شرح الشمائل المحمدية 45

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 45، تابع : باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب صفة فاكهة رسول الله وأحاديث الأكل بالرطب

يتناول المقطع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في أكل القثاء والبطيخ مع الرطب كقاعدة طبية لكسر حر أحدهما ببرد الآخر، مع تفصيل أسانيدها وتصحيحها وتضعيفها. كما يذكر ترجمة الإمام مالك بن أنس ومكانة كتابه الموطأ، وحث على نشر العلم وتبليغه.

دور النساء في نشر العلم وفضل الكسب الحلال

يحث المقطع النساء على تعلم السنة ونشرها بدلاً من الانشغال بالغيبة واللغو، ويؤكد فضيلة العمل والكسب الحلال مستشهداً بأسماء المحدثين المنسوبة إلى مهنهم. كما يشرح حديث تقديم أول الثمر للنبي صلى الله عليه وسلم للبركة والدعاء، مبيناً حكمته في إعلام الإمام بنضوج الثمار لإخراج الزكاة.

معنى البركة في دعاء النبي للمدينة ورد بدع التبرك

يشرح المقطع احتمالات البركة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة في مدهم وصاعهم، مبيناً أنها تشمل البركة الدينية والدنيوية وثبوت الخير الإلهي. ويؤكد أن البركة الحقيقية ثابتة في الأماكن والأزمنة والأشخاص الذين باركهم الله، محذراً من بدع الصوفية في التبرك بأجساد الأولياء.

حديثان ضعيفان في صفة فاكهة النبي وختام الباب

يذكر المقطع حديثين ضعيفين رويا في وصف فاكهة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أهدت الربيع بنت معوذ قناع رطب وأجر قثاء زغب، فأعطاها النبي ملء كفه حلياً أو ذهباً. وقد ضعّف الألباني هذين الحديثين، وبذلك يُختتم باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد فقد أخذنا في كتاب الشمائل الباب رقم ثلاثين، وهو باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا في هذا الباب حديثين: أحدهما حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب، وحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب. وذكرنا كلام العلماء في هذا الباب أو في هذين الحديثين، وأنه أصل من أصول أو قواعد الطب والعلاج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل نوعين مختلفين، أحدهما حار والآخر بارد، فقال عليه الصلاة والسلام: «نكسر حر هذا ببرد هذا». قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، وهو ثقة حافظ، رمي بالنصب، ومعنى النصب أنه يبغض أهل البيت، ينصب العداوة لهم، هذا معنى رمي بالنصب. قال: حدثنا وهب بن جرير، وهو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، قال: حدثنا أبي، وهو ثقة أيضًا، جرير بن حازم، قال: سمعت حميدًا يقول، أو قال: حدثني حميد، قال وهب: وكان صديقًا له، يعني حميد الطويل، وهو ثقة مدلث، صديق لجرير بن حازم، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين الخربز والرطب. والحديث صححه الألباني رحمه الله برقم 171. والخربز كما ذكرنا لكم كلام الحافظ رحمه الله تعالى هو القثاء إذا كبرت وصفرت من شدة الحر، وتقدم أيضًا فائدة هذا في الحديث الذي قبله. وقال رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي رحمه الله، إمام وثقة حافظ جليل كما قال الحافظ، وهو من مشايخ البخاري، روى له الجماعة إلا مسلم، وقد حصل بينه وبين البخاري شيء، ولكن مع ذلك البخاري رحمه الله تعالى روى عنه في الصحيح، وإن كان لا يسميه باسمه وهو محمد بن يحيى، بل أحيانًا يقول: حدثني محمد، وأحيانًا يقول: حدثني محمد بن عبد الله وينسبه إلى جده، وهكذا أحيانًا يقول: حدثني محمد بن خالد، وهو محمد بن يحيى الذهلي. وإن كان صار بينه شيء لكن لا يمنع التلميذ أن يروي عن شيخه، حتى أنت من باب الأمانة ونقل الحديث الصحيح أنت، وإن كان بينك وبين أخيك شحناء أو كلام، فإنه لا يمنع أن تنقل عنه ما صح وثبت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾، يعني شنآن يعني عداوة وبغض، لا يحملك عداوتك وبغضك للآخرين، بينك وبينهم شيء، شيء من هذا القبيل، أن لا تعدل فيهم وتنطق بالكلام الصحيح والحق فيهم، بل العدل مع العدو والصديق، مع القريب والبعيد، والحق أحق أن يتبع، فتعدل وتلزم الإنصاف والعدل في الجميع. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، وهو صدوق يهم، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد بن الصلت، وهو ضعيف، عن محمد بن إسحاق، وهو المشهور صاحب المغازي، محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وينقل كثير أهل العلم كثير من كتاب المغازي، صاحب السيرة، وهو صدوق يدلس، وهو حسن الحديث، لكنه لا يقبل إذا عنعن، يعني قال: عن فلان، إلا ما صرح فيه بالتحديث حيث قال: حدثني فلان. قال: عن يزيد بن رومان، وهو ثقة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل البطيخ بالرطب. وقد تقدم الحديث وأنه أصله في البخاري: يأكل القثاء بالرطب في الصحيحين، يأكل القثاء بالرطب، وقد تقدم أيضًا الإسناد الصحيح الذي رواه الترمذي رحمه الله تعالى وغيره، الحديث: «كانت رضي الله عنها تأكل البطيخ بالرطب». وهذا الإسناد الذي بين أيدينا إسناد ضعيف. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس، حاء، ما معنى حاء؟ تهويل السند. وحدثنا إسحاق بن موسى، وهو ثقة متقن، قال: حدثنا معن، ومعن بن عيسى ثقة ثبت من أشهر من رواه عن مالك، قال: حدثنا مالك، وهو مالك بن أنس الأصبحي، يقال له إمام دار الهجرة، إمام دار الهجرة، وإذا روي الأثر فمالك النجم. من الأئمة المشهورين، من هم الأئمة الأربعة المشهورون يا عبد الله؟ الأئمة أربعة المشهورون أصحاب المذاهب الفقهية، واحد منهم الإمام مالك، ومن أيضًا؟ الشافعي، أحمد بن حنبل، وأبو... أبو حنيفة. أحسنت، قتيت بثلاثة وهم كثير. إذن معنا مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة. وهذا الإمام مالك له كتاب اسمه الموطأ، موطأ الإمام مالك. غد أمر أحد الخلفاء بأن يدرس هذا الكتاب، والكتاب مشهور، كتاب الإمام مالك وهو الموطأ. وبعض أيضًا الأمر أراد من الإمام مالك أن يعلم أولاده الموطأ أو الأحاديث، فرفض الإمام مالك وقال: لا يسعني أن أخص به أحدًا من الناس، بل العلم ينبغي أن ينشر وأن يشهر. هكذا العلماء ينشرون ويشهرون في بيوت الله، يجيئون إلى المسجد، إلى بيوت الله، وكان يقرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لكي يتعلموا، لكي يتعلموا معه الناس ويزاحموا طلبة العلم، وإن كانوا أولاد ملوك، أولاد أمر، فالجميع في هذا الباب يكونون سواسية، لا أحد يستغني عن العلم النافع، علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل له: أن ابن أبي ذئب قد ألف كتابًا مثل كتابك، قال: ما كان لله بقي، ما كان لله بقي. واشتهر كتاب الإمام مالك وهو مطبوع أيضًا، وله شروحات، ابن عبد البر رحمه الله تعالى مالكي المذهب، وقد اعتنى بكتاب الإمام مالك ورجال الإمام مالك، وهكذا العلماء يعتنون بكتب من أمثال هؤلاء الأئمة. الشافعي له أصحاب، الإمام مالك له أصحاب، والإمام أحمد له أصحاب، وأبو حنيفة له أصحاب، وكل أخذ العلم من هؤلاء ثم نشروا علم هؤلاء، وهذا من بر التلاميذ بالمشائخ، يعني بشيوخهم، يحملون عنهم العلم ويستفيدون ويفيدون. فأنت إذا استفدت من أخيك أو من طالب علم أو من شيخك فعليك أن أيضًا تبلغ ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فتكون مشاركًا في الخير ومبلغًا العلم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه: «رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن ثابت يقول: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا ثم بلغه». سمع منا حديثًا، أنت تسمع في اليوم والليلة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فلا تحتفظها فقط لنفسك، بل حاول بقدر المستطاع أنك تبلغ هذا الدين، تبلغ هذا الدين، تكون مشاركًا في الخير، رجلًا أو امرأة. حتى النساء أيضًا فإنهن يسمعن الأحاديث ويعلمن السنة، فلابد أن يعلمنها غيرهن ممن يجهلن حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يكون هذا هو ديدنهن، النساء يكون هذا ديدنهن في المجالس، لا في القيل والقال والغيبة ونحو ذلك: فلان فعل، فلان ترك، وكذا وكذا، وقال فلان، وقال فلان، والله المستعان. صارت أكثر المجالس إلا من رحم الله، قل الخير فيها، أكثرها لغط ولغو، أكثرها لغو، وربما يدخلها شيء من المحرم من الغيبة أو الفتنة ونحو ذلك، أو الكلام الباطل واللهو. وبعض النساء ربما تكلمنا فيما لا يعنيهن، فيما لا يعنيهن، ويخلطن الحابل كما يقال بالنابل. فالله الله في الدعوة إلى الله، من سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يبلغه ما استطاع، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويشارك في الخير. قال: حدثنا مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وهو أبو صالح، واسمه ذكوان السمان، ذكوان السمان، ومعنى السمان إيش معنى السمان؟ يبيع السمن، أحسن، يبيع السمن. لقب بالسمان لأنه يبيع، هل في العمل عيب؟ ما في العمل عيب، سواء كنت تبيع زيت، واحد يلقب بالزيات، لماذا يلقب بالزيات؟ من المحدثين ومن المقرئين لأنه يبيع الزيت، وهذا ملقب بالسمان لأنه يبيع. ابن سيرين كان أيضًا يتجر في الثمن، يبيعون الثمن، يبيعون الزيت، يبيعون الخل، واحد يقال له الخلال، تعلمون هذا الخلال مشهور في الكتب، الخلال يبيع الخل، واحد يقال له الخياط، خليفة بن خياط أو الخياط، فلان الخياط، فلان الحناط، فلان الخباط، فلان الخراز، هذه عبارة عن مهن يشتهر بها صاحبها فيلقب بها، فلان الصياد. ما هو عيب العمل لأنك تعف به نفسك ولا تسأل الناس شيئًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله» يعني الحبل، «حبله» جمعه حبل، فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأتي به فيبيعه للناس، خير له، خير له. ليش قال: «من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»؟ خير له من أن يقف أمام الناس: أنا محتاج، أنا فقير، أنا كذا. يا أخي إذا كانت عندك قوة وعندك مقدرة للعمل فاذهب فاشتغل واعف نفسك وعيالك، إن كان لديك عيال، إن كان لديك عيال. بعض المحدثين رحمهم الله، رحمهم الله تعالى، كانوا يعملون ويشتغلون، كلهم في تجارة، وكلهم في مهنة، من سلفهم في ذلك، سلفهم في ذلك، وقدوتهم في ذلك أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبيع ويشتري، يبيع ويشتري، وقد اشتغل صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، كان يبيع، ماذا كان يعمل؟ في رعي الغنم، في رعي الغنم، حتى قال: «وما من نبي إلا رعى الغنم»، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. ما هو عيب أن تعمل وتعف نفسك؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بات كالًا من عمل يده بات مغفورًا له»، أحد أسباب المغفرة، وكفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، تضيع عيالك، بل ينبغي عليك أن تعمل وتكد وتجتهد. وقد كان عمر يضرب بالدرة من يراه عاطلًا، عاطل عن العمل، إيش جالس تسوي أنت؟ لا أنت في علم مثلاً تطلب العلم النافع وتجلس، وما تيسر من الخير أخذته، ولا أنت في عمل تعف به نفسك؟ كان يغضب رضي الله عنه وأرضاه ويكره ذلك، الرجل الذي هو عاطل، لا في عمل دين ولا في عمل دنيا. فأنت تكد وتكد من أجل أن تعف نفسك، وأيضًا ماذا؟ اللقمة الحلال يغفر الله عز وجل بها ذلك الشخص، العفيف المتعفف صاحب العيال الذي يسعى ويتعب من أجل، من أجل عياله. هذا ما جاء في ترجمة من؟ أبو صالح السمان، وهو ذكوان السمان، ودائمًا يتكرر هذا، أبو صالح في الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في الصحيح أيضًا. قال: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا وفي مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه». قال: ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر. والحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى، وهو في صحيح الإمام مسلم، وصححه الألباني في الشمائل برقم 172. طيب، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن الصحابة ومن كان معهم في المدينة، إذا جاءوا، أو إذا رأوا أول الثمر، ظهر الثمر ونضج الثمر، يأتون به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، طلبًا للدعاء والبركة، حصول الخير في هذا الشيء. قال النبي، رحم الله، كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه صلى الله عليه وسلم في الثمر، وللمدينة والصاع والمد، وإعلامًا له أيضًا، يعلمونه أن الشيء قد نضج وقد حان وقته، وإعلامًا له بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة، لأنه إمام صلى الله عليه وسلم، إمام، وهو أيضًا ولي الأمر في ذلك المكان، بل في من يليه من أهل الإسلام، فكانوا يعلمون والآن جاء وقته الحصاد حتى يأمرهم بإخراج الزكاة ويبعث عماله، قال: لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين، لأنه إذا علم الإمام أن الثمر قد حان حصاده فسيبعث من الخارصين، وهم الذين يقدرون ما في النخلة، يخرصون، الخارص هو أنهم يقدرون ما في النخلة وأنها ستطلع بكذا وكذا، فيخرجون عشورها على صاحبها ويدفعها. وقال أيضًا رحمه الله تعالى في قوله: «اللهم بارك لنا في ثمارنا»، قال: فيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق وكمال الشفقة والرحمة. هكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله، عنده كمال في الأخلاق، وأيضًا عنده شفقة ورحمة. هم جاءوا بالثمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام طلبًا للدعاء والبركة، هل بقي عليهم بالدعاء؟ لا، قال: «اللهم بارك لنا في ثمارنا»، هذا من باب الشفقة والرحمة، قاله ملاطفة للكبار والصغار، وخص بهذا الصغير لكونه أرغب فيه، لأنه صلى الله عليه وسلم أول ما يعطي هذا الثمر يعطي من؟ يعطيه الصغار، يعطيهم الصغار، لأن الصغار تكون عندهم رغبة في الجديد، تكون رغبة عندهم في الطعام، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم إياه أولًا، وأكثر تطلعا إليه وحرصًا عليه. وقال القاضي، وهو عياض: البركة هنا بمعنى النمو والزيادة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في ثمارنا»، معنى: زدها ونمها، وتكون بمعنى الثبات واللزوم. قيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات، يعني يحتمل أن يكون دعا بهذه الدعوة من باب ماذا؟ أن تكون البركة فيها دينية، أي أن تتكاثر هذه الثمار حتى يخرج أصحاب الزكاة زكاتها، وحتى أيضًا يخرج أصحاب الكفارات كفاراتهم، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينمي الله عز وجل هذه الثمار في المدينة. قال: فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ويحتمل أنه دعا صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة بأن يبارك في مدهم، وقد بارك الله أيضًا في ماذا؟ في مدي وصاعي أهل المدينة، فلذلك يكون عندهم ما لا عند غيرهم من البركة في هذا، وهذه بركة من الله سبحانه وتعالى، فتحتمل أن تكون دنيوية كما قال رحمه الله. قال: أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها، وهذا أيضًا أمر دنيوي، أن يبارك الله للناس بحيث يتجرون بها ويربحون أرباحًا طائلة، لأن الشيء إذا كثر وزاد تحصل منه الأرباح الكثيرة. قال: وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لابتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم. أهل المدينة قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا في الحال الذي كانوا فيه بعد مجيئه صلى الله عليه وسلم ودعائه لهم بأن يبارك الله في مد أهل المدينة وفي صاعهم وفي ثمارهم، كما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأهل مكة. قال: ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كثر الحمل إلى المدينة لأنها توسعت الفتوحات، فصار الناس يأتون بثمارهم إلى المدينة، ولهذا الثمار لا تنقطع من مكة والمدينة. قال: واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدهم وصار شيئًا مثل مد النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو مرة ونصفًا، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته وقبولها. انتهى كلام القاضي عياض. وقال النووي: والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها، والله أعلم. هذا ما جاء في شرح هذا الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لنا في ثمارنا»، بمعنى أنهم يكيلون، وما زال كأنهما يتحرى، يعني يزيد الكيل فيه، يزيد الكيل فيه، فهذا من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان عليه الصلاة والسلام إذا دعا بالبركة في شيء فإن الله عز وجل يستجيب دعوته، وقد دعا لجابر، جابر بن عبد الله رضي الله عنه، لما كان على أبيه دين، كان عليه دين كثير، فلما جاء وقت الثمر جاء بثمار إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، ادعُ الله لنا في هذا، فإنه على أبي دين كثير للناس، فكيف يقضى هذا الدين وعنده كوم من التمر، كوم صغير؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا بالبركة ووضع يده على هذا الكم ودعا بالبركة وقال: «كل يا جابر، كل يا جابر»، أي: كل وأطعم أصحابك وغرماك. قال: فوالله ما زلت أكيل وهو كما هو، يكيل بالمكيال ما ينقص، فوفى ديون أبيه من هذا الكم الصغير، «كل يا جابر»، صار يكيل لهم وأعطى هذا أربعين وهذا حقه وهذا حقه، حتى الجميع، وزاد فضله وزاد بعد ذلك. وهكذا حوادث ووقائع كثيرة في بركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء كان بركته في اللبن، دعائه في اللبن كما حصل مع أبي هريرة، أو دعاء كذلك في الماء، أو دعاء في الطعام، ما يجمعون من الأزواد في بعض الغزوات، أو في قضاء الديون، أو في قضاء الديون كما حصل أيضًا لجابر وسلمان ونحوهم. فهذا كله من دلائل نبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وينبغي أن نعلم أن البركة معناها ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ثبوت الخير الإلهي في الشيء، يعني البركة تكون من الله سبحانه وتعالى، وهناك أماكن مباركة، وهناك أشخاص مباركون من الله، ومنهم يحيى، وأيضًا ماذا؟ عيسى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، هذا قول يحيى وقول عيسى عليهم السلام. فهناك أشخاص مباركون، وهناك أماكن مباركة مثل مكة والمدينة، وهناك أزمنة فاضلة ومباركة مثل رمضان، رمضان زمان مبارك، وهكذا هناك مواسم تكون فيها بركة من الله، أن الله عز وجل ينزل فيها من الخير الشيء الكثير، فيثبت الخير في ذلك الوقت أو في ذلك المكان أو في ذلك المكان. أما ما يفعله أهل التصوف، صوفية، يقولون: بركة في الحبيب، فهذا خطأ، ولم يثبت في أحد من الأشخاص بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أبو بكر رضي الله عنهم، هل كانت الصحابة يتبركون به ويلمسون ثيابه، يقولون: نريد البركة من هذا الشيخ؟ لا، ما كانوا يتبركون، لا بأبي بكر ولا بعمر ولا بعثمان ولا بعلي ولا غيرهم من سادات الصحابة، وإنما البركة كانت منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدعائه، وأيضًا بآثاره، وكانوا يتبركون بآثاره، وهذا ثبتت به السنة، فقد كان الصحابة يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وبعرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما تبركت به أم سليم، حيث كانت تجمع عرق النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة لما بات عندها، وجمعت العرق، ولما انتبه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ماذا تفعلين يا أم سليم؟ قالت: عرقك يا رسول الله هو أطيب الطيب، فلم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم. بل تبركوا أيضًا ببصاقه صلى الله عليه وسلم، كما في صلح الحديبية، قال: ما يقول عروة بن مسعود؟ ما تنخم نخامة إلا أخذوها منه ودلكوا بها أجسامهم، ودلكوا بها أجسامهم، وهذا ثابت في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما غيره فلم يثبت فيه ماذا؟ البركة من بعده. وقد كان هؤلاء وهم سادات الصحابة أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن لما علموا أنه لا يثبت شيء من البركة في أجسام هؤلاء فلم يكونوا يتبركون بهم. بل العجيب أنك ترى من غلاتهم، من غلات صوفية، أن يتبركون ببول أو براز ذلكم الولي، وهذا مشهور عندهم، وهذا مشهور، وأن هذا يعد من كرامات ذلك الولي، يتبركون ببرازهم والعياذ بالله، وببولهم، أو إذا مات وغسلوه يتبركون بذلك الماء، ماء الميت، وهذا شيء تستقبحه النفوس، تستقذره النفوس كذلك، والله المستعان. لكن هؤلاء عندهم شبه والعياذ بالله، فلذلك ينبغي الحذر من هذا. فالبركة، فالبركة هي ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من دعائه أو آثاره عليه الصلاة والسلام. وبقي في هذا الباب حديثان، وهما حديثان ضعيفان، نذكرهما من باب تكملة الباب. قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، وهو حافظ ضعيف، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، هو صديق ضعيف الحفظ، قال: عن محمد بن إسحاق، صاحب السيرة، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وهو مقبول، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: بعثني معاذ بن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر من قثاء زغب، يعني صغير من البطيخ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب القثاء، فأتيته بها وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها فأعطانيه. وقد ضعفه الألباني رحمه الله برقم 173. آخر حديث في هذا الباب: قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، وهو السعدي، ثقة حافظ، قال: أنبأنا شريك، والنقعي، وهو ضعيف، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو أيضًا الراجح ضعفه، وإن قال فيه الحافظ: صدوق فيه لين، قال: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زغب، فأعطاني ملأ كفه حليًا أو قالت: ذهبًا. وهذا الحديث أيضًا ضعيف برقم 174 كما في مختصر الشمائل للألباني رحمه الله تعالى. وبهذا نكون انتهينا من باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرًا