صلح الحديبية مسائل وأحكام 19

صلح الحديبية مسائل وأحكام 19

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عرض النبي صلى الله عليه وسلم الصلح على قريش ورد السفهاء

بعث النبي صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء إلى قريش يعرض الصلح، فرفض السفهاء سماع العرض بينما طلب ذوو الرأي سماعه، ووضح المقطع معنى السفه في القرآن بأنه سوء التصرف والقول مستشهداً بآيات البقرة وقصة موسى مع العجل.

قصة السبعين رجلاً من بني إسرائيل وسؤالهم رؤية الله

اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً للميقات فأخذتهم الرجفة لطلبهم رؤية الله جهرة، فدعا موسى ربه فأحياهم بعد موتهم، واستدل الكاتب بذلك على هلاك الأمم بتسلط السفهاء محذراً من إمارتهم.

علامات الساعة: تسلط السفهاء وذهاب الأمانة

استعرض المتحدث أحاديث نبوية تدل على أن من علامات الساعة تسلط السفهاء على العامة وتقديمهم على الحكماء، وذهاب الأمانة بوضع الأمر في غير أهله، وضرب مثلاً بكلبة حامل صبرت على الأذى فلم تنبح إكراماً للضيوف.

أهمية الحكمة والحلم في كلام المسلم ودعاء التوفيق

يجب على المسلم أن يتحلى بالحكمة والحلم، فلا يتكلم فيما لا يحسنه ولا في ما لا يعنيه، لأن الكلام بغير علم يوقع في الخطأ ويضر بدين الله وأموال الناس وأعراضهم، والدعاء أن يجعلنا الله حلماء حكماء راغبين في الرجوع إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فوقفنا عند قول بديل بن ورقاء -رضي الله عنه- الخزاعي، لما كلم النبي صلى الله عليه وسلم، أو كلمه النبي صلى الله عليه وسلم، على الصلح، وأنه يخبر قريشًا بذلك. فقال: «سأبلغهم ما تقول». قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، أي انطلق بديل بن ورقاء الخزاعي إلى قريش. وفي رواية أنه سفيان بن الحارث الخزاعي، فذهب إلى قريش وأخبرهم بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أرادوا الصلح جعل بينهم صلحًا، وإن أرادوا أن يمهلوا النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن يرون هل يظهر أو أنه لا يظهر، فإن ظهر دخلوا مع الناس وراحوا أنفسهم، وإن لم يظهر فقد كفوا هذا الأمر، وإلا إن أبوا إلا العناد والمحاربة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقاتلهم حتى ولو ضربت عنقه عليه الصلاة والسلام». فقال لهم بديل هذا الكلام. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: «إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل»، أي النبي صلى الله عليه وسلم، «وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، أن إذا أردتم أن نعرض قوله عليكم عرضنا». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء». وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته». هنا نقف عند قوله: «قال سفهاؤهم». السفهاء هم الذين لا يحسنون التصرف، فإذا كان في المال أو في الرأي أو في الكلام، كل ذلك يدل على أن السفيه المراد به الذي لا يحسن التصرف، يسمى في الشرع سفيهًا. فقال الله عز وجل على اليهود: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]، سماهم سفهاء لأنهم أتوا بكلام لا يقوله عاقل. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]، فالأمر لله عز وجل، ما دخلكم أنتم تتدخلون في هذه الأمور؟ وأيضًا لما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 13]، يريدون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أنؤمن كما آمن السفهاء؟» قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]، هم السفهاء أصلًا لأن هذا لا يقوله عاقل، أناس من أهل الإيمان وآمنوا بالله يقال لهم سفهاء، فما سفيه إلا من يقول ذلك، فهو لا يحسن التكلم ولا التصرف. وأيضًا غالبًا تطلق السفاهة على العاتي والفاسق الذي لا يبالي بحرمات الله وينتهك حرمات الله، وقد يكون كافرًا، وقد يكون مسلمًا لكنه مسلم فاسق عاصٍ. ولهذا موسى كليم الله لما اختار قومه من قومه سبعين رجلًا بعد أن اتخذوا العجل، بعد أن اتخذ العجل قوم موسى، أراد موسى أنهم يتوبون إلى الله بعدما نسف العجل ورماه في البحر، هذا العجل الذي كانوا يعبدونه، وقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: 88]، أي موسى نسي أنه إله حتى بلغ السامري إلى مثل هذا الشيء. لكن لما جاء موسى من عند ربه جل وعلا، كسر هذا العجل ورماه في البحر، وأنكر على هارون، ثم كلم السامري كما ذكر الله عز وجل في عدة سور. فلما فعلوا ذلك أراد موسى عليه السلام أنهم يتوبون إلى الله، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 155]. فالله عز وجل لما جاء هؤلاء السبعون رجلًا واختارهم موسى، أي اختار خيرة الناس، أفضل سبعين في قومه، اختارهم وذهب بهم إلى الجبل، الجبل الطور. فلما وقفوا في الجبل اهتز الجبل ورجف بهم، حتى قيل أن بعض المفسرين قالوا أنهم ماتوا، ومنهم من قال أنهم لم يموتوا لكن أصابهم مثل الفزع، وهذه الرجفة التي أصابتهم بسبب أنهم طلبوا أن يروا الله، قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. أرادوا أن يروا الله عز وجل، فقد أسمعهم الله عز وجل كلامه، لم يكتفوا بذلك، فقالوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]، مع أن موسى طلب من ربه جل وعلا أن يراه، فقال الله عز وجل: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعيقًا، فلما أفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. ولهذا لما طلب بنو إسرائيل هذا الطلب، جعل الله عز وجل عليهم هذه الرجفة والصعقة، فخافوا، قيل أنهم ماتوا، وهذا ظاهر الآيات لأن الله عز وجل قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56]. لما حصل لهم هذا، بكى موسى ودعا ربه، كيف يأتي بني إسرائيل وهؤلاء الذين كانوا أفضل ناس ماتوا بسبب الرجفة؟ فقال موسى: «ماذا أقول لبني إسرائيل وخيرتهم قد ماتوا وقد قتلهم الله؟» فدعا الله عز وجل كما جاء في الروايات عن ابن عباس وغيره، قالوا: دعا موسى، دعا الله كما جاء في القرآن، وبكى وقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: 155]، بسبب هؤلاء السفهاء تهلكنا الذين اتخذوا العجل، فهذا من باب التودد إلى الله عز وجل والتوسل إليه سبحانه وتعالى بالتلطف والترحم إليه جل وعلا. فاستجاب الله عز وجل لموسى وأحياهم بعد أن أماتهم، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56]. فللهذا فالسفيه هو الذي يضيع أمر الأمة، السفيه هو الذي أيضًا بسببه تهلك الأمم. ولهذا تجد أن من علامات الساعة مما ذكر في الأحاديث أن السفهاء هم الذين يتسلطون، يتسلطون على الحلماء وعلى الحكماء وعلى ذوي الرأي، تكون السلطة وتكون الكلمة للسفهاء، هم الذين يمشون الكبار، يمشون أيضًا ذوي الرأي فيهم، فالكلمة تكون لهم مسموعة، وأحيانًا هم الذين يكونون في القيادة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حذر هذه الأمة من إمارة السفهاء، إمارة السفهاء معنى يكونون أمراء، كما جاء في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة. وأيضًا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أنس، والحديث حسن في الشواهد، وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: «سترون سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، الخائن يؤتمن على أموال الناس وعلى دمائهم وعلى أعراضهم، ويخون الأمين، الأمين يخون، وأما الخائن فهو يؤتمن، وينطق فيهم الرويبضة». قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة». قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة». هذا السفيه يتكلم له كلمة في الناس ويسمع له، وهو سفيه لا يعرف، لا يعرف أن يتصرف ولا يحسن الكلام، وهو يقود الناس، وأيضًا يسمع له. السفيه يتكلم في أمر العامة. وأيضًا جاء هناك حديث عند أحمد من حديث أبي هريرة أيضًا، أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه قال: «ضَافَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ضَيْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، يعني جاء ضيف، هذا الضيف من بني إسرائيل جاء عنده رجل من بني إسرائيل، قال: «وَكَانَ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ كَلْبَةٌ، كَلْبَةٌ مُجْحٌ»، أنا حامل، هذه كلبة كانت حاملًا معنا، ستلد وستضع في تلك الليلة، فجاء الأضياف، فقالت هذه الكلبة مع أنها كلبة: «وَاللَّهِ لَا أُزْعِجُ أَضْيَافَ صَاحِبِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ، مَا سَأُزْعِجُهُمْ أَبَدًا»، معنى ما سأصيح، معنى غالبًا أن الكلبة التي تلد تصيح حتى تلد، فقالت: «فَلَا لَا أَنْبَحَ»، جاء في الرواية: «لَا أَنْبَحَ أَضْيَافَ صَاحِبِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ». قال: «فَوَلَدَتْ وَلَمْ تَنْبَحْ، صَبَرَتْ عَلَى الْأَذَى حَتَّى وَلَدَتْ، وَلَدَتْ». فقال: «هَذِهِ الْكَلْبَةُ السَّفِيهَةُ صَارَتْ حَكِيمَةً». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَّ سَتَأْتِي بَعْدَ، يَقْهَرُ سُفَهَاؤُهَا حُلَمَاءَهَا». قال: «هَذَا مَثَلٌ»، معنى ضد هذا، مثال قبل هذه، السفيهة الكلبة صارت حكيمة، فهي لم تزعج أضياف صاحبها، وسيأتي في أمة من الأمم، معنى يريد آخر الأمة، آخر هذه الأمة، وليس هناك أمة بعد أمة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «هَذَا مَثَلٌ لِأُمَّةٍ سَتَأْتِي يَقْهَرُ سُفَهَاؤُهَا حُلَمَاءَهَا»، معنى الكلمة تكون لسفهاء، تكون لهم الكلمة والجول والصولة، وهم يتصرفون في أمر العام. فللهذا تأتي تكثر الفتن لأنهم ما يعرفون التصرف. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه رجل الأعرابي قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟» قال له: «إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَانَ...»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا ذَهَبَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، وجاء في رواية: «إِذَا رُفِعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قال: «وَكَيْفَ تُرْفَعُ الْأَمَانَةُ؟» قال: «إِذَا وُسِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانحكم الناس وتصرف في الناس السفهاء، فيأتي بعد ذلك الفتن والقلاقل والأشياء المهينة، وتكثر البلايا في الناس، وهذا سبب في إهلاك الناس وبعدهم عن دينهم. فللهذا فهؤلاء السفهاء هم شر كل ذي شر، وكل شر قوم هم هؤلاء السفهاء. ولهذا لما جاء بديل يقول لهم، قال السفهاء: «نَحْنُ مَا نُرِيدُ كَلَامَ هَذَا الرَّجُلِ». وانظر أيضًا أن الأتباع السفهاء يكونون أشد عنادًا في الباطن من حتى من رؤسائهم، حتى من رؤسائهم يكون أشد عنادًا. فالمهم أن المسلم ينبغي أن يكون حكيماً حليماً، لا يتكلم في شيء له وهو يحسنه، لا أيضًا كذلك يكون ممن يتكلم في أشياء لا دخل له فيها ولا يحسن فيها الكلام، فيخطئ أكثر مما يصيب، بل لا قد لا يصيب، وقد أيضًا يضيع أمورًا قد تكون من دين الله عز وجل، قد تكون أيضًا من أموال الناس، وقد تكون أيضًا من أعراضهم، ويفسد في بين الناس أكثر مما يصلح. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا حلماء حكماء، يجعلنا سبحانه وتعالى من الراجعين إليه، والحمد لله رب العالمين.