محاضرة من يرد الله به خيراً يفقه في الدين

الدرس في محاضرة من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، محاضرة من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نعمة الهداية ووراثة العلماء للأنبياء ومكانة الشيخ العلامة عبيل الجابري

يتحدث المقطع عن نعمة الله بالهداية وإرسال الرسل وإنزال الكتب، موضحاً أن العلماء هم ورثة الأنبياء الذين يحملون الدين وينفون عنه التحريف. ويختتم بالثناء على الشيخ العلامة عبيل بن عبد الله الجابري كأحد كبار علماء أهل السنة في هذا العصر.

افتتاح دورة علمية وشرح حديث «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»

رحب المحاضر بالشيخ الزائر وأثنى على ثباته على المنهج السلفي، مؤكداً أهمية الأخذ عن العلماء علماً وعملاً وهدياً. ثم استهل المحاضرة بحديث «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» مبيناً قاعدتين أساسيتين: فعل المأمور، وترك المحظور، وتصديق خبر الله ورسوله.

معنى الفقه في الدين وأبوابه الثلاثة وخصائص أهل السنة

يشرح المقطع حديث «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» مبيناً أن الفقه في الدين هو سبيل الخيرية التامة، ويتكون من فقه القرآن والسنة وفهم السلف الصالح. كما يقسم الفقه إلى ثلاثة أبواب: فقه الاعتقاد، وفقه العبادات، وفقه المعاملات، ويميز أهل السنة بالتمسك بالنص والإجماع.

بعثة الرسل ودعوة التوحيد

يذكر الله أنه بعث في كل أمة رسولاً يدعو إلى عبادة الله وحده وتجنب الطاغوت، وأن جميع الرسل جاءوا بنفس الرسالة الأساسية. وهذا يؤكد وحدة الدعوة الإلهية عبر العصور.

