوجز ويقصر في قراءته مراعاة لأحوالهم. وقد يكون منهم الكبير في السن الذي يشق عليه القيام، والضعيف في الجسم، وكذلك الصغير في السن، وصاحب الحاجة. فإذا كان يعلم منهم أنهم لا يرغبون في الإطالة، فلا يطيل؛ لأن هذا مشقة عليهم. بخلاف إذا كانوا يرغبون، إذا كان يعلم أنهم يرغبون في الإطالة، وأن هذا لا يشق عليهم، فلا بأس؛ لأن المرة معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل في صلاة الصبح، فكان يقرأ بالستين إلى المئة، وقرأ بسورة المؤمنين في الصبح، ونحو ذلك مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. فهذا يحمل على حال لا تشق على الناس، ويرغبون في نحو ذلك من الإطالة. وأما إن كان يشق عليهم، فلا يشق عليهم بالإطالة، بل يقصر بما يوافق السنة، أو يقارب ذلك مراعاة لأحوالهم. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المغيرة، ومن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، أو عبد الله النذكوان، عن الأعرج، أو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أم أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض. فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء» - يعني يطيل ما شاء - إذا كان يصلي وحده، فله أن يطيل. وأما إذا كان يصلي بالناس، فيراعي أحوالهم. لكن المراد بهذا التخفيف التخفيف الذي لا يخل بالصلاة، لا يخل بصحة الصلاة. ليس المراد بالتخفيف أن يضيع أركان الصلاة، لا يطمئن في قيامه من الركوع، أو في ركوعه، أو في جلوسه بين السجدتين، كما يفعل بعض الأئمة. هذا لا شك أنه التخفيف مخل بالصلاة، بل مبطل لها؛ لأنه يضيع ركنًا من أركانها، والاطمئنان. لكن المراد التخفيف في الإطالة - يعني في القيام، والإطالة في الركوع، والإطالة في السجود - مع مراعاة أركان الصلاة، وعدم ترك الطمأنينة في سائر الأركان، ومن ذلك في القيام من الركوع، والجلسة بين السجدتين. قال: وحدثنا ابن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم للناس فليخفف، فليخفف الصلاة؛ فإن فيهم الكبير، وفيهم الضعيف. وإذا قام وحده فليطل صلاته ما شاء». وهذا فيه كذلك بيان كمال هذه الشريعة العظيمة المباركة، وما فيها من مراعاة أحوال الناس، وعدم الإشقاق عليهم، عدم المشقة عليهم في أحكامها. فلذلك لما وجدت - إذا وجدت المشقة - وجدت تيسيرًا. وإذا كان الإطالة سيشق عليهم، فإنه يؤمر الإمام بالتخفيف تيسيرًا عليهم، ورفعًا للحرج عنهم. قال رحمه الله: وحدثنا حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة» - السقيم يعني المريض - وذا الحاجة صاحب الحاجة الذي يحتاج إلى قضائها. قال: وحدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله، غير أنه قال بدل السقيم: الكبير - يعني الكبير في السن - والكبير في السن والغالب يشق عليه القيام الطويل. قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمر بن عثمان، قال: حدثنا موسى بن طلحة، قال: حدثني عثمان بن أبي العاص، أثق به، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أم قومك - يعني كلهم إمامًا تصلي بهم -» قال: قلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي شيئًا. قيل في قوله: إني أجد في نفسي شيئًا - يعني أنه خاف على نفسه من العجب والكبر كونه يتقدمهم ويصلي بهم. وقيل: إنه أراد بذلك ما عنده من وسوسة، ما عنده من وسوسة قد لا تلائمه - يعني أن يكون إمامًا للناس. وذكر الإمام مسلم - وسيذكر حديث عثمان بن أبي العاص - بقوله النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يلبس علي في صلاتي». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فاستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وادفر عن يسارك ثلاثًا» - كما سيأتي ذكره في الحديث الذي سيأتي. فقال: أدنه، فجلس بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي - يعني النبي عليه الصلاة والسلام وضع كفه في صدري عثمان بن أبي العاص - قال: ثم قال: تحول، فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: «أم قومك» - يعني وضع كفه عليه الصلاة والسلام - والظاهر أنه دعا له. ثم قال له: «أم قومك، فمن أم قومًا فليخفف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة. وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء». وهذا فيه بيان بركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وبركة كذلك يده حين وضعها بين ثدييه وبين كتفيه، فذهب الذي كان يجد - رضي الله تعالى عنه. ثم أمره أن يخفف في الصلاة مراعاة لحال الكبير في السن، والمريض، والضعيف، وصاحب الحاجة. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، ومن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن عمر بن مرة، قال: سمعت سعيد بن المسيب، قال: حدث عثمان بن أبي العاص، قال: آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أممت قومًا فأخفف بهم الصلاة». قال: وحدثنا خلف بن هشام، وأبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجز في الصلاة ويتم - يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجز - يعني يختصر ويقصر - لكن يتم الصلاة، لا يخل بشيء من واجبات وأركان الصلاة. فإيجاز مع إتمام، لا إيجاز مع إخلال. يوجز ويتم. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أخف الناس صلاة في تمام. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل - يعنون ابن جعفر - عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الأحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف، فعلى هذا كان في بعض الأحوال - يعني يخفف القراءة ولا يطيل. وثبت عنه - كما مر معنا - الإطالة كذلك في بعض الأحوال الأخرى. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البنان، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة. قال: وحدثنا محمد بن منهال الضرير، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأخفف من شدة وجد أمه به». ففي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يدخل إلى الصلاة وهو يريد الإطالة في القراءة، فيسمع بكاء الصبي، فيخفف - يقصر الإطالة - يعني يقصر القراءة ويقصر الصلاة بدلًا من إطالتها. قال: من شدة وجد أمه به. الوجد يطلق على المحبة وعلى الحزن. ولعل المراد به في هذا الموضع الحزن - يعني من شدة حزن أمه به - لأن الأم إذا بكى صبيها وولدها فإنها تشفق عليه وتحزن عليه. فيخفف عليه الصلاة والسلام الصلاة حتى تدرك الأم ابنها وولدها. وهذا فيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الشفقة والرحمة بالصغار والصبيان، بل بالناس جميعًا، مراعاة لحال هذه الأم من وجدها على ابنها. وأيضًا رحمة لهذا الطفل الذي يبكي وهو يريد أمه، فيخفف عليه الصلاة والسلام الصلاة لأجل ذلك. وفيه كذلك ما يلحق بذلك - ما كان بمثل هذا المعنى - من حصول شيء - يعني يحتاج إلى أن يقصر فيه الصلاة والقراءة - إذا حدث شيء يحتاج إلى أن يقصر فيه الصلاة، فيقصر ويقصر القراءة حتى يدرك - يعني الناس - هذا الشيء. إذا كان هذا في مراعاة لحق إنسان في شيء شخصي، فكيف إذا كان بأمر عام؟ إذا كان بأمر عام، كان يحصل شيء - مثلًا حريق - فيأتي من يستغيث - مثلًا - أو شيء من ذلك، فيقصر الصلاة ويخففها حتى يدرك الناس هذا الأمر. وفي هذا الحديث كذلك جواز صلاة النساء مع الرجال إذا كن - يعني يصلين خلف الرجال - كما كان ذلك بزمن النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه أيضًا جواز إدخال الصبيان إلى المساجد - جواز إدخال الصبيان إلى المساجد - إذا أمن من تلويث المسجد. وأما حديث: «جنبوا مساجدكم صبيانكم»، فإنه حديث ضعيف لا يصح. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.