الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع قول الله تعالى في آية المتاع للزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، مبيناً أن الشيخ يرى أنها غير منسوخة بينما يرى كثير من المفسرين والصحابة أنها منسوخة بآية العدة المحددة بأربعة أشهر وعشر. يبرز الخلاف الفقهي حول بقاء حكم الآية من عدمه.
يروي المقطع إشكال ابن الزبير على عثمان رضي الله عنه في كتابة آية العدة المنسوخة بعد ناسخها، ورد عثمان بأنه لا يغير من كتاب الله شيئاً مما يدل على أن ترتيب الآيات توقيفي من النبي ﷺ. يبين الأثر أن آية الوصية حولاً كاملاً نُسخ حكمها وبقي رسمها في المصحف.
يبيّن المقطع اختلاف القراء في إعراب كلمة «وصية» رفعاً ونصباً ونسب كل قراءة إلى قرّاء الأمصار، ويرجّح مجاهد أن الآية غير منسوخة بل هي وصية للزوج بأن تمكث زوجته في بيته سنة كاملة. يتناول توجيه المعنى بناءً على اختلاف الإعراب.
يوضح المقطع أن الوصية المذكورة في الآية ليست وصية متعلقة بالمال أو المواريث، بل هي وصية أخرى بالسكنى، ويؤكد أن قول النسخ بالمواريث غير صحيح. يستند إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الآية ليست وصية موارث ولا وصية مال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: خضنا بالأمس في قول الله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۖ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. وذكر الشيخ رحمه الله أن هذه الآية ليست منسوخة، لكن النسخ تختلف في تفسيرها، والظاهر أن هذا بسبب الإشكال الذي حصل في هذه الآية، فلذلك الشيخ - الظاهر - كان يرى أمراً ثم غيره في هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾. كما ذكر المؤلف أن عند كثير من المفسرين أنها منسوخة، نسختها الآية التي قبلها - أي قول الله جل وعلا - وليست قبلها مباشرة عندنا، بل قبل آيتين، وهي قول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾. فلذلك قال كثير من المفسرين، من الصحابة أيضاً، أن هذه الآية منسوخة. وممن جاء عنه ذلك ما جاء في صحيح البخاري: أن ابن الزبير قال لعثمان لما كانوا يكتبون المصحف: «يا أمير المؤمنين، لماذا تكتب هذه الآية وقد نسختها الآية التي قبلها؟ فتكتبها بعدها! كيف تكون منسوخة وتكتب بعد الآية التي نسختها؟ معنى الناسخ: أن المنسوخ يكون قبل الناسخ، وهذه بعدها». هذا إشكال وضعه ابن الزبير على عثمان رضي الله عنه. فقال عثمان رضي الله عنه: «يا ابن أخي، فإني لا أغير شيئاً من كتاب الله جل وعلا». معنى أخذ العلماء من هذا: أن الآيات ترتيبها توقيفي، أي من النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا عثمان يقول: إنه لا يغير شيئاً وجده مكتوباً في المصحف، إلا إذا حذفه النبي عليه الصلاة والسلام ونسخ كتابتها. فهنا نسخ تلاوة. وأما إن كان نسخ الحكم فقط، فهذه تبقى. فهذا الحديث يبين - أو هذا الأثر يبين - أن هذه الآية نُسخت، وعلى هذا جماهير العلماء. وجاء كذلك عن ابن عباس، وعن جماعة من السلف. واستشكل بعضهم؛ لأجل أن هنا قال في الآية الأولى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾، وهنا قال: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾، معنى أنهم يوصون لأزواجهم أن يبقين في بيوتهم سنة كاملة، لا يخرجونهن، غير إخراج. فهذا معنى الآية، فلذلك حصل الإشكال في هذا. فجاء عن مجاهد رحمه الله أنه قال: إن هذه الآية ليست منسوخة، وإنما فيها وصية الزوج لزوجته أن تبقى في بيته، أن لا يخرجوها الورثة، أن لا يخرجوها الورثة من بيت زوجها، وإنما يوصي بوصية الله عز وجل إلى أن تجلس سنة: ﴿ وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ ﴾. ولهذا هذه الآية: «وَصِيَّةً» قُرئت بالرفع: «وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَاجِهِمْ»، قرأها هكذا في رواية أبي بكر بن عياش، قارئ عاصم، في رواية أبي بكر بن عياش بالضم. وفي رواية حفص - كما هي معروفة - بالفتح. وأما رواية شعبة فهي بالضم. وكذلك أيضاً قراءة أهل المدينة وأهل مكة: قراءة نافع، وقراءة ابن كثير، وكذلك أيضاً قراءة الكسائي، فقرأ هؤلاء كلهم بالضم، وهي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وأما أهل الشام: قراءة ابن عامر اليحصبي، وأهل البصرة: قراءة أبي عمرو بن العلاء، وكذلك حمزة وخلف، فهم على قراءة حفص أيضاً، قرؤوا بالنصب على أنه مفعول به: «وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ». والذين قالوا إنه مرفوع: إما على أنه مرفوع بالابتداء، أو أنه خبر، والمراد أن الله عز وجل يوصيهم أن يوصوا لأزواجهم، أنهم يوصون لأزواجهم أن يجلسن - معنى زوجاتهم أن يجلسن - سنة في بيته، لا يخرجهم الورثة، لا يخرجهم الورثة. وهذه الوصية ليست من وصية المال، ولهذا الإشكال الآخر؛ لأن بعضهم يقول: إن هذه الآية منسوخة بالموارث. وهذا الصحيح كما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن هذه الآية ليست وصية موارث، ليست وصية مال