  • 11 جمادى الآخرة 1429هـ - 15/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الناس، إن من نعم الله جل وعلا على عباده أن أنعم عليهم بنعمة هذا الهدى الذي أنزله الله جل وعلا عليهم ليخرجهم به من الظلمات إلى النور. إن الله جل وعلا قد أتم على عباده أن ينزل عليهم ما يكون سببًا لهدايتهم وسببًا لفلاحهم في دينهم وفي دنياهم، وإن هذا لمن فضل الله جل وعلا على الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهو القائل جل وعلا: ﴿فَمَن يَأْتِكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾. إن الله جل وعلا أتم على خلقه إرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجة، فكان ذلك الصراط المستقيم الذي قام في الخلق، فبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حجةً على الخلق. ومن نعمة الله جل وعلا أن بعث إلينا هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ختم به الأديان وكمل به وأتم نعمة هذا الدين، دين الإسلام الذي لا يقبل من الناس غيره ولا سواه، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فمن الله عز وجل علينا بمبعث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهدانا بعد ضلالة وعلمنا بعد جهالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور ومن الغواية إلى الهداية، فله الحمد والمنة. والأمر كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. وإن نعمة الله جل وعلا التي جعلها بمبعث نبيه عليه الصلاة والسلام ووجوده بين الخلق، وإرشادهم ورد مفتراهم، كان هذا ليس أمرًا منقطعًا بموته عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال عليه الصلاة والسلام مبينًا أن الصراط المستقيم لا يزال مضروبًا في الأرض، وأن حجة الله لا تزال قائمة على الخلق، وذلك بوجود الورثة الذين يرثون الأنبياء، الورثة الذين ورثوا النبي عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في السنن من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فإن من نعمة الله جل وعلا عباد الله أن جعل علماء يأخذون تركة الأنبياء، فيكون بذلك أمر الله في الخلق، فيقومون عليهم الحجة ويهدون إلى الصراط المستقيم الذي من سلكه في الدنيا سلكه في الآخرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه، وجاء ذلك من طرق عن عدد من الصحابة: «يحمل هذا الدين من كل خلف عدول، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». إن هؤلاء هم العلماء الراسخون بالعلم، عباد الله، العلماء الذين جعلهم الله جل وعلا حراسًا على دينه في الأرض، كما جعل الملائكة حراسًا على السماء، فجعل في أهل الأرض حراسًا يحرسون ويحفظون بحفظ هذا الدين الخلق، فهي من عظيم نعمة الله جل وعلا علينا. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث معاوية رضي الله عنه: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». ومثل ذلك فسنة الله ماضية وحجته على الخلق قائمة، فله الحمد والمنة. ولا يزال العلماء يورث بعضهم بعضًا، كابرًا عن كابر، يورث بعضهم بعضًا، كابرًا عن كابر، حتى وصل هذا الدين إلينا، حمله العلماء العدول الذين جعلهم الله جل وعلا حجة على الخلق، جعلهم الله جل وعلا سببًا لهدايتهم، أئمة الهدى ومصابيح الدجى، الذين شهد لهم الناس بالإمامة والهداية والعدالة، وإن ذلك لمن عظيم نعمة الله جل وعلا. وإن من أعظم ذلك عباد الله، من يشهد له بالرسوخ، من يشهد له بالرسوخ والثبات، الذين أخذوا العلم وراثة عن العلماء علمًا وعملًا هديًا وسمًا، فإن ذلك أحق بالانتباه إليه والالتفاتة له، كيف لا؟ وقد صح في مستدرك الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «البركة في أكابركم». وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، وعن علمائهم، وعن كبرائهم، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا». هذا يقول رحمه الله تعالى: «فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا». فإن من عظيم نعمة الله جل وعلا وجود العلماء الراسخين في العلم الذين يشهد لهم بالإمامة والهداية. فاحمدوا الله يا أهل اليمن، احمدوا الله يا أهل اليمن، احمدوا الله يا أهل اليمن، على هذه النعمة العظيمة التي منى الله جل وعلا عليكم بزيارة علم من أعلام هذا العصر، وعالم من علمائها، وأحد كبار مشايخ أهل السنة، وهو فضيلة الشيخ الوالد العلامة عبيل بن عبد الله بن سليمان الجابري، حبيب، نعم نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا. إنه من أكابر أهل العلم الذين عرفوا بالرسوخ وعرفوا بالثبات، لم يعهد عنهم تلون، ولم يعرفوا بتغير وتبدل، بل هم على تلك التركة السلفية التي ورثوها عن علمائهم وأكابرهم، فكان ذلك ما يورثونه بإذن الله تعالى للناس. وإنه حبه الله تعالى لحبه لهذه الدعوة المباركة في هذه البلاد الطيبة، ولعلمائها الأفاضل الكرام، فحبه الله تعالى على زيارة إخوانه وأبنائه وأبنائه وطلبته من أهل السنة والجماعة في هذه البلاد الطيبة المباركة، إن شاء الله تعالى، مؤازرة ومناصرة، وتعاونًا على الخير والبر، وتوجيهًا وتعليمًا، ونصحًا وتذكيرًا، وأدى بعض ما أوجب الله جل وعلا عليه، وهذه سنة الله جل وعلا، فالحمد لله الذي وفق إلى هذا الخير، له الحمد والمنة على ما أعطى، واهدأ، فنشكر له هذه الزيارة المباركة التي نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بها، فننتفع منها من علمه ومن هديه ومن سمته. وقد كان العلماء يأخذون العلم والعمل بعضهم عن بعض، من الهدي والسمت، كما ذكر في ترجمة الإمام أحمد، كيف أخذه عن مشايخه يأخذ علمًا وهديًا وسمًا، وأخذه مشايخهم عن مشايخهم هديًا وعلمًا وهديًا وسمًا، حتى يصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاحرصوا عباد الله ويا طلبة العلم على الاستفادة من العلماء، من الأخذ من علمهم والاستفادة من عملهم وهديهم وسمتهم، وهذا من فضل الله جل وعلا علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فنقول له: أهلًا وسهلًا، وطبت وطاب ممشاك، وجعل الله جل وعلا الجنة مثواك، مأجورًا، نسأل الله جل وعلا أن ينفع به البلاد والعباد. ونشكر كل من جاء معه، فنقول لهم: أهلًا وسهلًا، وطبتم وطاب ممشاكم. ونشكر جميع الإخوة الذين جاءوا من بلاد كثيرة متفرقة لحضور هذا الخير والاستفادة من هذا العلم، الذي نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن ينفعنا به في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ويتفضل الشيخ مشكورًا لمحاضرته التي أعلن عنها: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، في افتتاح هذه الدورة العلمية المكثفة في هذه الأيام التي أُخبر عنها، فإلى المحاضرة، جزى الله خيرًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، فأولًا أحب أن تعلموا عني أمرًا، وإن شئتم فسموه قاعدة، وهو أني أشهد الله ومن حضر من ملائكته الكرام الكاتبين، والسائحين الملتمسين لمجالس الذكر، وأشهدكم أني دون ما يقال فيه، فافهموا هذا بارك الله فيكم يا طلاب العلم وطالباته. الكلمة التي هي مدار الحديث معكم، سمعتم الإعلان عنها: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وهذا العنوان قد صح به النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». والكلام على هذا الحديث يتضمن مسألتين: الأولى في منطوقه ومفهومه، والثانية: كيف يكون الفقه في الدين، وإن شئت فقل: ما الذي يتضمنه الفقه في الدين؟ المسألة الأولى: وهي في منطوق هذا الحديث ومفهومه، والمعنى: ما الذي أفاده هذا الحديث حكمًا بمنطوقه، وماذا أفاد من حكم بمفهومه؟ وقد عرفتم أنه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من قال الله فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقبل أن أتحدث عن هذا الحكم الذي أفاده هذا الحديث منطوقًا ومفهومًا، أنبه طلاب العلم وطالباته في هذا المركز، ومن حضر وفد عليهم من إخوانهم من أماكن شتى من اليمن، حرسها الله وسائر بلاد الإسلام من كل سوء ومكره، وحرس جميع المسلمين والمسلمات أينما كانوا من كل سوء ومكره. هذا الذي أنبه إليه قاعدة، قاعدة تتألف من ثلاثة أمور، من استجمعها حازر إن قياد التعم لما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم: أولًا: فعل ما أمر الله به ورسوله، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. والأمر الثاني: ترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. والأمر الثالث: تصديق خبر الله ورسوله. وقد قدمت لكم آية النجم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، فذكر الحديث إلى أن قال: «ألا إنما حرم رسول الله مثل ما حرم الله». ومن هنا أجمع أهل السنة على أن ما صح به النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم هو مفيد للعلم، وسواء كان ذلك من أخبار الآحاد أو من المتواتر من حديثه صلى الله عليه وسلم، ما دام أن طريقه النقل الصحيح عن العدل عن مثله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فواجب التصديق والعلم والعمل. وليس المجال مجال بسط وتفصيل في هذه القضية، وإنما المقصود أن حديثنا الذي هو مدار المذاكرة مع بنينا وبناتنا في هذه الليلة، التي أسأل الله أن يجعلها مباركة على الجميع، في ما أفاده هذا الحديث من منطوق ومفهوم. وقد علمتم بالإشارة أنه ينتظمه الأمر الثالث من القاعدة المتقدمة: تصديق خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث ينتظمه، هو أمر في معنى الخبر، وإن شئت فقل: هو خبر معناه الأمر، وسنوضح هذا بعد قليل إن شاء الله تعالى. والمقصود أن تعلموا يا بنينا وبناتنا من طلبة العلم وطالباته هنا، ومن تصل إليهم هذه الكلمة منشورة من خلال دار الحديث بالشحر، أن هذا الحديث الصحيح أفاد بمنطوقه صريح الدلالة على أن الخيرية التامة، الخيرية العامة التي تنتظم سعادة الدنيا والآخرة، ليس لها إلا سبيل واحد، وذلكم السبيل أيها