الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن النبي ﷺ اقتصر على هدنة مؤقتة مع قريش دون صلح دائم، لأن العداوة والبغضاء للكفار واجبة شرعاً ولا يجوز الصلح المطلق معهم. كما يفصل أحكام جهاد المشركين بدعوتهم للإسلام أو قتالهم، وأهل الكتاب بإسلام أو جزية مع الصغار.
يوضح الدرس جواز عقد الإمام الصلح مع الكفار إذا تحققت مصلحة راجحة، كما فعل النبي ﷺ في الحديبية تعظيماً للحرمات وحقناً للدماء وتفرغاً للدعوة. وقد تفرغ النبي بعد الصلح لغزو خيبر وإرسال الرسل إلى الملوك، بينما بلغ بديل بن ورقاء قريشاً رسالة النبي فرفضها سفهاؤهم وقبلها ذوو الرأي.
أرسل النبي ﷺ كتباً إلى كسرى وقادة الأمم يدعوهم للإسلام، فاستقبلوها بالتعظيم إلا كسرى الذي مزق الكتاب فدعا عليه النبي فتمزق ملكه. وفي عهد عمر رضي الله عنه فتح المسلمون بلاد الفرس وانتصروا في القادسية واستولوا على كنوز كسرى بتأييد الله، محققين وعد النبي بقتالهم حتى ينفذ أمر الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فخذنا في الدرس الذي مضى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لورقاء أو لبديل بن ورقاء الخزاعي، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهيكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا مادتهم مدة»؛ أي: صالحتهم مدة، لأن الصلح المطلق مع الكفار العبد لا يصح ولا يجوز، لأن الله عز وجل أمر ببغضهم وعداوتهم، كما قال الله عز وجل: ﴿لقد كان لكم أسوة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. فالمسلم والكافر بينهما لا بد أن المسلم يبغض الكافر، حتى ولو كما ذكرنا قبل، حتى ولو كان جاره ويحسن إليه، أي: المسلم، لكن من ناحية المحبة لا يحبه، لا يحب الكفار. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام جعل المدة، أو هذا الصلح مدة، الصلح مدة، ولأن أيضاً لا بد من جهاد الكفار إذا لم يسلموا، فلهذا ما يكون الصلح مطلقاً، ما يكون الصلح مطلقاً وأبداً، فهذا خطأ ولا يجوز، بل لا بد أن يحارب أولئك الكفار الذين لم يقبلوا هذه الدعوة. فإن كانوا من الوثنيين فيجاهدون على أن يسلموا، وإن كانوا من أهل الكتاب فإنهم إما أن يدخلوا الإسلام وإما أن يكونوا في حكم أهل الإسلام فيعطوا الجزية، كما قال الله عز وجل: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وقال الله عز وجل في المشركين: ﴿فاقتلوهم حيث وجدتموهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾، ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فدل على أن الكفار من أهل الشرك، من عبدة الأوثان ومن كان نحوهم، فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا الإسلام. لكن قد يكون بينهم وبين المسلمين صلح، إما لأجل ضعف في المسلمين، أو لأجل مصلحة يراها ولي الأمر وخليفة المسلمين، يرى هناك مصلحة للصلح، فلا بأس أن يفعل ذلك، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه كان جيشه أقوى من جيش الكفار، إلا أنه صلح معهم؛ أولاً لأجل تعظيم حرمات الله جل وعلا، وتعظيم أيضاً دماء المسلمين الذين كانوا بمكة، وكذلك أيضاً لأجل أن يخلوا بينه وبين الناس. «يخلوا بينه وبين الناس»؛ معنى يخلوا: يدعوا، يدعوا الناس إلى دين الله جل وعلا. فقريش لم تجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، فكل سنة يجعلون حرباً. أولاً بدأوا ببدر، ثم بعد ذلك جاءت أحد وحمراء الأسد وغيرها من الغزوات، وجاءوا بعد ذلك في السنة الخامسة بالأحزاب، فشغلوا النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه بهذه الحرب. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتقيهم، فجعل هذا الصلح الذي كان بينه وبينهم عليه الصلاة والسلام، حتى قال: «حتى يخلوا بيني وبين الناس»؛ أي: أدعو الناس إلى دين الله، وأتفرغ لهم، وأتفرغ أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم لليهود الذين كانوا يتربصون به الدوائر. فلهذا أول ما بدأ عليه الصلاة والسلام بدأ باليهود إلى خيبر، فذهب إلى خيبر وحاصرهم، فلم يستسلموا، ثم بعد ذلك استسلموا بعدما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مدينة خيبر، ودخلوا من الحصن، فلما دخلوا استسلمت اليهود، استسلمت اليهود. ثم بعد ذلك دعا أيضاً الناس، وأرسل عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة الرسائل إلى الملوك يدعوهم إلى الله جل وعلا. أرسل إلى قيصر: «من محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيصر عظيم الروم، أسلم تسلم، تسلم، فإن أبيت فعليك إثم الأريسيين». وهكذا أرسل إلى كسرى، كسرى بن هرمز ملك الفرس، وأرسل أيضاً إلى اليمن إلى سيف بن ذي يزن، وأسلم رضي الله عنه، وأيضاً كذلك أرسل عليه الصلاة والسلام إلى مصر، وإلى بني غسان، وإلى غيرهم من الملوك، أرسل إليهم رسائل، وكلهم قابلوا هذه الرسائل بالتعظيم، وأيضاً كذلك بالاحترام، إلا كسرى، فإنه مزق الكتاب الذي جاءه من النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا عليه صلى الله عليه وسلم: «اللهم مزق ملكه»، فتمزق ملكه، وصار كنوزه كلها للمسلمين. ففي عهد عمر رضي الله عنه، أولاً غزا عمر رضي الله عنه، أو جيوشه غزت، والهرمزان وهو المحور لكسرى، ثم أن الهرمزان اصطلح مع المسلمين، بل أسلم، وجاء إلى المدينة، ثم بعد ذلك ذهبوا إلى كسرى إلى مكانه، وحصلت الغزوة الكبيرة العظيمة، غزوة القادسية، ثم كسر أهل الإسلام جيش الفرس، مع أنهم كانوا لهم الجولة والصولة، ولهم أيضاً القوة، لكن كسرت جيوشهم وهزموا، حتى ذهب أهل الإسلام بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، أو بقيادة تقصد سعد بن أبي وقاص، إلى كسرى، ودخلوا إلى عرشه، وأخذوا كنوزه. وهذا كله بتأييد الله عز وجل. وأيضاً بالمصالح التي حصلت من هذا الصلح، من المصالح التي حصلت من هذا الصلح أنه أمن هؤلاء الكفار من قريش، وتفرغ لغيرهم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في كلامه: «ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، إذا أظهرت وصار لي الظهور والحكم، وأسلم الناس، فإن شاءوا دخلوا هذا الإسلام، وهذا راحة لهم، وقد كفوا الحرب». قال: «وإن هم أبوا، فوالذي نفس محمد بيده، لو قاتلنهم على أمر هذا حتى تنفرد سالفتي»؛ أي: حتى تذهب عنقي، حتى أموت، وأقاتلهم وأقاتلهم على هذا الأمر، حتى قال: «ولينفذن الله أمره». فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء هذا الكلام، فانطلق بديل إلى قريش، وقال: «إن قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء». وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته». وإن شاء الله هذا المقطع نعلق عليه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.