الدرس في خطبة الجمعة شرح حديث أبي هريرة من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، خطبة الجمعة شرح حديث أبي هريرة من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الخطيب بالثناء على أبي هريرة رضي الله عنه لحرصه على رواية الحديث، مستشهداً بحديثه عن أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين أن هذا الحرص منقبة عظيمة، ويحث المسلمين على الجد في طلب علم الشريعة لأنه أساس السعادة في الدنيا والآخرة.
يؤكد المقطع ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من الموحدين بشروطها الشرعية، وأن المعاصي لا تكفر صاحبها ما لم تستحلها. ويبين أن التوحيد الخالص عاصم من الكفر وموجب للجنة، محذراً من تكفير العصاة بغير حق لكون التكفير حكماً شرعياً لا مجال فيه للرأي.
يبيّن المقطع قواعد أهل السنة والجماعة في الحكم على المعينين بالكفر أو الفسق أو البدعة، وهي: أن الحكم لله ورسوله فقط، واشتراط اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، والتفريق بين القول والقائل. كما يؤكدون عدم تكفير أحد بذنب إلا إذا استحلّه صراحة، وغايتهم إخلاص الدين لله لا الأغراض الشخصية.
يبيّن المقطع أن مرتكب الكبائر كشرب الخمر والزنا والسرقة عند أهل السنة له حالتان: إما فاسق مستحق للعقوبة الشرعية، أو كافر إن استحلها مع علمه بتحريمها. ويختم بالثناء على أهل السنة بأنهم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، مستشهداً بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد، فقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قال: «لَقَدْ ظَنَنْتُ، لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ، لِمَا عَرَفْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». عباد الله، من تأمل هذا الحديث الصحيح ونظر فيه نظرة مستبصر طالبًا معرفة ما تضمنه من الفقه العظيم، ظهر له من فقهه ما يأتي: أولاً: منقبة من مناقب أبي هريرة رضي الله عنه، وهو معروف لدى أهل العلم بأنه حافظ الصحابة وفقيههم، وتلك المنقبة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «لِمَا عَرَفْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ»، وقبلها: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ»، يعني قبلك. وفي هذا يا أيها المسلمون حث كل مسلم ومسلمة على الجد في طلب العلم والحرص عليه، لأن العلم علم الشريعة هو الذي تنبني عليه سعادة العبد في دنياه وأخراه. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». ثانيًا: ثبوت الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين، وقد جاءت الأحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثباتها، وقد جاءت الأحاديث متواترة من طرقها عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الشفاعة. والشفاعة أيها المسلمون عند أهل السنة المثبتة، لها شرطان: أحدهما إذن الله للشافع، وثانيهما رضا الله عن المشفوع فيه. والله سبحانه وتعالى لا يرضى إلا عن أهل التوحيد. قال الحق جل ثناؤه: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾. وفي هذا أيها المسلمون دليل على أن العبد لا يكفر بمجرد فعله المعاصي، سواء كانت المعاصي صغيرة أو كبيرة، ما لم يستحلها، وعلى ذلك أجمعت الأمة والجماعة. القاعدة الثالثة: عظم شأن التوحيد وعظم فضله على أهله، وأنه أولًا هو عاصم لهم من الكفر، فمن وحد الله توحيدًا خالصًا ولقيه عليه، فإنه مقطوع له بالجنة. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»، أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَةٌ، مَنْ مَاتَ يَدْعُو لِلَّهِ نِدًا دَخَلَ النَّارَ». وقلت عنه، يعني ابن مسعود: «وَمَنْ مَاتَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». وبهذا يعلم المسلمون والمسلمات خطأ الفاحش في تكفير العصاة من المسلمين، حكامًا كانوا أو محكومين، فإن التكفير حكم الله، ليس لأحد فيه مجال، ليس للرأي فيه مجال، ليس للرأي فيه مجال، ليس للرأي فيه مجال، ليس للرأي فيه مجال، هو من أحكام الوحي المتلقى عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وسآتي لهذه القضية مزيد بحث إن شاء الله. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، ورب الطيبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون، إن أهل السنة والجماعة هم أعرف الناس بالحق، وهم أرحم الناس بالخلق، لأن السفينة يا عباد الله، لأن السنة يا عباد الله سفينة نوح، من ركبها نجا. أهل السنة أيها المسلمون يحرصون حرصًا تامًا على هداية الخلق إلى الحق والاستقامة على دين الحق، يحرصون على أن لا يعبد إلا الله وحده، يحرصون على الإخلاص لله وتجريد المتابعة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ومن قواعدهم التي يدينون لله بها ويدعون الناس إليها: أولاً: أن التكفير والتفسيق والتبديع ليس لأحد من الخلق أبدًا، بل هو إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يفسق ولا يبدع ولا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بذلك، فمن قامت الحجة على كفره أو فسقه أو بدعته، فإنه يحكم عليه بذلك، ولا ترم عين، لأن هذا حكم الله ورسوله. فهم إذًا لا يحكمون على أحد إلا بحكم الله ورسوله. القاعدة الثانية: لا يكفر أهل السنة ولا يبدعون ولا يفسقون إلا بأمرين: الأمر الأول اجتماع الشروط، والأمر الثاني انتفاء الموانع. هذا بالنسبة للحكم على المعين بالكفر أو الفسق أو البدعة. أما الإطلاق والتعميم فهم يحكمون بذلك، فيقولون على سبيل المثال: من ذبح لغير الله فهو مشرك كافر، من دعا غير الله فهو مشرك كافر، وهكذا. القاعدة الثالثة: يفرق أهل السنة بين القول والقائل، والفعل والفاعل، فكم من مقولة يا عباد الله هي كفر أو فسق أو بدعة، ومع ذلك لا يحكمون على من صدرت منه بذلك، إلا إذا لم تجتمع فيه الشروط، أو وجد مانع يمنع من ذلك. يا عباد الله، يا عباد الله، يا عباد الله، أيها المسلمون، إن أهل السنة ليس لهم غرض ولا مصلحة حينما يحكمون على أحد بأنه فاسق أو كافر أو مبتدع، ليس لهم غرض يعود على أشخاصهم، وإنما غرضهم أن يكون الدين خالصًا لله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن من قواعدهم التي هي من أصول دينهم أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب ما لم يستحله، لا يكفر أهل السنة أحدًا من عباد الله بذنب من الذنوب حتى يستحله، يعني يصرح بقوله أن هذا الذنب حلال. وعلى سبيل المثال، فإن من شرب الخمر أو زنى أو سرق فله حالتان عند أهل السنة: إحداهما أنهم فساق يستحقون العقوبة شرعًا، الحال الثانية: إذا كانوا يفعلون هذه الكبائر وأمثالها مستحلين لها مع علمهم بتحريمها، فإنهم كفار ولا كرامة. وبهذا يظهر للمتأمل ما قاله شيخ الإسلام - وقد تمناه آنفًا - أن أهل السنة هم أعرف الناس بالحق، كما أنهم أرحم الناس بالخلق. اللهم أعنا على ذكرك وشك