المسلمون والمسلمات هو الفقه في دين الله. والفقه في دين الله هو معرفته والبصيرة فيه، بأن يكون المرء عارفًا أن ما يأتيه هو من محاب الله عز وجل ومراضيه فيتقرب إليه بذلك، وأن ما يدعه وينتهي عنه من مغارب الله ومساخطه، لأنه تقرر عنده بالدليل أن الله نهى عنه ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يتقرب إلى الله بترك المنهيات كما يتقرب إليه جل وعلا بفعل المأمورات. والمقصود أن هذا الحديث فيه حث لنا معاشر المسلمين والمسلمات على أن يتفقه من علم الشريعة، لأنه ليس ثمة علم يستقيم به حال الناس على الهدى ودين الحق غير هذا العلم، وليس ثمة علم يزول به الجهل ويعرف المرء به حقوق الله وحقوق عباده إلا هذا العلم، علم الشريعة. وعلم الشريعة ما هو؟ علم الشريعة هو فقه الكتاب الكريم القرآن، وفقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم السلف الصالح. هذه الأمور الثلاثة خصيصة يتميز بها أهل السنة، جعلنا الله وإياكم من خواصهم في الدنيا والآخرة. الأول: فقه القرآن. جاء عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله قال: «حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، أنهم لم يجاوزوا عشر آيات من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتعلموا معناها والعمل بها، قال: فكانوا يتعلمون العلم والعمل». الثاني: فقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه بسنة النبي، بفقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم يفسر القرآن، فإن السنة تفسر القرآن ببيان مجمله، وتقييد مطلقه، وتخصيص عمومه. والصواب أن السنة الصحيحة ينسخ بها القرآن، كما أن القرآن ينسخ. الثالث: فهم السلف الصالح. والسلف الصالح هم كل من مضى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره، وأساسهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم من بعدهم من أئمة العلم والدين، من أئمة التابعين، ومن بعد التابعين، ومن بعدهم، وأهل القرون المفضلة الذين ثبتت لهم الخيرية بنص محمد صلى الله عليه وسلم، هم أساس السلف الصالح، والذين لا ينصرف اسم السلف الصالح إلا عليهم، فهم أساس من بعدهم وعمدة من بعدهم، رحمة الله عليهم أجمعين. والمقصود أننا علمنا ماذا أفاد هذا الحديث من الحكم منطوقًا، فماذا أفاد بمفهومه؟ «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» يعني: يرزقه فيه العلم والفهم والبصيرة، والعلم والبصيرة ومعرفة ما يجب من حق الله وحق عباده، ميزة يتميز بها دعاة السنة عن غيرهم. فإن دعوة أهل السنة على رأس ما تتميز به من خصال الخير وجماع الطيبات أمرين: العلم والتميز. فهي دعوة مبناها على هذين: على العلم وهو الفقه في دين الله، معرفة دين الإسلام بالأدلة، كما أنها تتميز عن سائر الدعوات بأنها متميزة لها سمة، لها سمة وهي أنها منفصلة عن سائر النحل والملل، فليس عندها ما تدعو الناس به إلا النص والإجماع. فالنص هو صريح الكتاب الكريم وصحيح سنة محمد صلى الله عليه وسلم، والإجماع هو إجماع أهل العلم والإمامة والفضل والدين، بدءًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم. وبهذا يعلم أن أهل السنة لا يعولون على الرأي تعويلًا مطلقًا، فلا يقبلون من الرأي إلا ما أسعفه الدليل من نص أو إجماع. يروى عن رابع أمراء المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين الهداة المهديين رضي الله عنهم أجمعين، أعني به علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورضي عن سائر إخوانه أصحاب محمد، قال: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه». هذا ما يتعلق بمنطوق الحديث، فماذا من مفهومه؟ مفهومه واضح: أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن شيء، حداهما المنطوق وقد عرفتموه، وثانيهما المفهوم، وما هو؟ أن من لا يرد الله به خيرا لا يفقه في الدين، يتركه هكذا أعمى يتخبط في ظلام الجهل والحيرة، ومن هنا تتخطفه الشياطين بين الجن والإنس، فيردى في البدعة والضلال. بقيت المسألة الثانية: وهي ما الذي يتضمنه الفقه في الدين؟ أيها المسلمون والمسلمات، اعلموا هدانا الله وإياكم إلى مراشد الأمور وسددنا وإياكم في الأقوال والأعمال، أن الفقه في الدين ينتظم ثلاثة أبواب، وهي يسيرة على من يسرها الله عليه، جعلنا الله وإياكم من الميسرين لكل خير في الدنيا والآخرة: الباب الأول: فقه الاعتقاد. الباب الثاني: فقه العبادات العملية. الباب الثالث: فقه المعاملات. الباب الأول: الذي هو فقه الاعتقاد، والمعنى أن يفقه المرء، رجلًا كان أو امرأة، ما يصح به تدينه ويستقيم به توحيده وتسلم به عقيدته في الله وفي ملائكته وكتبه ورسله، وفي اليوم الآخر، وفي القدر خيره وشره. فقه الاعتقاد الصحيح، وهذا ما جاءت به النبيون والمرسلون، من لدن نوح أولهم إلى محمد خاتمهم، صلى الله وسلم عليهم أجمعين. فإن مما قصه الله علينا من خبرهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا