الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عرض بديل بن ورقاء على قريش خطة النبي صلى الله عليه وسلم للموادعة، فرفض السفهاء السماع بينما طلب الحكماء التفاصيل. ثم تدخل عروة بن مسعود مؤيداً للخطة ومتطوعاً للذهاب إلى النبي للتفاوض مستنداً إلى ثقة قومه فيه.
تحالفت قريش مع قبائل ثقيف وغطفان وهوازن لصد النبي صلى الله عليه وسلم عن الكعبة، مما يدل على ضعفها بعد الحروب المتتالية. ويعتبر هذا الصد من الكفار عن سبيل الله كما ورد في القرآن، وسما الله صلح الحديبية فتحًا مبينًا في سورة الفتح.
يوضح المقطع أن الله سما صلح الحديبية فتحًا مبينًا رغم شروطه الظاهرة، ثم يستعرض مفهوم الصد عن سبيل الله الذي وصف به الكفار والمنافقون وأهل البدع. مبينًا أن كل من خالف الكتاب والسنة أو دعا إلى بدعة فهو صاد عن سبيل الله سواء كان كافرًا أو منافقًا أو مسلمًا مبتدعًا.
يذكر المقطع في خاتمة الدرس أن قريشاً جمعت القبائل المحيطة بمكة لصد الناس عن سبيل الله، وأن عروة بن مسعود الثقفي استأذن قريشاً للذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. على أن يُستكمل حديثه وتفاصيل المفاوضات في الدرس القادم إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فوقفنا عند قول بديل بن ورقاء لقريش: «إني جئتكم من عند هذا الرجل» -أي النبي عليه الصلاة والسلام- «وهو عارض عليكم خطة، فإن شئتم أخبرتكم بما قال». فقال سفهاؤهم: «لا تخبرنا بشيء عن هذا»، وقال حكماؤهم: «قل ماذا قال؟». فذكرنا في الدرس الذي مضى أن السفهاء هم الذين يفسدون على الناس أديانهم ودنياهم، وكذلك أيضًا طريقتهم. فلذلك في هذا المقطع قال الحكماء -أي الذين عندهم حكمة، وعندهم رأي-: «هات ما قال»، أي: الشيء الذي قال. فذكر لهم بديل بن ورقاء الخزاعي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذكر الخطة التي أراد أن يمادهم بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما قال: «إن شاءوا ماددتهم مدة يخلوا بيني وبين الناس». فذكر لهم هذا، فقال عروة بن مسعود: «أتفقون يا قوم؟ فإن الرجل قد عرض لكم خطة رشد، فابعثوني إليه». ثم قال لهم: «ألست بالوالد؟ ألست بالولد؟» وأراد أن يبين أنه لن يخونهم، وهم يثقون فيه، وأنه سيذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويكلمه. وعروة بن مسعود هو ثقفي من الطائف، من أهل الطائف. لكن كما قد ذكرنا قبل أن قريشًا جمعوا من حولهم، جمعوا من حولهم حتى يصدوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البيت، نادوا القبائل التي حولهم: ثقيف، وغطفان، وهوازن، وغيرهم من القبائل التي قرب مكة، واستعانوا بهم حتى يدفعوا -حتى يصدوا- رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البيت. وأيضًا كذلك هذا يدلنا -كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام- أن قريشًا قد أنهكتهم الحرب، أنهكتهم الحرب، ما يستطيعون أن يواجهوا وحدهم، فلذلك استعانوا بالقبائل القريبة منهم، استعانوا بقبائل من قبائل العرب حتى يصدوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا شك أن الصد من الكفار هو من الأمور التي يردون بها دين الله جل وعلا، كما قد ذكرنا في ما مضى في حديث الغار: الأسباب التي تجعل الناس يرتدون عن دين الله جل وعلا ويصدون عن سبيله. فلذلك ذكر الله عز وجل صد الكفار عن سبيل الله كثيرًا: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا وصف اليهود، ووصف الكفار أيضًا من المشركين بمثل هذه الأوصاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وغيرها من الآيات التي ذكرها الله. ومنها أيضًا في هذا الصدد الآية التي في سورة الفتح، وكما قلنا أن سورة الفتح هي في صلح الحديبية، هي في صلح الحديبية. ولهذا جاء عن جماعة من المفسرين كابن عباس ومجاهد وغيرهم أن الفتح الذي ذكره الله عز وجل في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ هو صلح الحديبية نفسه، سماه الله عز وجل فتحًا. وسياتي إن شاء الله تعالى معنا لماذا سمى الله عز وجل صلح الحديبية فتحًا مع أن فيه شروطًا كانت -أو كان بعض أهل الإسلام لم يقبلها- ولكن سماه الله عز وجل فتحًا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. فلذلك صلح الحديبية كان فتحًا، كما قلنا في ذكره الله عز وجل في سورة الفتح. وفي سورة الفتح ذكر الله عز وجل الصد: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام، فهم يصدون عن المسجد الحرام، أي عن العبادة وعن الطاعة. فلذلك فصدوا هؤلاء الكفار مما وصفهم الله عز وجل به. وهذا الصد أيضًا وصف الله عز وجل به المنافقين: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فالمنافقون أيضًا يصدون عن سبيل الله جل وعلا. بل كل من عارض كتاب الله وسنة رسوله وجاء بغيرهما فهو صاد عن سبيل الله. كذلك الذي ينشر في الناس الرذيلة، يشيع أيضًا هذه الأمور الباطلة، فهو يصد أيضًا عن سبيل الله. فالصد عن سبيل الله قد يكون من الكافر، قد يكون من المنافق، وقد يكون حتى من المسلم. أهل البدع يصدون عن السنة، يصدون الناس عن أهل السنة، بل يشوهون أهل السنة، بل يشوهون السنة بهذه البدع. تجدهم يحرصون على البدع وينكرون السنة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويدعون إلى هذه البدع. فدعوتهم إلى البدع هي صد عن سبيل الله وصد عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك فالصد وصف به هؤلاء الكفار، وهو أيضًا قد يكون من أهل الإسلام. فلذلك كما قلنا أن قريشًا جمعت القبائل التي حول مكة ليصدوا عن سبيل الله عز وجل. فقال عروة بن مسعود -أو استأذن قريشًا حتى يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام-. إن شاء الله تعالى في الدرس اللاحق نذكر ما ذكره عروة بن مسعود الثقفي وما ذكره للنبي عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.