تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 73

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 73

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام متاع المطلقات في تفسير السعدي

يشرح السعدي آية المتاع للمطلقات مبيناً أنه واجب للمفارقة قبل الدخول بلا مهر، ونصف المهر للمسمّى، ومستحب للمدخول بها عند الجمهور، وبعضهم أوجبه لقوله «حقاً على المتقين». وتوضح الآية وجوب المتعة لكل مطلقة سواء دخل بها أم لا، وسواء سُمّي المهر أم لا، وتقدر بحسب يسار الزوج أو إعساره، وتشمل ثوباً أو طعاماً أو مالاً أو ذهباً مما تنتفع به المرأة.

وجوب متاع المطلقة وحكمته في جبر الخاطر والمودة

يوضح المقطع أن متاع المطلقة واجب ما لم يقم دليل على صرفه، ويستدل بعموم الأدلة وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. ويبين أن المتاع يجبر خاطر المرأة، وقد يكون سبباً للمراجعة أو لحفظ المودة بينهما.

الحكمة من بيان أحكام الزوجين ودعوة العقل والعمل بها

أثنى المؤلف على بيان الله تعالى لأحكام الزوجين وموافقتها للعقول السليمة، مبينًا أن الغاية من هذا البيان أن يعقلها العباد حفظًا وفهمًا وعملًا. وختم بقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ دالًا على أن التعقل يستلزم الفهم والتطبيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]، ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242]. قال رحمه الله: لما بيّن في الآية السابقة امتاع المفارقة بالموت، ذكر هنا أن كل مطلقة فلها على زوجها أن يمتعها ويعطيها ما يناسب حاله وحالها، وأنه حق، وإنما يقوم به المتقون، فهو من خصال التقوى، واجبًا كان أو مستحبًا. فإن كانت المرأة لم يُسمَّ لها صداق وطلقها قبل الدخول، فتقدم أنه يجب عليه بحسب يساره وإعساره. وإن كان مسمى لها فمتاعها نصف المسمى. وإن كانت مدخولًا بها صارت المتعة مستحبة في قول جمهور العلماء، ومن العلماء من أوجب ذلك استدلالًا بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، والأصل في الحق أنه واجب، خصوصًا وقد أضافه إلى المتقين، وأصل التقوى واجبة. فلما بيّن تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين، أثنى على أحكامه. هذا أيضًا حكم من أحكام المطلقات، وكما ذكر المؤلف رحمه الله بعدما ذكر ربنا جل وعلا متاع الزوجة، وأن من متاعها أنها تجلس في بيت زوجها سنة لا يخرجها الورثة إلا إن خرجت بنفسها، فذكر هنا أيضًا أن المطلقات لهن متاع. وهذه الآية عامة في جميع المطلقات، سواء كان مدخولًا بها أو غير مدخول بها، سواء سُمِّيَ لها المهر أو لم يُسمَ. وقد تقدم أن غير المدخول بها التي لم يُسمَّ مهرها فإنه يجب أن تمتع، كما هو قول الشافعي وغيره؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]. فمن كان وسع الله عز وجل عليه فيعطيها، ومن قدر الله عز وجل عليه أي جعله معسرًا ليس عنده ذاك اليسر فليعطيها مما يستطيع. فقال الله عز وجل: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فهو من باب الإحسان لكنه حق، وكلمة «حق» غالبًا تكون على الواجب، كما قال المؤلف: والأصل في الحق أنه واجب، خصوصًا. ولهذا اختلف العلماء في هذه الآية: هل هي من باب الوجوب أو من باب الاستحباب؟ فبعضهم جعله من باب الوجوب لكل المطلقات، وهو قول الشافعي في القديم، على أنها لكل مطلقة متاع يجب أن يعطيها، أي رجل يطلق امرأة فإنه يعطيها متاعًا، سواء كان دخل بها أو لم يدخل بها. وهذا المتاع معناه: مثل ثوب، يعطيها ثوبًا، يعطيها طعامًا، يعطيها مثلًا مالًا، ذهبًا أو فضة، يعطيها شيئًا من الذهب، يعطيها شيئًا مما يتعارف عليه الناس أنه متاع أن تستفيد منه المرأة. وهذا لجبر خاطرها، والأصل أن هذا واجب، ولم يدل عليه دليل يصرفه، إلا أن أهل العلم يقولون: إن الله عز وجل لم يذكر المتاع في المدخول بها سواء كان سُمِّيَ مهرها أو لم يُسمَ، فذكر ربنا جل وعلا فيمن لم يُسمَّ مهرها أنها تعطى مهر المثل، ومن سُمِّيَ مهرها أعطيت مهرها كاملًا إذا دخل بها، فإذا دخل بها فإنها تعطى مهرها كاملًا، فلذا لم يذكر المتاع إلا في هذه الآية. لكن الأحكام تأخذ من جميع الأدلة، وليس هناك ما يدل على منع هذا، أم معنى ما يدل على صرف هذا الواجب والحق إلى الاستحباب؟ فلذا الأولى والأفضل أن الإنسان يقدم متاعًا إذا طلق المرأة، ولأن هذا أيضًا اعتبر كما قلنا من جبر الخواطر، جبر خاطرها، فطلقها ويعطيها متاعًا، فإنها قد تنسى هذه الصدمة التي جاءت من زوجها بعطائها هذا المتاع. فإن كانت في الطلقة الأولى أو الثانية فقد يكون هذا سببًا لرجوعها، أو سببًا لأن يرجعها. طيب، وأيضًا فيه عدم نسيان ما كان بينهما من فضل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]. قال رحمه الله: فلما بيّن تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين، أثنى على أحكامه، وعلى بيانه لها وتوضيحه، وموافقتها للعقول السليمة، وأن القصد من بيانه لعباده أن يعقلوا عنه ما بيّنه فيعقلونه حفظًا وفهمًا وعملًا بها، فإن ذلك من تمام عقلهم، وهو قوله جل وعلا: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون، تفهمون هذه الأحكام وتطبقونها فيما بينكم، فإن هذا خير لكم. هذا ما تيسر، والله تعالى أعلم.