المحاضرة بعنوان فتيا في بيان عقيدة أهل السنة وحكم الرقص والغناء والاختلاط بالنساء، مجلس علمي والذي كان بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة بالشحر يوم الجمعة 2 رجب 1446هـ الموافق 2 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
افتُتح أول مجلس علمي شهري في المسجد المبارك بقراءة رسالة الفتوى للإمام جمال الدين محمد بن أبي الفضل التغلبي الدولعي الشافعي، خطيب الجامع الأموي بدمشق مدة ٣٧ سنة. تناولت الفتوى بيان عقيدة السلف في الأسماء والصفات والقرآن، والحكم على الرقص والغناء والاختلاط بالنساء زاعمين أنها قربة.
يشرح المقطع معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، مبيناً أن سورة الإخلاص تنزيه لله عن المماثلة وإثبات للصفات العليا. كما يفصل في مسألة القرآن بأنه كلام الله غير مخلوق، صفة ذاتية وفعلية، ويرد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة في قولهم بخلق القرآن أو نفي الحرف والصوت.
يوضح المقطع معنى تكليم الله لموسى عليه السلام حقيقةً ويرد على تحريف المعطلة للمعنى واللغة، مقرراً أن القرآن كلام الله غير مخلوق. كما يبين معتقد أهل السنة في إثبات صفتي الاستواء والنزول على الحقيقة بلا تمثيل ولا تكييف، ويختم بالتأكيد على الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
يبيّن المقطع موقف أهل السنة في إثبات القدر والمشيئة لله وللمخلوق مع تبعية مشيئة العبد لمشيئة الله، ويرد على الجبرية والقدرية بالأدلة الشرعية. ثم يفصل أركان الإيمان بالقدر الأربعة: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق، ويذكر أركان الإسلام الخمسة ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وفضل الصحابة.
يبيّن هذا المحور موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن ناقص الإيمان لا كافر، ويدخل النار إن لم يُغفر له ولا يخلد فيها بل يخرج بالشفاعة. كما يوضح تعريف الإيمان بأنه قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويثبت عذاب القبر ونعيمه ومسألة منكر ونكير رداً على المخالفين.
يتناول هذا المحور إثبات وجود الجنة والنار الآن، ونصب الصراط على جهنم يعبره الناس بحسب أعمالهم، ووجود حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنواع الشفاعة الثابتة للنبي وغيره. كما يثبت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بالقرآن والسنة رداً على المعتزلة والجهمية المنكرين لذلك.
يستعرض هذا المحور موعظة النبي للعرباض بن سارية بالتمسك بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين، ثم يفصل في تحريم الغناء المصحوب بآلات اللهو والطرب المثير للشهوات بإجماع العلماء. ويسوق أدلة التحريم من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين كابن عمر والشعبي والفضيل بن عياض والإمام الشافعي، مع التفريق بينه وبين الغناء المباح الخالي من الآلات والمثيرات.
ينتقد المحور تأثر الغزالي بالفلسفة وينقل إجماع الأئمة الأربعة على تحريم الغناء وآلات الطرب كالمزمار، مستدلاً بفعل ابن عمر في سد أذنيه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. كما يستنكر ممارسات الصوفية من رقص وزف وحركات هستيرية في مجالس الذكر معتبراً إياها بدعاً شيطانية لم يفعلها الصحابة.
يبيّن المحور حرمة اختلاط الرجال بالنساء غير المحارم مستدلاً بآيات غض البصر وأحاديث الخلوة والنهي عن النظر، وينقل عن ابن القيم أن الاختلاط أصل كل بلية وسبب للعقوبات العامة. كما يذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين الأولاد في المضاجع لعشر سنين صيانةً لهم.
يبيّن المحور بطلان حديث أم سلمة في الاختلاط، وينقل إجماع الأئمة الأربعة على أن التغبير والقضيب بدعة أحدثها الزنادقة، ويلحق بهما ما يفعله بعض الصوفية من غناء ورقص وضرب بالدفوف. كما يستدل بالآيات والأحاديث على تحريم التصفيق والرقص في المساجد، وكونهما من صفات النساء وأفعال الكفار.
يؤكد المحور وجوب الإمساك عن الخوض في الحروب والوقائع التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم مجتهدون مأجورون وما وقع بينهم مغفور في بحور حسناتهم. كما يبين أن حديث "أصحابي كالنجوم" ضعيف موضوع، وينهى عن الجدال في القرآن لأنه طريق إلى الكفر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، ومن استنّ بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد، فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، ومن تلكم النعم أن وفقنا -أيها الإخوة ويا أيها الأحبة- في هذا المسجد المبارك، أن وفقنا الله سبحانه وتعالى لبرنامج موصوم ببرنامج المجالس العلمية، وهذا من باب نشر العلم وبث العقيدة الصحيحة ونشر العلم النافع. وفي هذا اليوم الثاني من شهر رجب من عام ستة وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق الثاني من الشهر الأول لعام خمسة وعشرين وعشرين للميلاد، يبدأ أول مجلس علمي في هذا المسجد المبارك، موصوم بفتيا في بيان عقيدة أهل السنة وحكم الغناء والرقص واختلاط النساء، لخطيب الجامع الأموي الإمام العلامة جمال الدين محمد بن أبي الفضل التغلبي الدولعي الشافعي الدمشقي رحمه الله تعالى. وضيف هذا المجلس هو شيخنا الفاضل أبو يوسف عبد المجيد بن فرج دعكيك، إمام وخطيب جامع عثمان بن عفان بمدينة روكب، والمدرس بدار الحديث بالشهر. ونبشر طلاب العلم بأن هذا البرنامج -إن شاء الله- سيكون شهرياً، فابتداءً من هذا الشهر هذا المجلس، والشهر الثاني ستكون عندنا دورة معروفة -إن شاء الله- وهي دورة زاد الصائم الثانية، أيضاً بمشاركة دار الحديث بالشهر، حفظهم الله، وحرس الله الدار ومنشئها. وأيضاً -إن شاء الله- في رمضان المجلس، مجلس مشايخ دار الحديث في كل جمعة في هذا المسجد، حفظهم الله، وسيتأتي معنا -إن شاء الله- مجالس في شوال وما بعدها، يأتي الإعلان عنها في حينها -إن شاء الله تعالى. فنحمد الله الذي أكرمنا بهذا الخير، ونسأله أن يثبتنا وإياكم على دينه وشرعه، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر، وأن يمن علينا وعليكم بالثبات على دينه وشرعه بمشيئة الله. بعد ركعتين السنة يبدأ المجلس -إن شاء الله-، ونسأل الله أن يبارك فيكم جميعاً. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدي -إن شاء الله تعالى- القراءة في هذا الكتاب، هذه الرسالة التي هي بعنوان: «فتيا في بيان عقيدة أهل السنة وحكم الرقص والغناء والاختلاط بالنساء»، لمصنفها الشيخ العلامة فقيه خطيب الإمام، خطيب الجامع الأموي جمال الدين محمد بن أبي الفضل التغلبي الدولعي الدمشقي الشافعي، المولود سنة خمس وخمسين وخمسمائة من الهجرة، والمتوفى سنة خمس وثلاثين وستمائة من الهجرة. ونبتدئ بقراءة ترجمة مختصرة لمصنف هذه الرسالة. نعم، تفضل. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، قال فضيلة الشيخ الدكتور دغش بن شبيب العجمي حفظه الله تعالى: التعريف بالمؤلف: هو خطيب الجامع الأموي بدمشق، المفتي، أبو عبد الله جمال الدين محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين بن زيد بن قايد بن جميل التغلبي الأرقمي الدولعي. ولد بالدولعية من قرى الموصل سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقدم دمشق فتفقها بعمه خطيب دمشق ضياء الدين عبد الملك بن زيد الدولعي المتوفى عام خمسمائة وثمانية وتسعين للهجرة. روى عنه ابن صدقة الحراني، وشيخ الشيوخ أبي القاسم عبد الرحيم بن إسماعيل، وعمه الفقيه أبي القاسم عبد الملك بن زيد الخطيب، وأبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، وغيرهم. وولي بعد عمه، وطالت مدته، منعه المعظم من الفتوى مدة، وكان جمال الدين شديداً على الرافضة. روى عنه ابن الحلوانية، والجلال بن الصابوني، وخادمه سليمان بن أبي الحسن، وجماعة. ودرس مدة بالغزالية، وأنشأ المدرسة الدولعية، ولذلك نسبت له. وكان فصيحاً مهيباً، له سمت حسن، مفخم كلامه، وكان من كبراء أهل عصره والمعظمين فيه. تولى خطابة الجامع الأموي بعد وفاة عمه، وكانت وفاته سنة خمسمائة وثمانية وتسعين للهجرة، إلى وفاة المترجم له سنة ست ستمائة وخمسة وثلاثين للهجرة، فتكون مدة خطابته سبعاً وثلاثين سنة. لم تذكر الكتب التي ترجمت له مصنفاته، والظاهر أنه اشتغل بالتدريس والخطابة عن التصنيف، ولم أجد له سوى هذه الرسالة التي هي عبارة عن فتيا مختصرة. مات رحمه الله في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة عن ثمانين سنة، وولي الخطابة أخ له دونه بكثير في العلم. قال الحافظ الذهبي: لم يطول أخوه، ودفن الدولعي بجيرون بمدرسته، وكان من أعيان الشافعية. هذه الترجمة كما سمعنا أن مصنف هذه الرسالة هو خطيب الجامع الأموي بدمشق في زمانه، وتولى خطابة الجامع نحواً من سبعين وثلاثين سنة، وهو خطيب ومدرس في جامع الأموي في دمشق، وكذلك أنشأ المدرسة الدولعية، وإليها ينسب، ويقال له الدولعي نسبة إلى هذه المدرسة. وكذلك علمنا من ترجمته أنه من أئمة الشافعية ممن ينتسب إلى مذهب الإمام الشافعي محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رحمه الله. وهذه الرسالة عبارة عن فتيا أجاب عنها حين سئل عن معتقد أهل السنة، وعن حكم من يرقص ويغني ويختلط بالنساء، ويجعل ذلك ديناً يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، فكانت هذه الرسالة المتضمنة للجواب عن هاتين المسألتين: المسألة الأولى: بيان معتقد أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وفي باب القرآن، وغيرها من مسائل المعتقد. المسألة الثانية: ما يتعلق بحكم الغناء والرقص، وكذلك الاختلاط بالنساء، واتخاذ ذلك ديناً يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. نعم. بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله، عَدَدَ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ العَالِمُ الفَقِيهُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ مُحَدِّثُ الشَّامِ تَاجُ الخَطَبَاءِ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الفَضْلِ بْنِ زَيْدٍ التَّغْلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ الدَّوْلَعِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قُلْتُ: رَضِيَ اللهُ عَنْكَ هَذِهِ العَقِيدَةُ فَأَقْرَرْ بِهَا، وَذَلِكَ سَلْخَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالجَامِعِ بِدِمَشْقَ فِي الزَّاوِيَةِ الخَطَابِيَّةِ، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنْ أَذْكُرَ لَهُ عَقِيدَةَ أَهْلِ الحَقِّ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَعَنْ قَوْمٍ يَرْقُصُونَ وَيَغْنُونَ وَيَصْفِقُونَ وَيُخَالِطُونَ النِّسَاءَ الأَجَانِبَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ دِينٌ وَحَقٌّ. فَقُلْتُ: وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ، اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ إِلَى الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ حَيٌّ قَيُّومٌ قَادِرٌ مُقْتَدِرٌ مُرِيدٌ مُتَكَلِّمٌ. ذكر رحمه الله في بداية هذه الرسالة أنه سأله بعض أصحابه أن يذكر له عقيدة أهل الحق من السل الصالح، وعن قوم يرقصون ويغنون ويصفقون ويخالطون النساء الأجانب ويزعمون أنه دين حق. إذن الرسالة تتعلق بهاتين المسألتين وبهذين الأمرين. فكان أول جوابه رحمه الله بعد أن دعا لقارئ هذه الرسالة بالرشاد إلى الهدى ودين الحق، وهذا من حسن سريرة المصنف ومحبته للخير للآخرين أن يوفقهم الله جل وعلا إلى الهدى ودين الحق. الهدى: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح. والله جل وعلا يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾. ذكر نحو ذلك ابن كثير السعيد رحمه الله بتفسيره. وابتدأ الرسالة بتنزيه الله سبحانه وتعالى، وبيان أحدية الله وتفرده جل وعلا بالألوهية، وأنه جل وعلا هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي تصمد إليه الخلائق بقضاء حوائجها، وأنه جل وعلا لم يلد ولم يولد، لم ينفصل عن شيء ولم ينفصل عنه شيء، ما اتخذ صاحبة ولا ولد لكماله ولعظيم غناه جل وعلا. وفي ذلك رد على النصارى واليهود الذين زعموا أن لله ولداً: اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى زعموا أن عيسى ابن الله، والله جل وعلا يقول: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾: أي لم يكن له كفوا أي من يكافئه ويماثله ويشابهه سبحانه وتعالى في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته. وأنه جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ في جميع صفاته سبحانه وتعالى. ليس هناك من المخلوقات من يماثل الله جل وعلا في صفاته، فالله جل وعلا له الأسماء الحسنى وله الصفات العليا التي لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين. وهذه الآية اجتمعت على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن المماثلة، وعلا كذلك إثبات الأسماء والصفات لله. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه لله جل وعلا أن يكون له مثيل أو نظير. ومثله هذه الآية: قول الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، وكذلك أيضاً قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: إثبات السمع والبصر لله سبحانه وتعالى. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات: أنهم يثبتون كل ما أثبته الله جل وعلا لنفسه إثباتاً يليق بجلال الله، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. فهذه الآية فيها رد على أهل الأهواء وأهل التعطيل الذين عطلوا صفات الله سبحانه وتعالى. فقوله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيها رد على الممثلة الذين مثلوا صفات الله، وقالوا: صفة الله كمثل صفة المخلوق، كمثل صفة المخلوق: سمعه كسمع المخلوق، وبصره كمثل بصر المخلوق، يده كيد المخلوق، إلى آخر ذلك. والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، هذا رد عليهم، وينفي جل وعلا المماثلة أن يماثل أحد من خلقه. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: رد على المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا الله جل وعلا عن المماثلة فعطلوا صفات الله وحرفوا معانيها، والله جل وعلا هنا يثبتها لنفسه بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. إذن هذه الآية رد على أهل التعطيل جميعاً: على الممثلة وعلى المعطلة. ثم ذكر أن الله جل وعلا متصف بالصفات العظيمة التي وصف جل وعلا بها نفسه، منها السمع والبصر والحياة والقيومة والقدرة والإرادة والكلام، وغير ذلك من صفات الله جل وعلا الكثيرة التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه في كتابه، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته. نعم. قال رحمه الله: «وَالقُرْآنُ كَلَامُهُ وَوَحْيُهُ وَتَنزِيلُهُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى كِفَاحاً بِلا وَاسِطَةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾، وَأَنَّ المَتْلُوَّ فِي المَحَارِبِ المَكْتُوبَ فِي المَصَاحِفِ المَحْفُوظَ فِي الصُّدُورِ كَلَامُهُ عَلَى الحَقِيقَةِ». وأن جميع ما ورد في الكتاب والسنة... في هذا الموضع يشير رحمه الله إلى مسألة القرآن، وأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، أن الله جل وعلا هو المتكلم به ابتداء، ثم أوحاه جل وعلا إلى جبريل، ونزل به جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ﴾. ومعتقد أهل السنة والجماعة في القرآن أنه كلام الله، صفة من صفات الله جل وعلا، والكلام صفة من صفات الله جل وعلا، صفة ذاتية وصفة فعلية: صفة ذاتية لأنها متعلقة بذات الله لا تنفك عن الله، وصفة فعلية لأنها متعلقة بمشيئة الله، يتكلم جل وعلا متى شاء. والقرآن من كلام الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾، يعني القرآن: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافاً لأهل الأهواء كالجهمية والمعتزلة الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، القرآن مخلوق هو كآيات الله جل وعلا الكونية كالشمس والقمر والسماء والأرض، إلى آخر ذلك من المخلوقات. وقد كفر أهل العلم الجهمية على هذا القول، وهذا من أعظم وأكبر شناعات الجهمية التي وقعوا فيها: القول بخلق القرآن. قال ابن القيم رحمه الله: «ولقد تقلد كفرهم خمسون في ألف، خمسون في عشر من العلماء في البلدان». واللالكائي الإمام حكاه عنهم، بل قد حكاه قبله الطبراني في خمسمائة من أهل العلم: كفروا الجهمية. والأشاعرة قالوا: حكاية القرآن حكاية عن كلام الله، حكاية عن كلام الله، وكلام الله جل وعلا نفساني مجرد عن الحرف والصوت. وقالوا بقول القائل: «إن الكلام ليس في الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً». هذا القول باطل. ومضمون قول الجهمية قول الأشاعرة هو أن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق كالجهمية، لكن لم يصرحوا بذلك، لم يصرحوا بذلك، فيقولون: حكاية عن كلام الله. معناه أنه ليس بكلام الله. إذن ما هذا القرآن في الحقيقة؟ قولهم كقول الجهمية أنه مخلوق. لذلك رد عليهم أهل العلم، وبطلان هذا القول، وأن القرآن كلام الله جل وعلا، تكلم الله عز وجل به. وكذلك هناك رسالة نافعة مفيدة في مسألة إثبات الكلام، وأن كلام الله جل وعلا بحرف وصوت، وهي لأبي نصر السجزي رحمه الله إلى أهل زبيد، إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت في مسألة الكلام والقرآن، وهي من أفضل الرسائل في هذا الباب. وبيّن رحمه الله أن الله عز وجل كلم موسى كفاحاً بلا واسطة، أي مباشرة من غير واسطة. موسى لما قال لله جل وعلا: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، مكلمه مباشرة، قال: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، إلى آخر الحوار بين الله جل وعلا وبين موسى عليه السلام. لماذا قال: كفاحاً بلا واسطة؟ لأن المعتزلة قالوا: إنما الذي كلم موسى هي الشجرة، وليس رب العالمين سبحانه وتعالى. فالشجرة هي التي خاطبت موسى وقالت له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، إلى آخر ذلك من الآيات. وهذا أيضاً كذلك من الباطل الذي وقع فيه المعتزلة في إنكار كلام الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا قال: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾، هذا تأكيد على وقوع الكلام وحقيقة الكلام. وكلم الله موسى تكليماً، وتكليماً مصدر، مصدر كلم يكلم تكليماً، تكليماً، والمصدر يدل على حقيقة الفعل، يدل على حقيقة الفعل. وقوله جل وعلا: ﴿تَكْلِيماً﴾ يؤكد وقوع الكلام من الله جل وعلا لموسى. وكلم الله موسى تكليماً، وأهل التعطيل حرفوا هذه الآية، حرفوا هذه الآية من جهة المعنى ومن جهة اللغة. من جهة المعنى: قال المراد بالكلام هنا التجريح، كلم الله موسى أي جرحه بمجارح الحكمة، جرحه بمجارح الحكمة، لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ» -أي ما من مجروح يجرح- «إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدِبِّي، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ». فقالوا: هنا المراد بالكلام هذا المعنى اللغوي، معنى التجريح، أنه جرحه بمجارح الحكمة. وهذا القول باطل، ويبطله قوله جل وعلا: ﴿تَكْلِيماً﴾، لأن تكليماً مصدر كلم، هو الفعل الدال على الكلام. ولو أراد الله جل وعلا الكلم بمعنى التجريح لقال: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى كَلْماً﴾، أي جرحه جرحاً. لكن قال: ﴿تَكْلِيماً﴾، فهذا يبطل هذا المعنى. والتعطيل أو التحريف اللفظي: أنهم قرأوا الآية بنصب لفظ الجلالة، قالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾، جعلوا موسى هو المتكلم والله هو المكلم، حتى ينفوا صفة الكلام، حتى ينفوا صفة الكلام. وهذا من التحريف الذي وقعوا فيه نصرة لأهوائهم. وبيّن رحمه الله أن القرآن كلام الله، سواء قرأه القارئ، هذا الذي يتلوه الإمام في الصلاة هو كلام الله، وما كتب في المصاحف هو كلام الله، وما حفظ في الصدور هو كلام الله، كله كلامه جل وعلا على الحقيقة. والكلام ينسب إلى قائله ابتداء، والمتكلم بالقرآن ابتداء هو الله. وأما كونه ينسب أو يضاف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أو إلى الرسول الملك جبريل عليه الصلاة، فهو إضافة تبليغ، إضافة تبليغ. في قول جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾. هذه الإضافة إضافة تبليغ، أن جبريل تكلم به وبلغ كلام الله جل وعلا لنبينا عليه الصلاة والسلام، ولا يخرج ذلك حقيقة الكلام أنه كلام الله، لأنه المتكلم به ابتداء. نعم. قال رحمه الله: «وَأَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ آيَاتِ الِاسْتِوَاءِ وَحَدِيثِ النُّزُولِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَلا تَشْبِيهٍ وَلا تَكْيِيفٍ». نعم، معتقد أهل السنة والجماعة في آيات الاستواء: بقوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، ثم استوى على العرش في ستة مواضع من القرآن. أهل السنة والجماعة يثبتون الاستواء على حقيقته، أن الله جل وعلا استوى استواء يليق بجلاله وبعظمته، والاستواء بمعنى العلو والارتفاع والاستقرار. فأهل السنة يثبتون هذا المعنى على حقيقته، ويثبتون هذه الآيات على ظاهرها، ولا يحرفونها ويعطلونها كأهل التعطيل الذين يقولون: المراد بالاستواء الاستيلاء، استوى بمعنى استولى. وهذا قول باطل وتحريف لكلام الله جل وعلا. وكذلك أيضاً حديث النزول: حديث المسعود رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟» إلى آخر ذلك الحديث. فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة النزول لله جل وعلا، وأنه نزول يليق بجلال الله وبعظمة الله، لا يماثل نزوله نزول المخلوقين. لأن عندنا القاعدة في إثبات الصفات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. إذن فنزول الله نزول يليق بجلال الله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. وإذا كان ذات الله جل وعلا لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين. إذا قال المعطل والممثل: «أنا ما أعرف إلا نزولاً كنزولي، إلا نزولاً كنزولي»، نقول له: هل تثبت لله ذاتاً؟ سيقول: سيقول نعم. إن قال لا كفر. فنقول له: هل ذات الله كذوات المخلوقين؟ سيقول: لا. فيقال له: وكذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالله جل وعلا له الصفات التي تليق بجلاله وبعظمته، فلا نحتاج إذا أن نعطل هذه الصفة ونقول: تنزل رحمة الله، أو تنزل ملائكة الله، أو ينزل أمر الله، كما قال أهل التعطيل. وكل ذلك باطل، ويبطله الحديث نفسه في آخره، فيقول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟» هل يقول هذا الملك؟ أو تقول ذلك رحمة الله أو أمر الله؟ الجواب: لا. إذن الحديث يدل على نزول الخالق سبحانه وتعالى، نزولاً يليق بجلاله وبعظمته. فنحن نثبت هذه الصفات من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف. التمثيل: أن نقول إن صفة الله كمثل صفة المخلوق. والتشبيه قريب من ذلك. ونفي التمثيل أبلغ من نفي التشبيه، أبلغ من نفي التشبيه، لأنه اللفظ الوارد في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ولم يقل الله: ليس كشبيهه شيء. والأمر الثاني: أن المشابهة قد تقع، يعني ما من شيء قد يكون هناك بينه بين الخالق والمخلوق مشابه، ولو في الاسم، ولو في الاسم، وإن كان في الحقيقة يختلف. لكن نفي المماثلة ينفي حصول المماثلة بين الخالق والمخلوق، فهو أبلغ في التنزيه. نفي المماثلة أبلغ في تنزيه الله سبحانه وتعالى من نفي المشابهة. وأما التكييف: فهو أن تعتقد أن صفة الله جل وعلا في ذهنك على صفة معينة، ليس لها مثيل في الواقع، ليس لها مثيل في الواقع. هذا هو التكييف: أنك تكيّف صفة الله في ذهنك وفي عقلك أنها كذا وكذا، بشيء ليس له مثيل في الواقع. وكل ذلك منفي، لا يجوز أن تمثل صفات الله جل وعلا بصفات المخلوقين، ولا أن تكييفها في ذهنك أنها على كذا وكذا مما يخطر في بالك. وكل ذلك ينفيه أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات. قال رحمه الله: «وَأَنَّ الإِيمَانَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، فَالحَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللهِ تَعَالَى». نعم، مسألة الإيمان بالقدر: فأهل السنة والجماعة يثبتون أو يؤمنون بعموم قدر الله سبحانه وتعالى، وأن كل شيء بمشيئة الله، وكل شيء بقدرة الله سبحانه وتعالى. والإيمان بالقدر كما نعلم هو من أركان الإيمان، من أركان الإيمان، أحد أركان الإيمان الستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، كما جاء في حديث جبريل المشهور، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصحيحين، وفي رواية في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فتؤمن بأن الخير والشر كله من الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل خلق الخير والشر، أن الله عز وجل خلق الخير والشر. وأراد بهذا الرد على أهل الأهواء من القدرية المعتزلة والجهمية الجبرية الذين ضلوا في هذا الباب، في باب القدر، ونفوا أن يكون الله عز وجل خلق أفعال العباد، كما يقول القدرية المعتزلة: وإنما العبد يخلق فعل نفسه. والجهمية الجبرية الذين نفوا أن يكون للعبد قدر ومشيئة، وقالوا: لا قدرة للعبد ولا مشيئة له، وإنما المشيئة لله سبحانه وتعالى. فالجبرية غلوا في إثبات المشيئة لله حتى نفوها عن المخلوق، والقدرية نفوا القدرة عن الله سبحانه وتعالى وأثبتوها للمخلوق. وكلا القولين باطل. وأهل السنة والجماعة يثبتون القدر والمشيئة لله، ويثبتون كذلك للمخلوق مشيئة، لكن مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله، لا يشاء المخلوق شيئاً إلا بما شاءه الله سبحانه وتعالى، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. فأثبت الله جل وعلا المشيئة لنفسه، وأثبت للمخلوق مشيئة. فقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ هذا فيه رد على الجبرية الذين نفوا مشيئة المخلوق. وقوله: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ رد على القدرية الذين نفوا القدرة والمشيئة عن الله في أفعال المخلوق. وبين الله جل وعلا أن مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله. والإيمان بالقدر لا يتحقق إلا بالإيمان بأركانه الأربع، إلا بالإيمان بأركانه الأربع ومراتبه الأربع: وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق. أن تؤمن بأن الله جل وعلا علم كل شيء، علم كل شيء: ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، قد علمه الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة في إثبات عموم علم الله سبحانه وتعالى. والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، أن تؤمن بأن الله جل وعلا كتب كل شيء، كتب كل شيء، مقادير الخلائق كلها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، قَالَ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». فجرى القلم في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. وفي حديث عبد الله بن عمر في الصحيح، المسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ». ثم المرتبة الثالثة: وهي مرتبة المشيئة، أن تؤمن بأن الله جل وعلا شاء كل شيء، شاء كل شيء، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله، إلا بمشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَهَدَاهُمْ﴾، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، وغير ذلك من الآيات. والمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق، أن تؤمن بأن الله جل وعلا خلق كل شيء، أن الله عز وجل خلق كل شيء. ومن ذلك الخير والشر. قال جل وعلا: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقول عز وجل: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فمن آمن بهذه المراتب الأربع آمن بالقدر خيره وشره، وسلم من الضلال والانحراف في هذا الباب. ومن أخل بمرتبة من هذه المراتب وقع في البدعة والضلال. ولهذا القدرية والجبرية لما أخلوا بهذه المراتب ضلوا في هذا الباب، باب الإيمان بالقدر خيره وشره. نعم. لكن باب التنبيه: أن الشر وإن خلقه الله جل وعلا لا ينسب إلى الله، لا ينسب إلى الله فعلاً. ما يقال: الله يفعل الشر. الله عز وجل لم يخلق شيئاً فيه شر محض. خلق إبليس وخلق النار، وفيها شرور، لكن ليس شروراً محضة، فيها حكم ومصالح، فيها حكم ومصالح. لهذا الشر ما ينسب إلى الله فعلاً، وإن كان ينسب إليه خلقاً وإيجاداً: خلقه وأوجده. لكن ما يقال: الله يفعل الشر، فينسب إليه فعل. إنما فعل الشر ينسب إلى المخلوق، هو الذي يفعل الشر ويباشر فعلاء الشرور. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، يعني: ليس من أفعالك، ليس من أفعالك. فأفعال الله عز وجل كلها خير. نعم. قال رحمه الله: «وَأَنَّ الإِسْلاَمَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ لا يَكُونُ فِي الكَوَائِنِ حَرَكَةٌ وَلا سُكُونٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً بَشَرٌ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَشَرِيعَتُهُ ثَابِتَةٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ هِيَ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، وَأَنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ المُقَدَّمُ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ أَحَقَّ بِالخِلافَةِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ وَمِنْ وَلايَتِهِ، وَنُحِبُّ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَتَرَضَّى عَنْهُمْ وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ». ذكر رحمه الله ما يتعلق بأركان الإسلام، وأنه بني على خمسة أركان: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج بيت الله الحرام، وصوم رمضان. كما جاء في حديث عمر في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ»، وذكر هذه الأركان الخمسة. فنؤمن بها كلها، فنؤمن بها كلها ونقر بها ولا ننكر منها شيئاً. ثم ذكر أنه لا يكون في الكائنات حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته وإرادته. وهذه الجملة كان المناسب أن يذكرها عند كلامه على الإيمان بالقدر خيره وشره، لأنها تتعلق بهذه المسألة. ثم ذكر أن نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام بشر وخاتم الأنبياء، وأراد بذلك الرد على من ضل في هذا الباب، في باب نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته، بين من جفى وبين من غلا. فهناك من غلا في النبي عليه الصلاة والسلام حتى رفعه من مقام البشرية إلى مقام الربوبية والألوهية، وهناك من جفى فأنكر نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته، كالفلاسفة الذين ينكرون النبوات. ومن يغلو في النبي عليه الصلاة والسلام كالمتصوفة ومن كان على طريقتهم والنبي صلى الله عليه وسلم بشر وعبد من عباد الله جل وعلا فضله الله عز وجل بالنبوة والرسالة فعبد فلا يعبد ورسول فلا يكذب ما كان محمد أبى أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد وهو عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء ختم الله عز وجل به النبوة فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو دجال كذاب فهو دجال كذاب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهور أولئك الكذابين الدجالين الذين يدعون النبوة بعده عليه الصلاة والسلام وهو كذلك كافر لتكذيبه بالقرآن والسنة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا نبي بعدي وأن شريعته عليه الصلاة والسلام ثابتة وباقية إلى قيام الساعة وهي ناسخة للشرائع السابقة ولهذا عيسى عليه السلام يخرج في آخر الزمان فيحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم لا يحكم بشريعته إنما يحكم بالإسلام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل حينئذ إلا الإسلام ثم ذكر ما يتعلق بالصحابة رضي الله تعالى عنهم وأن خير الصحابة وخير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة أن أفضل الصحابة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم عمر الفاروق ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم جميعا وأولاهم بالخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وهكذا ترتيب في الأفضلية ومن قدم علي على أبي بكر وعمر فهو أجهل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد رحمه الله وصح عن علي رضي الله عنه أنه قال من فضلني على أبي بكر جلته حد الفرية أي حد الجلد جلته حد الفرية وهذا الأثر اخرجه ابن أبي عاصم في السنة وهكذا أيضا عبد الله من الإمام أحمد في السنة وهذا فيه رد على الروافض الذين يقدمون علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر يفضلونه عليهم بل ويجعلونه أولى بالخلافة يجعلون علي أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر بل أعظم من هذا أنهم يكفرون أبا بكر وعمر يكفرون أبا بكر وعمر وعمر وأشار كذلك بعد ذلك إلى معتقد أهل السنة والجماعة في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام كعلي والحسن والحسين وفاطمة وغيرهم أنهم يحبون أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بهم أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فأهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله ويترضون عنهم وعن جميع الصحابة فهم يحبون الصحابة كلهم يحبون العشر المبشرين بالجنة ويحبون أهل بيعة الرضوان ويحبون المهاجرين ويحبون الأنصار ويحبون من أسلم قبل الفتح ومن أسلم بعد الفتح فجميع الصحابة أهل السنة والجماعة يحبونهم ويترضون عنهم لما لهم من الفضائل العظيمة وسبقة الإسلام وشرى في الصحبة صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام والله جل وعلا يقول لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعليما ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا هذه شهادة من الله عز وجل لهم بالإيمان وبما في قلوبهم من التصديق فرضي الله سبحانه وتعالى عنهم وقال جل وعلا والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي يطول المقام في ذكرها في فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فأراد بذلك ما سمعتم الرد على أهل الباطل في مسألة الصحابة وهم الرافضة الذين طعنوا في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وكفروهم ولم يستثنوا إلا نحو سبعة فقط والبقية عندهم كفار وغلوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وغلوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وهكذا قابلهم في الضلال في هذا الباب الخوارج النواصب الذين طعنوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وأهل السنة وسط بين الطائفتين فهم يحبون الصحابة جميعا ويترضون عنهم ولا يسبون أحدا منهم ولا يتنقصون أحدا منهم ولا يغلون في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام نعم قال رحمه الله ولا نقطع لأحد بجنة ولا نار إلا من قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخلد أحد في النار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة لأهل الكبائر من أمتي نعم أهل السنة والجماعة لا يجزمون لأحد بجنة ولا نار ولو كان هذا الإنسان مستقيما تقيا طائعا لله ما يقولون فلان من أهل الجنة ما يقولون فلان من أهل الجنة ما يجزمون له بالجنة وهكذا أيضا من كان مسيئا مخطئا عاصيا فاسقا ما يقولون فلان هذا العاصي من أهل النار وإنما يرجون للمحسن ويخافون على المسيئ هذا التقي نرجو له الجنة وهذا العاصي نخاف عليه من النار ولا يجزمون لأحد بجنة ولا نار إلا من جزم له القرآن والسنة من أخبر الله عز وجل أنه في النار حكمنا عليه بالنار كأبي لهب وفرعون وقارون وهامان وغيرهم من الكفار أو كذلك من أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام كعمر من لحي وغيره من الكفرة وهكذا أيضا لا نجزم لأحد بالجنة إلا من جزم له القرآن والسنة كالعشرة المبشرين بالجنة نجزم أنهم في الجنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك وكبلال وكخديجة وكذلك غير من الصحابة ممن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ثم بيّن معتقد أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر من أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يرتكبوا شيئا من كبائر الذنوب كالزنا أو شرب الخامر أو قتل النفس أو أكل الريبا أو غير ذلك من الكبائر أنهم إن دخلوا النار لم يخلدوا فيها لأن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له والله جل وعلا يقول إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك أي ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي ويغفر ما دون ذلك لمن شاء لمن شاء الله أن يغفر له إذن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر لهومن يغلو في النبي عليه الصلاة والسلام كالمتصوفة ومن كان على طريقتهم والنبي صلى الله عليه وسلم بشر وعبد من عباد الله جل وعلا فضله الله عز وجل بالنبوة والرسالة فعبد فلا يعبد ورسول فلا يكذب ما كان محمد أبى أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد وهو عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء ختم الله عز وجل به النبوة فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو دجال كذاب فهو دجال كذاب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهور أولئك الكذابين الدجالين الذين يدعون النبوة بعده عليه الصلاة والسلام وهو كذلك كافر لتكذيبه بالقرآن والسنة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا نبي بعدي وأن شريعته عليه الصلاة والسلام ثابتة وباقية إلى قيام الساعة وهي ناسخة للشرائع السابقة ولهذا عيسى عليه السلام يخرج في آخر الزمان فيحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم لا يحكم بشريعته إنما يحكم بالإسلام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل حينئذ إلا الإسلام ثم ذكر ما يتعلق بالصحابة رضي الله تعالى عنهم وأن خير الصحابة وخير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة أن أفضل الصحابة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم عمر الفاروق ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم جميعا وأولاهم بالخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وهكذا ترتيب في الأفضلية ومن قدم علي على أبي بكر وعمر فهو أجهل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد رحمه الله وصح عن علي رضي الله عنه أنه قال من فضلني على أبي بكر جلته حد الفرية أي حد الجلد جلته حد الفرية وهذا الأثر اخرجه ابن أبي عاصم في السنة وهكذا أيضا عبد الله من الإمام أحمد في السنة وهذا فيه رد على الروافض الذين يقدمون علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر يفضلونه عليهم بل ويجعلونه أولى بالخلافة يجعلون علي أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر بل أعظم من هذا أنهم يكفرون أبا بكر وعمر يكفرون أبا بكر وعمر وعمر وأشار كذلك بعد ذلك إلى معتقد أهل السنة والجماعة في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام كعلي والحسن والحسين وفاطمة وغيرهم أنهم يحبون أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بهم أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فأهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله ويترضون عنهم وعن جميع الصحابة فهم يحبون الصحابة كلهم يحبون العشر المبشرين بالجنة ويحبون أهل بيعة الرضوان ويحبون المهاجرين ويحبون الأنصار ويحبون من أسلم قبل الفتح ومن أسلم بعد الفتح فجميع الصحابة أهل السنة والجماعة يحبونهم ويترضون عنهم لما لهم من الفضائل العظيمة وسبقة الإسلام وشرى في الصحبة صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام والله جل وعلا يقول لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعليما ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا هذه شهادة من الله عز وجل لهم بالإيمان وبما في قلوبهم من التصديق فرضي الله سبحانه وتعالى عنهم وقال جل وعلا والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي يطول المقام في ذكرها في فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فأراد بذلك ما سمعتم الرد على أهل الباطل في مسألة الصحابة وهم الرافضة الذين طعنوا في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وكفروهم ولم يستثنوا إلا نحو سبعة فقط والبقية عندهم كفار وغلوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وغلوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وهكذا قابلهم في الضلال في هذا الباب الخوارج النواصب الذين طعنوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وأهل السنة وسط بين الطائفتين فهم يحبون الصحابة جميعا ويترضون عنهم ولا يسبون أحدا منهم ولا يتنقصون أحدا منهم ولا يغلون في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام نعم قال رحمه الله ولا نقطع لأحد بجنة ولا نار إلا من قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخلد أحد في النار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة لأهل الكبائر من أمتي نعم أهل السنة والجماعة لا يجزمون لأحد بجنة ولا نار ولو كان هذا الإنسان مستقيما تقيا طائعا لله ما يقولون فلان من أهل الجنة ما يقولون فلان من أهل الجنة ما يجزمون له بالجنة وهكذا أيضا من كان مسيئا مخطئا عاصيا فاسقا ما يقولون فلان هذا العاصي من أهل النار وإنما يرجون للمحسن ويخافون على المسيئ هذا التقي نرجو له الجنة وهذا العاصي نخاف عليه من النار ولا يجزمون لأحد بجنة ولا نار إلا من جزم له القرآن والسنة من أخبر الله عز وجل أنه في النار حكمنا عليه بالنار كأبي لهب وفرعون وقارون وهامان وغيرهم من الكفار أو كذلك من أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام كعمر من لحي وغيره من الكفرة وهكذا أيضا لا نجزم لأحد بالجنة إلا من جزم له القرآن والسنة كالعشرة المبشرين بالجنة نجزم أنهم في الجنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك وكبلال وكخديجة وكذلك غير من الصحابة ممن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ثم بيّن معتقد أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر من أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يرتكبوا شيئا من كبائر الذنوب كالزنا أو شرب الخامر أو قتل النفس أو أكل الريبا أو غير ذلك من الكبائر أنهم إن دخلوا النار لم يخلدوا فيها لأن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له والله جل وعلا يقول إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك أي ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي ويغفر ما دون ذلك لمن شاء لمن شاء الله أن يغفر له إذن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. لكن سيدخل جماعة سيدخل جماعة من أهل الكبائر النار ولابد سيدخل جماعة من أهل الكبائر النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ولكنهم لا يخلدون فيها يعذبون حتى يحترقون ثم يخرجون من النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ويوخذ بهم إلى نهر من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل كما في أحاديث الشفاعة ولا يخلد في النار إلا الكافر إلا الكافر كفرا أكبر وأراد ومما يدعي على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام شفاعة لأهل الكبائر من أمتي هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في التاريخ من حديث أنس وقد حسنه صحو العلام الألباني رحمه الله وكذلك شيخنا الوادعي رحمه الله وهذا الحديث فيه دلالة واضحة في خروج أهل الكبائر من النار وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي هذا معتقد أهل السنة والجماعة خلافا لأهل الضلال في هذا الباب وهم المعتزلة والخوارج المعتزلة والخوارج حكموا على صاحب الكبيرة في الخلود في النار قالوا يخلد في النار لا يخرج منها أبدا الآباد لا يخرج منها أبدا هذا قول الخوارج والمعتزلة واختلفوا في حكمه في الدنيا فقال الخوارج هو كافر حلال الدم والمال قالوا هو كافر حلال الدم والمال وتوقف المعتزلة في الحكم على صاحب الكبيرة بالكفر وقالوا هو في منزل بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر لا هو مؤمن ولا هو كافر وتوقفوا كذلك في الحكم على دمه وماله نعم قال رحمه الله وأن الإيمان قول باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان نعم هذه أيضا مسألة الإيمان فمعتقد أهل السنة والجماعة في باب الإيمان أنهم يؤمنون بأن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان أي بالقلب وعمل بالجوارح والأركان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان هذا معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح فلا يكفي في الإيمان نطق اللسان فقط دون اعتقاد القلب دون اعتقاد القلب خلافا لمن ظل في هذا الباب ممن قالوا بأن الإيمان يكفي بنطق اللسان دون اعتقاد القلب وظنهم الكرامية وعلى قولهم هذا فالمنافقون مؤمنون لأنهم يشهدون أن لا إلهنا الله وأن محمد رسول الله بألسنتهم وهم يكفرون بها بقلوبهم وهذا باطل أو كذلك أيضا لا يكفي اعتقاد القلب دون نطق اللسان اعتقاد القلب دون لطق اللسان هو المعرفة كقول الجهمية الذين هم أجهل الناس بالله سبحانه وتعالى قالوا يكفي في الإيمان المعرفة إذا عرفت الله فأنت مؤمن لا يحتاج أن تتلفظ ولا أن تعتقد ولا أن تعمل وعلى قولهم هذا فإبليس مؤمن لأنه عرف ربه قال ربي أنظرني لهم يبعثون أيضا فرعون عندهم مؤمن قال آمنت بالذي آمنت به بني إسرائيل وأنا من المسلمين وهذا أيضا لا شك أنه قول باطل وهكذا أيضا من قال بلسانه واعتقد بقلبه وأخرج الأعمال عن مسمى الإيمان كالمرجئة قد ظل في هذا الباب فالمرجئة قالوا الإيمان قول واعتقاد ولا يلزم العمل ليس العمل من الإيمان ليس العمل من الإيمان وجعلوا إيمان العاصي الفاجر الفاسخ كإيمان أتقى المؤمنين كأبي بكر عمر لماذا قالوا العمل ليس شرط ليس شرطا في الإيمان ولا لازما في الإيمان يكفي أن تقول وتعتقد ولا شك أن قولهم باطل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان جعل إماطة الأذى من الطريق من الإيمان وهذا عمل والحياء كذلك عمل وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان فدل الحديث أن العمل داخل في مسمى الإيمان والله عز وجل يقول وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم عند بيت المقدس لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة قال الصحابة كيف بمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس فنزل قول الله عز وجل وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم فسمى الصلاة إيمانا والصلاة فعل وكذلك أيضا أن الإيمان يزيد وينقص الإيمان يزيد بالطاعة كما أنه ينقص بالمعصية كما في قوله عليه الصلاة والسلام مرأ منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان إذا الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف المؤمن القوي خير وحب لله من المؤمن الضعيف إذا ليس الإيمان بمنزل مرتبة واحدة وهكذا الآيات في كتاب الله جل وعلا أدال على زيادة الإيمان ويزداد الذين آمنوا إيمانا وكل آية أو دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه وليس الإيمان درجة واحدة ومن قال بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ظل في هذا الباب كالخوارج والمعتزلة ولهذا كفروا صاحب الكبيرة لأن الإيمان عندهم شيء واحد إذا وقع في ذنب كبيرة إذن خلاص زال الإيمان وحكموا عليه بالكفر وحكموا عليه بالكفر وهذا أيضا من أسباب ضلالهم في هذا الباب في باب صاحب الكبيرة لأنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا لا يزيد ولا ينقص نعم قال رحمه الله ونؤمن بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر ونعيمه ومساءلة منكر ونكير وإجابتهما نعم أهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق في إثبات عذاب القبر ونعيمه وأن العبد في قبره إما في عذاب وإما في نعيم والأدلة في ذلك كثيرة في السنة ومن حديث البراء المشهور في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بما يكون عليه حال المؤمن في قبره وحال الكافر وكيف أن الملكين فيسألان العبد في قبره من ربك وما دينك ومن نبيك فالمؤمن يثبته الله فيجيب فيوسع له في قبره ويفرش له من الجنة ويفتح له باب إلى الجنة وينعم في قبره وأما الكافر أو الفاجر فلا يثبته الله على الجواب ويأتيه من عذاب الله فيضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا فيضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويفرش له من النار ويلبس من النار فيبقى معذبا حتى يبعثه الله سبحانه وتعالى فأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كله وقد دل على ذلك أيضا القرآن في قول الله عز وجل النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وأدلة السنة كما قلنا كثيرة وذكر الأدلة في ذلك يطول به المقام فيكفي هذه الإشارة وأراد بهذا الرد على من أنكر عذاب القبر ونعيمه كالمعتزلة المعتزلة أنكروا وقالوا ليس في القبر عذاب ولا نعيم وأنكروا الأحاديث الوالدة في هذا الباب بقولهم أن أحاديث أحد وأحاديث الأحد عندهم لا تثبت بها العقيدة وقول لهم باطل وقول لهم باطل والحديث إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام ثبتت به الأحكام سوى كانت عقدية أو فقهية والتفريق بين الأحكام الفقهية والأحكام العقدية في أحاديث الأحد بدعة معتزلية بدعة معتزلية فهي مردودة وأيضا الرد على الفلاسفة الذين ينكرون كذلك عذاب القبر ونعيمه وغلات الباطنية وغلات الرافضة وكذلك التناسخية الذين يقولون بتناسخ الأرواح وينكرون عذاب القبر ونعيمه وكل هؤلاء وغيرهم ظلوا في هذا الباب قال رحمه الله وأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان شاهدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وقد علم الله سبحانه وتعالى من يدخل كل واحدة منهما وأن الصراط ينصب على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف يعبر عليه الناس متفاوتين على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف وكالريح العاصف وكأجاويد الخيل وشدا على أقدامهم ومنهم من يزحف زحفا والملائكة يقولون ربي سلم ربي سلم والزالون والزالات يومئذ كثير والحوض المكرم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه آنية بعدد نجوم السماء يثعب فيه ميزابان من الجنة ماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه شربة لا يضمأ بعدها أبدا وليذادن عنه رجال كما تذاد الإبل الغريبة عن الحوض بهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال فأقول يا ربي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول سحقا لمن بدل بعدي وأن الشفاعة له وللأنبياء وللملائكة وللمؤمنين حتى لا يبقى أحد في النار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن في قلبه مثقال ذرة من خير وأن الله تعالى يرى في الدار الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ويحجب عنه المجرمون وقال تعالى في حق المؤمنين وجوه يومئذ ناظرة أي حسنة إلى ربها ناظرة أي مبصرة ذكر رحمه الله في هذا الموضع بعض مباحث العقيدة ومنها مسألة الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان وقد شاهدهما النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كما جاء في الصيحة من حديث أنس رضي الله تعالى عنه والله جل وعلا يقول في الجنة أعدت للمتقين وقال مخاطبا آدم عليه السلام يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة إذن الجنة موجودة مخلوقة وقال في النار أعدت للكافرين والإعداد يكون قبل الدخول إذن فالجنة والنار موجودتان ومخلوقتان والأدلة في ذلك كثيرة وأراد بهذا الرج على الجهمية فالجهم نصفوان ينكر وجود الجنة والنار وهكذا الفلاسفة أيضا ينكرون وجود الجنة والنار وكذلك أيضا المعتزلة ينكرون خلقهما الآن يقولون إنما يخلقهم الله يوم القيامة أما الآن فهما غير موجودتين يقولون الجنة والنار الآن غير موجودتين وإنما يخلقهم الله يوم القيامة وهذا أيضا من بدع المعتزلة ومعتقد أهل السنة والجماعة كما ذكر أنهما مخلوقتان موجودتان وقد علم الله جل وعلا من يدخل الجنة ومن يدخل النار من يدخل الجنة ومن يدخل النار قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديث ومن أحاديث المعراج لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بآدم وعن يمينه أبيضة وعن يساره أسودة فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا رأى نظر إلى يساره بكى فسأله عن ذلك قال هؤلاء الذين عن يميني أهل الجنة وهؤلاء الذين عن يسار أهل النار الحديث وكذلك أيضا أحاديث أخرى ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام وأيضا حيث عمام بن حسين كذلك في قول عليه الصلاة والسلام حين قيل له يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قيل ففيما العمل إذا لماذا نعمل إذا كان قد علم من يدخل الجنة ومن يدخل النار قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له كل ميسر لما خلق له والحديث صحيح لما مسلم وفي حديث الآخر من كان من أهل الجنة يسر لعمل أهل الجنة ومن كان من أهل النار يسر لعمل أهل النار ثم قرأ قول الله عز وجل فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ثم ذكر مسألة الصراط الذي ينصب على متن جهنم فلا يجاوزه أحد إلى الجنة إلا بالمرور على هذا الصراط وأنه أدق من الشعر وأحده من السيف كما جاء في حيثب سعيد رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم من قوله قال بلغني أنه أحده من الشعر وأدقه من الشعر وأحده من السيف وأن الناس يعبرون على هذا الصراط على قدر أعمالهم منهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح العاصفة الشديدة ومنهم من يمر كأجاويد الخيل الخيل السريعة التي جودت للسرعة ومنهم من يجري جريا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبو حبوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فمسلم ناج ومكردس في النار منهم من يسلم لأن على هذا الصراط كلاليب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كشوك السعدان تأخذ بمن أمرت به وتلقيه في النار فمسلم ناج أو مخدوش ناجي يعني تخدوش هذه الكلاليب ويسلم وينجو ومكردس في النار أي يلقى في النار فلا يسلم ولا يصل إلى الجنة كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين في اخبار النبي عليه الصلاة والسلام بذلك وقوله الزالون والزلات يومئذ كثير يعني ممن تأخذوا ماذي الكلاليب فتسقطهم في النار نسأل الله جل وعلا أن يسلمنا وإياكم ويعافينا ثم ذكر مسألة الحوض وأن النبي عليه الصلاة والسلام له حوض يوم القيام والحوض مجمع الماء الحوض مجمع الماء فالنبي صلى الله عليه وسلم له حوض يجمع في الماء له ميزابان من الجنة يصبان في هذا الحوض يشرب منه أهل الإيمان من شرب منه شربة لم يضمأ بعدها أبدا كما أخبر عليه الصلاة والسلام وتواترت الأحاديث في ذكر صفة هذا الحوض وأن طوله الشهر وعرضه الشهر أي مسيرة شهر وأن ماءه أبيض من اللبن وريحه أطيام من المسك وكيزانه أي كؤوسه كنجوم السماء من شرب منها شربة لم يضمأ بعدها أبدا والحديث في الصيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وأراد بهذا الرد على من أنكر ذلك المعتزلة وأنه يُذَاد عن الحوض جماعة أناس كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أو يخبر لما يُذَاد أناس عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيقول النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول عليه الصلاة والسلام سحقا سحقا لمن بدل بعدي وفي رواية سحقا سحقا لمن غير وبدل وهؤلاء الذين يُذَادون منهم المُرْتَدُون من كفر وارتد من هذه الأمة ومنهم أهل البدع والأهواء أهل البدع والأهواء ثم ذكر مسألة الشفاعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعة وللأنبياء والملائكة والمؤمنين هذه الشفاعة العامة وهي الشفاعة لأهل الكبائر والمعاصي في الخروج من النار يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ويشفع الأنبياء وتشفع الملائكة ويشفع الصالحون حتى لا يبقى أحد في النار من أمة النبي عليه الصلاة والسلام في قلبه مثقال ذرة من خير مثقال ذرة من كان في قلبه مثقال ذرة من خير سيخرج من النار ولا يبقى في النار إلا من حبسه القرآن الكفار إلا الكافر هذه الشفاعة العامة هناك شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم كشفاعته في أرض المحشر وهي شفاعة العظمى والمقام المحمود حين يتبرأ الأنبياء فيقول كل منهم نفسي نفسي نفسي فيشفع النبي عليه الصلاة والسلام هذه شفاعة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام أيضا شفاعته لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب هذه شفاعة خاصة أن يخفف عنه العذاب بدلا من أن يكون في قعر جهنم فيكون في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه قال له العباس ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك وينصرك فقال عليه الصلاة والسلام هو في ضحضاح في النار من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار هذه شفاعة خاصة كذلك بالنبي عليه الصلاة والسلام وهذه الشفاعة العامة الشفاعة العمى يثبتها أهل الباطل كالمعتزلة والخوارج وإنما أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر لأنهم يعتقدون أن صاحب الكبيرة كافر وأنه مخلد في النار الخوارج والمعتزلة كما مر معنا يعتقدون بأن صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم فلهذا أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر اعتمادا على هذا المعتقد ثم ذكر إثبات رؤية الله جل وعلا في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله جل وعلا رؤية حقيقية بأبصارهم رؤية حقيقية بأبصارهم والله جل وعلا يقول وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة ناظرة أي من نظرة النعيم فيها الحسن والبهاء والجمال إلى ربها ناظرة أي بأعينهم لأن النظر إذا عدي بإلى فيراد به النظر الحقيقي نظر البصر فهذا مما يتنعم به أهل الجنة النظر إلى ربهم سبحانه وتعالى جعلنا الله وإياكم منهم وكذلك لما أخبر الله عز وجل أنه يحجب عن الكافرين دل ذلك أن المؤمنين رونه في قوله عز وجل كلا إنهم عن ربهم يومئذ إلا محجوبون فلما حجب عنهم رؤيته دل ذلك أن المؤمنين يرونه أن المؤمنين يرونه وصل لل الإمام الشافي رحمه الله بهذه الآية على إثبات الرؤية وهكذا أيضا حديث جرير ابن عبد الله البجري في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام إنكم سترون ربكم في رواية عيانا يعني بعينكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته أي لا تزدحمون في رؤيته كما أنكم ترون القمر في الدنيا من غير ازدحام كل واحد يرى في محله كذلك أهل الإيمان سيرون الله عز وجل كما يرون القمر هنا تشبيه تشبيه الرؤية بالروية تشبيه الرؤية بالروية تشبيه رؤية الله برؤية القمر لا تشبيه الله بالقمر لا تشبيه المرء بالمرء فالله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فهذا الحديث فيه دلالة واضحة بين على إثبات رؤية الله جل وعلى يوم القيامة ولهذا لا ينكر هذا الحديث إلا جهمي لا ينكر هذا الحديث إلا جهمي قال الإمام وكيع رحمه الله حديث قيس من أبي حازم أو إسماعيل من أبي خالد عن قيس من أبي حازم عن جرير من عبد الله البجلي في الرؤية لا ينكره إلا جهمي لأن الجهمية ينكرون رؤية الله سبحانه وتعالى وأهل السنة والجماعة يثبتونها وأهل الإيمان يرون الله عز وجل في موضعين في عرصات يوم القيامة ويرونه بعد دخول الجنة ويرونه بعد دخول الجنة وهو من أعظم النعيم الذي ينعم به أهل الجنة أنهم ينعمون برؤية الله سبحانه وتعالى جعل الله إياكم منهم وهنا انتهى ما يتعلق بذكر معتقد أهل السنة والجماعة ثم ذكر بعد ذلك الجزء الثاني من هذه الفتية فيما يتعلق بأمر الغناء والرقص والاختلاط بالنساء نكمل الفصل الثاني إن شاء الله بعد الصلاة بإذن الله إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد أهلي وصحبه أجمعين قال رحمه الله وأما الغناء فحرام قال الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قال ابن عباس رضي الله عنه لهو الحديث هو الغناء وقال تعالى والذين لا يشهدون الزور قال ابن عباس الزور هو الغناء وقال تعالى أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون أي مغنون قال سمد فلان إذا غنى بلغة أهل اليمن يقولون أسمد لنا أي غني لنا وقال تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهو ينفضوا إليها قيل اللهو الغناء وقيل اللهو الطبل وكان ذلك لما قدم الزبير بن العوام بتجارته وكان يضرب لها الطبل إذا قدم فانفض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يوم الجمعة ولم يبقى معه إلا اثنان فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما رفع أحد صوته بالغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يضربان بأعقابهما صدره حتى يسكت وقال إلى أن يسكت وقال عليه السلام الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وقال عليه السلام لما بكى على ابنه إبراهيم حين توفي فقيل له أتبكي وقد نهيت عن البكاء فقال عليه السلام إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة عند نغمة صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ورنة شيطان وإنما هذا رحمه ومن لا يرحم لا يرحم وقال عليه السلام ليس منا من غنى ولا غني له وقال ابن عمر رضي الله عنه وقد رأى قوما محرمين ومعهم رجل يغني لهم فقال ألا لا يسمع الله لكم ألا لا يسمع الله لكم ألا لا يسمع الله لكم وقال الشعبي رحمه الله لعن الله المغنية والمغنى له وقال الفضيل بن عياض الغناء رقية الزنى وسئل الشافعي رحمه الله عن الغناء من غير آلة ولا تطريب فقال هو من المكروه الذي يشبه الباطل ومن أنكر قولي هذا فالدليل على فساد ما اعتقد قوله تعالى فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون وقوله تعالى وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا وقوله تعالى ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وقوله تعالى وقول الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وقال المحاسبي في كتاب الحوادث والبدع رواه أبو بكر الطرتوشي الغناء حرام كالميته وروى أبو برزة الأسلمي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلين يغنيان فقال من هما فقال هما فلان وفلان فقال اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ودعهما في النار دعا وقال الغزاري في كتاب إحياء علوم الدين وقد حكى أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء الفاظا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمها ذكر الإمام أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي بن محمد الطائي في كتابه الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين ذكر في الحديث الخامس عشر بإسناده أنه قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغدات موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم فإنه سيرى اختلافا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنتي الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ثم ذكر جملة من فوائد الحديث فمنها أنه قال ومنها أن عرباضا قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ولم يقل صرخنا من موعظة ولا زعقنا ولا طرقنا على رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا زفنا ولا رقصنا كما يفعلوا في زماننا هذا كثير من الجهال فإن ذلك من الشيطان بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لأمته وأنصح وأمته أرق الخلق قلوبا فلو كان ذلك حقا جائزا صحيحا مشروعا لكانوا أحق بذلك أن يفعلوه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه منكر وباطل وفي الحديث دلالة على معجزة النبي دلالة على معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معرفته بما يكون بعده من الاختلاف في أمته وفيه دلالة كاملة للخلفاء الأربعة حيث شهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مهديون راشدون ذكر رحمه الله في هذا الموضع ما يتعلق بالغناء وأنه محرم وذكر جملة من الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف في تحريم الغناء والمراد بالغناء المحرم الغناء الذي يهيج الطبع ويثير الشهوات كالذي يشتمل على وصف النساء أو وصف الخمور أو كذلك ما يدعو إلى الزنا أو ما يكون فيه كذلك الغزل بالنساء وذكر محاسنهن إلى آخر ذلك مما يشتمل على ذلك من الفسق والفجور وكذلك ثارت الشهوات فإن هذا محرم وإن خلا من آلات الله وإن خلا من آلات الله فهذا النوع من الغناء محرم وأما الغناء المباح الغناء المباح مجتمل على الكلمات المباحة التي ليس فيها شيء من إثارة الشهوات وكذلك دعوة إلى الفجور والخناء مثل ما يؤتغنى به لرفع الهمم وشحذها عند العمل أو القيام بأمر من الأمور فهذا من الغناء المباح مثل مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام عند حفر الخندق اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة كانوا تغنون بهذه الأبيات وهكذا أيضا غناء النساء في الأعراس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كنا الجواري يقولنا أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ونحو ذلك أن هذا الكلام المباح هذا جائز وأما إن اجتمل الغناء على آلات الله والطرب فهو محرم باتفاق العلماء فهو محرم باتفاق العلماء ولو اجتمل على الكلمات الطيبة ولو اجتمل على الكلمات المباحة فإنه كذلك يكون محرما لاجتماله على آلات له والطرب وقد اتفق العلماء على ذلك قال الإمام البغوي الشافعي رحمه الله واتفقوا على تحريم المزامير والملاهي والمعازف كما في كتاب شرح السنة وهكذا حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم كالإمام القرطبي والإمام النووي والإمام النووي ومن قدامة والإمام من تيمية ومن رجب وغير واحد من أهل العلم نقلوا إجماع العلماء على تحريم الغناء الذي يشتمل على آلات الله والطرب كالمزامير والناي والطبل وغيرها من آلات الله والطرب ثم ذكر رحمه الله كما قلنا جملة من أدلة الدال على تحريم الغناء ومنها قول الله عز وجل ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله صح عن جماعة من الصحابة كابن عباس وابن مسعود أنهما فسر لهو الحديث بالغناء أنهما فسر لهو الحديث بالغناء وكان من مسعود رضي الله عنه يحلف ويقول والله هو الغناء وهكذا قول الله عز وجل والذين لا يشهدون الزور في مدحه جل وعلا لعباد الرحمن قال ابن عباس الزور هو الغناء هكذا ذكر المصنف والمشهور أن هذا الأثر من قول مجاهد من قول مجاهد أنه قال الزور هو الغناء ومجاهد من تلاميذ ابن عباس من تلاميذ ابن عباس فلعله سمع ابن عباس يذكر ذلك وهذا من التفسير ببعض المعنى فالزور يشمل كل باطل كل باطل ومنه الغناء وهكذا أيضا في قول الله عز وجل فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون قال أي مغنون جاء هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند عبد الرزاق في تفسيره وعند غيره والسند إليه صحيح والسمد هو الغناء بلغة أهل اليمن يقال أسمد لنا أي غني لنا وهكذا أيضا في قول الله عز وجل وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها قيل له الغناء وقيل الطبل ثم ذكر أن الزبير من العوام لما قدم بتجارته وكان يضرب لها الطبل إذا قدم انفض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يوم الجمعة ولم يبقى معه إلا ثنان فأنزل الله هذه الآية وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما هذا الحديث أصله في الصيحين من حديث جابر رضي الله تعالى عنه وليس فيه ذكر الطبل ليس فيه ذكر الطبل فالحديث صحيح من غير ذكر الطبل وأهل السنة والجماعة أهل إنصاف أهل إنصاف فالحديث وإن كان يوافق قولهم ومعتقدهم وهو ضعيف لا يستدلون به بل يبينون ضعفه يبينون ضعفه ويردونه لأنهم أهل حق وليس أهل هواء بخلاف أهل الأهواء يتشبثون بكل ما يوافق عقيدتهم ومعتقدهم ولو كان باطلا ولو كان حديثا موضوعا فإنهم يستدلون به لأنهم أهل هواء وما سميوا بأهل الأهواء إلا لأنهم يتبعون الهواء ولكن أهل السنة أهل حق وأهل إنصاف فهم لا يستدلون إلا بما صح إلا بما صح وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام ما رفى أحد صوته بالغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يضربان بأعقابهما صدره حتى يسكت وقال إلى أن يسكت نظر هذا وعيد يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن ما رفع أحد صوته بالغناء هو يغني ويرفع صوته إلا بعث الله إليه شيطانين يضربان بأعقابهما صدره حتى يسكت أو قال إلى أن يسكت والحديث ذكره من أبي الدنيا في ذنب الملاهي والطبراني في الكبير والبغوي في تفسيره وكذلك الإمام أحمد مختصرا في مسنده من حديث أبي أمامة وصححه وصححه العلام الألباني رحمه الله في الصحيحة وقوله قال عليه السلام الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقلى هذا الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود في سننه وغيرهم لكنه لا يصح مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد ضعفه الإمام القيم رحمه الله في إغاثة الله والعلام الألباني في السلسلة الضعيفة لكن صح موقوفا من قول ابن مسعود صح موقوفا من قول ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقلى يعني أنه ما يؤثر أثرا عظيما في وقوع النفاق في القلب وسرعة ذلك كسرعة إنبات الماء البقلى في الأرض وهذا أيضا إشارة إلى تحريمه وبيان أضراره ومفاسده ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ورنة شيطان وهذا الحديث رواه عبد بن حميد في مسنده والترمذي في سننه والبيهقي في الكبرى وفي الشعب من حديث جابر وصحاه العلامة الألباني رحمه الله نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صوتين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان أي صوت الغناء مع آلات الله والطرب هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام والصوت عند المصيبة عند موت الميت فيصيح الصائح ويرفع صوته ويندب الميت ويذكر محاسنه فيلطم خده ويشق جيبه إلى آخر ذلك من الأفعال والأقوال التي تدل على عدم الصبر هذان الصوتان نهى عنهما النبي عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام ليس منا من غنى ولا غني له هذا يقول المحقق لم يقف عليه وكذلك أيضا بحثت عنه فلم أقف عليه ولعله من قوله بعض السلف والله أعلم وقال ابن عمر وقد رأى قوما محرمين ومعهم رجل يغني لهم في الطريق وهم في ذهابهم إلى بيت الله الحرام فقال ألا لا يسمع الله لكم ألا لا يسمع الله لكم ألا لا يسمع الله لكم رواه من أبي الدنيا في ذنب الملاهي والبيهق في الكبرى أي منكرا عليهم أنكر عليهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ولو كان الغناء مباحا لما أنكر عليهم لما أنكر عليهم قال وقال الشعبي رحمه الله والإمام عامر مشرحيل لعن الله المغنية والمغنى له لعن الله المغنية والمغنى له لأن الغناء من كبائر الذنوب فاعله يستحق اللعن فاعله يستحق اللعن وقال الفضيل بن عياض الغناء رقية الزنا الغناء رقية الزنا يعني داعية إلى الزنا مما يهيج النفوس ويثير الشهوات ويدعو صاحبه إلى الوقوع في الفاحشة والزنا عياذا بالله فهو رقية الزنا وسئل الإمام الشافع رحمه الله عن الغناء من غير آلة ولا تطريب غناء بالصوت لكن مما يثير الشهوات قال هو من المكروه الذي يشبه الباطل ذكر هذا في كتابه الأم وقوله من المكروه ليس من معناء المكروه الذي الذي استعمله أهل الأصول الذي هو ما يكون تركه أولى ولا يصل لحد التحريم بل يريد بالمكروه المحرم لأن لفظ الكراهة يطلق في الشرع بمعنى التحريم بمعنى التحريم ومنه قول الله عز وجل لما ذكر جملة من المحرمات في سورة الإسراء قال في آخرة كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروه ما معنى مكروه يعني يجوز مع خلاف خلاف الأفضل الزنا وأكل ما ذكر الله من المحرمات قتل النفس إلى آخر ذلك لا مكروه يعني محرما مكروها بمعنى محرما إذن قوله هو من المكروه الذي يشبه الباطل يكون مراده من المحرم الذي ماذا يشبه الباطل والباطل محرم ثم ذكر رحمه الله قول المحاسب في كتابه الحوادث والبدع رواه بكر الطرطوشي الغناء حرام كالميتة هذا الكلام كلام المحاسب ليس في كتاب الحوادث والبدع وإنما في كتاب في كتابه رسالة المسترشدين رسالة المسترشدين وليس للمحاسب كتاب بهذا العنوان الحوادث والبدع ولعله هناك سقطا في هذا الموضع لكن قوله الشاهد قوله هنا قال أبو بكر الطرطوشي الغناء حرام كالميتة كما أن الميتة محرمة فكذلك الغناء محرم وذكر عن أبي برزة الأسلم قال كنا مع رسول الله فسمع رجلين يغنيان فقال من هما قال فلان فلان قال اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ودعهما في النار دعا يعني اقذف بهما في النار قذفا وهذا الحديث رواه من أبي شيبة في مصنفه والبزار في مسنده وهو حديث منكر لا يصح بل ذكره من الجوزي في الموضوعات وكذلك العلام الألباني رحمه الله ضعفه في السلسلة الضعيفة. وذكر بعد ذلك عن الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين، وهذا الكتاب فيه يعني كثير من الأخطاء، حتى سماه بعض أهل العلم إماتة علوم الدين. وقد تأثر الغزالي بكتب الفلاسفة تأثراً بها كثيراً، حتى قال تلميذه الإمام أبو بكر بن العربي: «ابتلع شيخنا الغزالي كتب الفلاسفة فأراد أن يتقيأها فما استطاع، أراد أن يتقيأها فما استطاع»، يعني تأثر بها تأثراً شديداً. لكن ذكر هنا في هذا الكتاب، وقد حكى أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظاً يستدل بها على أنهم رأوا تحريمها، يعني الغناء. نقل عن أبي الطيب رحمه الله أنه نقل عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظاً تدل على تحريمهم للغناء. وذكر بعد ذلك عن الإمام أبي الفتح محمد بن محمد بن علي الطائي في كتاب الأربعين في إرشاد السائرين لمنازل المتقين، لما ذكر حديث العرباض بن سارية في موعظة النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة، ذكر من فوائد هذا الحديث أن العرباض قال: «وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب»، يعني أثرت في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم فذرفت عيونهم وخافت قلوبهم. قال: «ولم يقل صرخنا من موعظة ولا زعقنا»، يعني صرخنا، «ولا طرقنا على رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا زفنا ولا رقصنا». الزف معناه الرقص، هذا عندنا مستعمل يعني في العرف، نقول الزفنة أو زفنة العروس، يعني رقصة العروس، أو تزفن يعني ترقص. قال: «كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال، فإن ذلك من الشيطان». أراد الإنكار على هؤلاء الذين يفعلون مثل ذلك، ومنهم متصوفة الذين يرقصون ويزفنون في مجالسهم الذين يتعبدون الله جل وعلا فيها حال الوعظ أو الذكر، وقاموا ورقصوا، وهذا يصيح من هنا وذاك يرقص، يعني يسقط في الأرض ويتقلب، وذاك يقوم يتحرك، وذاك يحرك رأسه يميناً وشمالاً، وقالوا: «سكرنا بحب الإله، وما أسكر القوم ما إلا القصع». كما قال ابن قيم رحمه الله: «هل فعل هذا الصحابة أبداً؟ سمعوا الموعظة فخافت قلوبهم وذرفت أعينهم، ما قالوا ققصنا وزفنا وتحركنا واسترعنا، أبداً ما ذكر شيء من ذلك». لنعلم أن هذه الأمور من الأمور المحدثة في دين الله سبحانه وتعالى، وأنها من تزيين الشيطان لهؤلاء أن يفعلوا مثل ذلك، ولا يعني نصح النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يفعلوا مثل ذلك أبداً، بل هذا من المنكر العظيم. نعم، نعم، كما يفعل في الختاميات، يأتون بالطبول وبعضهم مزامير، ويطبلون ويزمرون في بيوت الله، ويأتون بالمصابيح بعد ذلك، ويقومون يتحركون يميناً وشمالاً، هذا يجعلونه ديناً يتقربون به إلى الله، ودين الله جل وعلا بريء من ذلك، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وشريعته بريئة من ذلك. نعم. قال رحمه الله: «وأما الشبابة فحرام، وهي من الزمر، والزمر حرام. وكان نافع مع ابن عمر، فسمع زمارة راع، فجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يقول: يا نافع أنت تسمع؟ فأقول: لا. فأخرج إصبعيه من أذنيه، ورجع إلى الطريق، فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقال عليه السلام: «ينادي منادٍ يوم القيامة من قبل الله تعالى: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم عن اللهو والباطل في الدنيا؟ أسمعوهم حمدي ودعائي، وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون». يقول رحمه الله: هنا يذكر حكم آلة من آلات اللهو، وهي الشبابة، والشبابة هي مزمار من القصب، من الآلات التي ينفخ فيها، ويقال لها أيضاً اليراعة، تسمى اليراعة. يقول: الشبابة حرام، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن جماهير العلماء تحريمهم لهذه الشبابة المزمار، نقل عن أئمة الأربعة تحريمهم لها، بل قال: «لم يبح أحد من العلماء لا للرجال ولا للنساء، لا في العرس ولا في غيره». وهكذا أيضاً الإمام زكريا الأنصاري الشافعي رحمه الله قال: «والعجب كل العجب ممن هو من أهل العلم ويزعم أن الشبابة حلال، ويحكيه وجهاً في مذهب الشافعي، ولا أصل له، وقد علم أن الشافعي وأصحابه قالوا بحرمة سائر أنواع المزامير، والشبابة منها، بل هي أحق من غيرها بالتحريم». وقد قال القرطبي: «إنها من أعلى المزامير، وكل ما لأجله حرمة المزامير موجود فيها وزيادة، فتكون أولى بالتحريم». فالعجب من هؤلاء الذين يزعمون أنهم شافعية ثم يخالفون مذهب الإمام الشافعي في تحريم المزامير، فيزمرون في بيوت الله، فضلاً عن خارجها، في بيوت الله، ويتعبدون الله جل وعلا بذلك، يعني ما جعلوا المزامير من باب اللهو واللعب فقط، حتى جهلوا، جعلوها عبادة يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه من المنكر العظيم. ثم ذكر أثر نافع أنه كان مع ابن عمر، فسمع زمارة راع، سمع ابن عمر راعياً وهو يزمر، فجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يقول: «يا نافع أنت تسمع؟» فأقول: «لا»، يعني يقول: لا ما أسمع، يقول نافع: ابن عمر ما أسمع، فأخرج إصبعيه من أذنيه، ورجع إلى الطريق، فقال: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم» يصنع. وهذا الأثر رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وغيرهم، من حديث ابن عمر، وصححه جمع من العلماء، ومنهم العلامة أحمد شاكر والألباني رحمهم الله. إذن هذا الأثر يدل على حرمة سماع المزامير، فابن عمر لما سمع هذا الراعي وهو يزمر وضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، بل ونقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، إذا سمع من يزمر وضع إصبعيه في أذنيه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على حرمة هذا المزمار وسماع المزامير. فإن قال قائل: كيف ابن عمر نافع يسمع، ابن عمر وضع إصبعيه في أذنيه ولم يأمر نافعاً أن يفعل مثله؟ أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأجوبة، ومن ذلك: أن ابن عمر لم يأمر نافعاً لأن نافعاً لا يلزمه ذلك، ولا ابن عمر حتى يلزمه ذلك، لأن ابن عمر لم يكن مستمعاً لتزمير هذا المزمر، إنما كان ماراً في طريقه، إنما كان ماراً في طريقه فسمع، وليس هو بمستمع، وفرق بين المستمع والسامع، فرق بين المستمع والسامع. المستمع الذي ينصت، الذي يجلس وينصت ويستمع، هذا مشارك لصاحب الذنب والمعصية، الذي يستمع للذنب والمعصية هو يكون مشاركاً للفاعل، يكون مشاركاً للفاعل. بخلاف الذي يسمع، إنسان مار في طريقه سمع من يغني أو سمع غناء في سيارة أو في بيت، هل يأثم؟ لا ما يأثم، لأنه ليس بمستمع وإنما سامع، ما عليه شيء. فلو أنه لم يضع إصبعيه في أذنيه ما كان عليه إثم، فلذا لم يأمر نافعاً بذلك. هذا الأمر، أو الأمر الثاني: أنه لو أمر نافعاً أن يضع إصبعيه في أذنيه، متى يعلم أن صوت المزمار انتهى؟ ما سيدري، وسيبقى يضع إصبعيه ويخرجهما، ما يضع ويخرجهما، وهو ما يدري أن يسمع شيئاً، فجعل نافعاً على حاله حتى يخبره بابتعاده من صوت المزمار، ابتعاده من صوت المزمار. إذا لا يستدل بهذا على إقرار ابن عمر لنافع في سماعه لصوت هذا المزمر، لأنه كما سمعنا لا يلزمه أن يضع إصبعيه في أذنيه، لأنه مجرد سامع وليس بمستمع، وفرق بين الأمرين. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يعني إذا جلستم وسمعتم الباطل واستمعتم له ولم تقوموا فأنتم مشاركون، أنتم مثلهم، وإن لم تفعلوه، لماذا؟ لأن الجالس والمستمع كالفاعل، كالفاعل. بخلاف كما ذكرنا من يكون ماراً وسامعاً، فهذا ليس عليه إثم. ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ينادي منادٍ يوم القيامة من قبل الله تعالى: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم عن اللهو والباطل، عن اللهو والباطل في الدنيا؟ أسمعوهم حمدي ودعائي، وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون». هذا الأثر رواه الآجري في تحريم النرد، وأبو نعيم في الأربعين، من قول ابن المنكدر، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما ذكر المحقق على هذا الأثر، وهو كذلك، وأيضاً هو في مسند أبي الجعد، ولا يصح رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. نعم. قال رحمه الله: «وأما مخالطة النساء الأجانب فحرام». قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلو رجل بامرأة ليست له بمحرم إلا كان الشيطان ثالثهما». وقال عليه السلام: «النظر إلى المرأة الحسناء سهم من سهام إبليس مسموم». وقال عليه السلام في حق الأولاد: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». هذا في حق الأخ مع أخته، فكيف بأحمق جاهل وحمقاء مثله؟ ولما دخل ابن أم مكتوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى، وعنده زوجته أم سلمة وميمونة، فقال: «احتجبا عنه». فقالتا: يا رسول الله، أليس بأعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تنظرانه وتعرفانه؟» وهذا وهما زوجتا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شاهد وحاضر، وابن أم مكتوم صحابي أعمى، وقد أثنى عليه الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾، وهذا عتاب من الله تعالى لنبيه في حقه حين أعرض عنه لما أتاه. وقال الإمام الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ومالك رحمة الله عليهم أجمعين في القضيب: «أن الزنادقة أخرجته ليشغلوا به عن القرآن». وقال الشافعي: «خلفت خلفي بالعراق شيئاً يقال له التغبير، أخرجته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن، وهو القضيب». وما غنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غني له، ولا رقص، ولا رقص له، ولا زمر، ولا زمر له، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، ولا لعثمان، ولا لعلي، ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا تابعيهم، ولا الأئمة الأربعة، ولا الأئمة الأربعة: الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك. ولو كان هذا ديناً ما سبقناهم إليه، ولا كانوا تركوه، بل كانوا فعلوه وحثوا عليه. ذكر رحمه الله هنا حكم مخالطة النساء الأجانب، وأنه محرم أن يختلط الرجال بالنساء الأجانب، أي التي لسن بمحارم، المرأة الأجنبية التي يجوز لك الزواج بها، لا يجوز أن يختلط الرجال بالنساء، لأن ذلك سبب عظيم للفتنة، والله عز وجل يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. وكيف سيكون الغض وهو مختلط بالمرأة، وهو مختلط بالمرأة يراها ويمصرها، وربما يكلمها؟ ولا شك إذا حصل الاختلاط لا يسلم المرء من ذلك، لا الرجل ولا المرأة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»، حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وكذلك جاء بلفظ: «لا يخلو رجل بامرأة ليست له بمحرم إلا كان الشيطان ثالثهما»، رواه عبد الرزاق في مصنفه، وأحمد في مسنده، من حديث عمر، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله. ولا شك أن اختلاط الرجال بالنساء مصيبة عظيمة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الطرق الحكمية: «ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة»، يعني العقوبات التي يعاقب الله جل وعلا بها العباد من الزلازل والفيضانات والعواصف والطواعين إلى آخر ذلك. قال: «كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة». واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. انتهى كلامه رحمه الله. ولا شك أن كلامه كلام صحيح، وكذلك واقع، وموافق لما دلت عليه أدلة الشريعة. ثم ذكر المصنف قول النبي عليه الصلاة والسلام: «النظر إلى المرأة الحسناء»، أو فيما يروى إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «النظر إلى المرأة الحسناء سهم من سهام إبليس مسموم». وهذا الحديث رواه الطبراني من حديث ابن مسعود، وهو ضعيف، وجاء من حديث علي، من حديث حذيفة، أو فيه ما ضعف، فالحديث لا يصح رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أثر هذا القول عن بعض السلف، عن بعض السلف، أن النظر سهم من سهام إبليس، لأنه مما يثير الشهوة، نظرة، ففكرة، فكلام، ففعلة، ثم يحصل بعد ذلك ماذا؟ الزنا والفاحشة، عياذاً بالله. ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند الإمام أحمد وغيره، في قول عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الأولاد بالصلاة في السن السابع، لأنه سن التمييز، فيؤمر بالصلاة حتى يعرف أن هناك عبادة اسمها الصلاة لا بد أن يفعلها، ولا يضرب عليها حتى يبلغ السن العاشر، لأنه قد قارب سن البلوغ، فإذا تركها ضرب تأديباً حتى يعرف أن هذه الصلاة من الأمور المهمة التي ينبغي المحافظة عليها وعدم التهاون فيها. قال: «وفرّقوا بينهم في المضاجع»، يعني في السن العاشر يفرق بين الأولاد، بين الذكر والذكر، وبين الأنثى والأنثى، وبين الأنثى والذكر، يكون هناك بينهم فواصل. لماذا؟ صيانة لهم من الفتنة والشر، صيانة لهم من الفتنة والشر. إذا كان هذا بين المحارم، بين الرجل الأخ وأخته، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نبعد بينهما، فكيف بالرجل والمرأة الأجنبية التي ليست له بمحرم؟ من باب أولى أن يبتعد عنها وأن ينأى عنها. ولهذا قال رحمه الله: هذا في حق الأخ مع أخته، فكيف بأحمق جاهل وحمقاء مثله؟ يعني ما يبتعد بل يقترم منها، وربما يلتصق بها، إيش تنتظر بعد ذلك؟ لما يختلط الرجال بالنساء على مثل هذه الأحوال لا شك يحصل ما لا تحمد عقباه. ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في قوله: «أفعمياوان أنتما؟» هذا الحديث لا يصح، هذا الحديث لا يصح، فهو من طريق نبهان عن أم سلمة، وهو مجهول، نبهان هذا مجهول، فهذا الحديث لا يصح. ثم ذكر عن الإمام الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك رحمهم الله جميعاً في القضيب، قولهم في القضيب، والقضيب هو الغصن المقطوع، الغصن المقطوع كما في المصباح المنير، والقضيب يغبرون به عند إنشاد الشعر، ينشدون الأشعار ثم يضربون بهذا الغصن، يعني بمخدة أو تراب، بمخدة أو تراب، حتى يصدر صوتاً مع الشعر والإنشاد. قال الإمام الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ومالك رحمهم الله في هذا القضيب: «أن الزنادقة أخرجته ليشغلوا به عن القرآن»، حتى يشغلوا به الناس عن القرآن، فيتركون القرآن ويجلسون ينشدون ويضربون بالقضيب، ويتقربون الله بذلك. قال الإمام الشافعي رحمه الله: «خلفت خلفي بالعراق شيئاً يقال له التغبير، أخرجته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن، وهو القضيب». التغبير هو القضيب. إيش التغبير؟ قال الأزهري رحمه الله: «وقد يسمى ما يقرأ بالتطريب من الشعر في ذكر الله تغبيراً». تطريب يعني تلحين، تلحين الأشعار مع ذكر الله، يعني يذكرون الله بالشعر بتلحينه وتطريبه، هذا يسمى تغبيراً. يقول الإمام الأزهري: هذا تغبيراً، كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طربوا فرقصوا وأرهجوا، فسموا مغبرة بهذا المعنى. ثم ذكر قول الشافعي رحمه الله: إذا انظروا، الإمام الشافعي رحمه الله سما هؤلاء الذين يفعلون ذلك، ممن وجدهم في العراق، حكم عليهم بأنهم زنادقة. وهذا بعينه الذي يفعله الصوفية في مجالس الذكر، يصف عن الصوفية، يلحنون الأشعار، ها، وربما ضربوا بالطبول وبالدفوف وزمروا ورقصوا وحركوا، هذا بعينه، والتغبير الذي حكم عليه الشافعي رحمه الله على أصحابه بالزندقة. فالإمام الشافعي رحمه الله بهذا يرد على هؤلاء الشافعية الذين ينتسبون إليه، وأنهم شافعية، ويحكم على هذا الفعل الذي يفعلونه بأنه من الزندقة، فينبغي لأمثال هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم، وأن يتوبوا إلى الله جل وعلا من مثل هذه الأفعال. ثم نبه رحمه الله إلى أن هذا الغناء والرقص والتزمير، ما فعله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا للأئمة الأربعة: للشافعي، ولا أحمد، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا أحد من أئمة الدين، أنهم فعلوا ذلك وتعبدوا الله سبحانه وتعالى بذلك، فهو من الأمور المحدثة التي ليست من دين الله سبحانه وتعالى. نعم. قال رحمه الله: «وأما الرقص فخلاعة، ولا يرضى بها من له مروءة ولا عقل». وقال الحليمي في شعب الإيمان: «ما كان فيه تثن وتكسر حين يباين أخلاق الذكور فهو حرام على الرجال، وهو شر من التصفيق، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء، فلا ينبغي للرجال أن يصفقوا، فأولى ألا يكون لهم الرقص، الذي ما فيه من التخنث أعظم من التصفيق، وفيه علة أخرى تعم الرجال والنساء، وهو أن ذلك باطل وعيب من المرء بجوارحه، وليس ذلك بمملوك لأحد من نفسه لأنه باطل، كما أن لطم الوجوه وضرب الخدود لم يكن مملوكاً لأحد من نفسه لأنه باطل، فالتلذذ بالباطل كالتألم بالباطل». أما التصفيق فحرام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال أهل التفسير: المكاء التصفير، والتصدية التصفيق. وبلغني أن هؤلاء الزنادقة يدخلون المساجد يغنون فيها ويرقصون، وما بنيت المساجد لهذا، إنما بنيت لتلاوة القرآن والصلاة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إنشاد الضالة في المسجد، فقال: «من سمعتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك». إن المساجد لم تبن لهذا. وقال عليه السلام: وسمع رجلاً يقول في المسجد: «مر آلي من رأى لي الجمل الأحمر»، فقال عليه السلام: «أيها الناشد، غيرك الواجد». فإذا كان هذا في إنشاد الضالة وهو مباح، فكيف بالحرام؟ ونهى عن إنشاد الشعر في المسجد، فقال: «فضى الله فاك». وقال عليه السلام: «نزهوا مساجدكم عن صبيانكم ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وبيعكم وشراءكم، وسل سيوفكم». وقال عليه السلام: «إذا رأيتم الرجل يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك». وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ما قال يذكر فيها الغناء ويرقص فيها، ولا يفعل هذا إلا ضال مبتدع، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة والبدع، ونعوذ بالله من الخذلان. ذكر رحمه الله هنا حكم الرقص، هو الرقص كما نعلم هو التحريك، تحريك الخواصر والجوانب والتحرك. فذكر أنه خلاعة، من المجون والخلاعة، التي لا يرضى بها من له مروءة ولا عقل، الذي عنده مروءة وعنده عقل ما يرضى أن يفعل هذا الفعل، أن يقوم ويرقص ويحرك، لا يفعل هذا إلا من لا عقل له ولا مروءة له. ورحم الله الإمام الطرطوشي رحمه الله المالك، حين قال: «مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله». وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار، فقاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. ثم قال: «وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله»، إلى آخر ما ذكر رحمه الله مما نقله الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن. وذكر عن الحليمي رحمه الله في شعب الإيمان أنه قال: «ما كان فيه تثن وتكسر حين يباين أخلاق الذكور فهو حرام على الرجال». تثن يعني عطف الجسم بعضه على بعض، كالتحريك وذهاب الجسم يميناً وشمالاً، والتكسر في الحركات، في هذا يباين ويخالف أخلاق الذكر، الذكر ما يفعل مثل ذلك، يكون عنده الشدة والصلابة والقوة، وإنما التلي والتكسر هذا من صفات النساء، لصفات الرجال. قال: «فهو حرام على الرجال، وهو شر من التصفيق». التصفيق مجرد تحريك، ضرب صفحة اليد باليد، باطل، اليد اليمنى في اليسرى والعكس، هذا التصفيق. وهذا الرقص أشد، أشد من التصفيق. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التصفيق للنساء، كما في حديث سهل بن سعد، لما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى المرات، وتقدم أبو بكر يصلي بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم متأخراً، فجعل الصحابة يصفقون، ينبهون أبا بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم موجود، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: «إنما التصفيق للنساء». قال: «ما لكم أخذتم بالتصفيق؟ إنما التصفيق للنساء». يعني من أفعال وصفات النساء التصفيق، التصفيق من أفعال وصفات النساء. فكيف بالتحريك؟ كيف بالرقص والتمايل؟ هذا من باب أولى. إذا كان التصفيق ما يجوز، التصفيق مجرد تحريك اليدين، هذا من صفات النساء ومن أفعال النساء، كيف بالرقص؟ كيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين يرقصون ويحركون في بيوت الله ويتعبدون الله بذلك؟ فهذا أشد، لا شك، وأولى بالتحريم. قال: «فلا ينبغي للرجال أن يصفقوا، فأولى ألا يكون لهم الرقص، الذي ما فيه من التخنث أعظم من التصفيق». تخنث: تشبه بالنساء. وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. المخنثين من الرجال الذين يتشبهون بالنساء في كلامهم، في حركاتهم. إذن الرقص هذا والتحريك والتمايل هذا من التخنث، هذا من التخنث والتشبه بالنساء. فكيف إذا فعل ذلك على جهة التعبد لله سبحانه وتعالى؟ فهذا أعظم، هذا أعظم. وهكذا أيضاً لطم الخدود وضرب الوجوه، هذا من الباطل، من يفعل ذلك ويتعبد الله سبحانه وتعالى بذلك، فكل هذا من الباطل. وهكذا أيضاً التصفيق، التصفيق محرم، الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال أهل التفسير: المكاء التصفير، والتصدية التصفيق. وهذا مشهور، قال به جماهير أهل التفسير، أن المكاء التصفير، والتصدية التصفيق. والله عز وجل يذمهم على هذا الفعل، أنهم يتعبدون الله بذلك بالتصفير والتصفيق. ثم ذكر رحمه الله أنها أمثال هؤلاء من الزنادقة الذين يدخلون المساجد فيغنون ويرقصون، وما بنيت المساجد لهذا، وما بنيت المساجد لهذا، إنما بنيت لتلاوة القرآن وللصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم مع معويم الحكم في الصلاة، لما علمه قال: «إن هذه الصلاة إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن». ولما بال ذاك الأعرابي في طائفة المسجد، أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من ذلك، من هذا القذر، إنما هي لذكر الله وللصلاة وقراءة القرآن. يعني منيت المساجد لعبادة الله، في ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، يسبح له فيها بالغدو والآصال. فكيف يؤتى ويغنى فيها ويرقص؟ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إنشاد الضالة، إذا ضاع على إنسان شيء، فيقوم يقول: من رأى الجوال الفلاني، أو من رأى شاة الفلانية، ما يجوز أن تقوم وتنشط ظالتك، تخبر بها، ما يجوز. قال نبي صلى الله عليه وسلم: «من سمعتموه ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك، لا ردها الله عليك». وقال: «لا وجدتم، قولوا: لا وجدتم، إن المساجد لم تبن لهذا». ما بنيت لإنشاد الضوال وسؤال الناس عنها، والحديث في صحيح مسلم. وأيضاً قال: «أيها الناشد، غيرك الواجد». جاء بمعناه في مسلم، من حديث مريدة. نهى عن إنشاد الضالة، مع أن هذه إنشاد الضالة مباح، يجوز له، ويمشي الضالة خارج المسجد، ما في مشكلة، خارج المسجد، عند باب المسجد يسأل الناس: من رأى شاة الفلانية، من رأى جوال الفلاني، لكن داخل المسجد لا، ما يجوز. إذن أصل إنشاد الضالة مباح، لكن داخل المسجد ما يجوز. فكيف بالرقص والطبل والمزامير، وهي محرمة أصلاً خارج المساجد، فضلاً عن فعلها داخل بيوت الله؟ هذا أشد تحريماً، أشد تحريماً. وذكر كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إنشاد الشعر في المسجد، وقال: «فضى الله فاك». هذا الحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير، من حديث ثوبان، وهو ضعيف، لا يصح. وإنشاد الشعر في المسجد يجوز، الشعر الحسن الذي يجتمع الكلمات الطيبة والكلام النافع، كالأشعار العلمية، المنظومات العلمية، أو ما فيه دفاع عن الدين والذب عنه، هذا لا بأس به. كان حسان بن ثابت ينشد الشعر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ويقول: «أهجوهم وروح القدس معك». هذا يجوز. أما إنشاد الشعر والتطريب والتلحين والتعبد لله بذلك، ما مر معنا، هذا هو المنكر، هذا هو المنكر. ثم ذكر أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نزهوا مساجدكم عن صبيانكم»، الحديث رواه ابن ماجه، وهو ضعيف، لا يصح، هذا الحديث لا يصح. وحضور الصبيان المساجد إذا كانوا يحسنون الصلاة فلا حرج في ذلك، لا حرج في ذلك. وذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الرجل يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك». رواه الترمذي، وفي إسناده نظر، صحيح. أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعنا من يبيع في المسجد، يبيع داخل المسجد، نقول له: «لا أربح الله تجارتك»، ندعو له بعدم الربح في التجارة هذه. لماذا؟ لأن المساجد لم تبن لهذا، للبيع والشراء. إذا رأيتم من يبيع أو يشتري في المسجد فقولوا: «لا أربح الله تجارتك». المساجد تنزه. مع أن البيع والشراء في الأصل مباح، يجوز له يبيع ويشتري خارج المسجد، لكن داخل المسجد لا يجوز. فكيف الغناء والرقص والمزامير إلى آخر ذلك؟ لا شك أن هذا أعظم تحريماً. وذكر قول الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، يذكر فيها اسمه، يذكر الله، يقرأ القرآن، يسبح، يسبح الله، يهلل، يستغفر، إلى آخر ذلك من ذكر الله. ما قال يذكر فيها الغناء والرقص. قال الله عز وجل: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، يتعبد الله سبحانه وتعالى فيها. أما أن يغنى ويرقص فيها ويحرك ويزفن، فهذا ليس من دين الله. ولهذا حكم المصنف رحمه الله على من فعل ذلك بالضلال والابتداع، الذين يغنون ويرقصون في بيوت الله، وينشدون الأشعار ويلحنونها ويطربونها، ويتقربون الله بذلك، هؤلاء ضلال مبتدعة، هكذا حكم عليهم المصنف رحمه الله. نعم. قال رحمه الله: «وأما ما شجر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم أجمعين، من الحروب والوقائع، فلا يجوز الخوض فيها ولا الكلام، لأنهم كانوا فيها متأولين». وقال عليه السلام: «ثلاث إذا ذكروا فأمسكوا: إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا قرئ القرآن فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». وقال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم». وقال عليه السلام: «جدال في القرآن كفر، مراء في القرآن كفر». فعليك أيها السائل بهذا الاعتقاد، فالزمه، وأدي فرض الله تعالى، وأدي فرض الله تعالى، وإذا اجتنبت ما نهاك الله عنه تكون مقرباً عند الله مطيعاً، وتدخل الجنة، جنة النعيم، ولا تزغ فتهلك. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. تمت العقيدة بحمد الله ومنه. ذكر رحمه الله في آخر هذه الرسالة وهذه الفتوى ما يتعلق بما حصل بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من حروب ووقائع، أن موقف المسلم منها ينبغي أن يكون الموقف الشرعي الذي عليه السلف رحمهم الله، وهو الإمساك وعدم الخوض، عدم الخوض في هذه الحروب والمشاجرات التي حصلت بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وذلك أولاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بذلك، قال: «وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». وهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن حجر في الفتح، وكذلك العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر الصحابة أن نمسك، فلا نخوض فيما شجر بينهم. والأمر الثاني: أنهم مجتهدون، فهم بين الأجر والأجرين، المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، فلماذا نخوض فيما حصل بينهم، فنميل إلى إحدى الطائفتين ونطعن في الأخرى، كما فعل أهل الأهواء؟ بل نترضى عنهم جميعاً، وكذلك نعرف فضلهم ومنزلتهم. الأمر الثالث: أن ما حصل بينهم مغفور لهم في بحر حسناتهم، لهم من الحسنات ما يغفر لهم ما حصل بينهم من هذه الحروب. وكما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «إن النجاسة إذا وقعت في القلتين»، إن الخبث إذا وقع في القلتين لم يحمله الخبث، لم يؤثر فيه. فكذلك ما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم، فإنه يضمحل في بحور حسناتهم. وما وقع بينهم من حروب قد سلمنا الله عز وجل من خوض فيها بسيوفنا، فينبغي أن نسلم ألسنتنا، كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «تلك حروب سلم الله عز وجل منها سيوفنا، فلنسلم منها ألسنتنا». تلك حروب قد سلم الله عز وجل منها سيوفنا، فلنسلم منها ألسنتنا. وحينئذ نسلم، آمن الوقوع في الخطأ والزلل. وقوله: ذكر حديث «أصحابي كالنجوم»، رواه ابن عبد البر في الجامع، من حديث جابر، وهو حديث ضعيف، قد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في الضعيف، بل أشار إلى أنه موضوع، مكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام. وأشار بعد ذلك إلى مسألة الجدال في القرآن، وأن الجدال في القرآن كفر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «جدال في القرآن كفر». والحديث رواه أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه، من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح. وكذلك جاء بلفظ: «مراء في القرآن كفر»، وهو عند أحمد كذلك، من حديث أبي هريرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن الجدال في القرآن، الجدال والمراء في كتاب الله جل وعلا، تسمع الآية فتجادل في معناها وفي دلالاتها، فيوقع، هذا الجدال إلى إنكارها وتكذيبها، فتقع في الكفر، تقع في الكفر. هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جدال في القرآن كفر»، أي أن الجدال في القرآن يوصل إلى الوقوع في الكفر بتكذيب القرآن وجحد ألفاظه أو معانيه. فالواجب على المسلم التسليم والتصديق، ما سمع في كتاب الله جل وعلا، فالواجب عليك أن تسلم وأن تصدق وأن تتبع، ولا تجادل وتماري في كتاب الله جل وعلا. كأنه يشير رحمه الله إلى ما ذكر في هذه الرسالة من الآيات في كتاب الله جل وعلا مما يتعلق بم