صلح الحديبية مسائل وأحكام 17

صلح الحديبية مسائل وأحكام 17

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفاوضات النبي صلى الله عليه وسلم وصلح الحديبية

يتناول المقطع طلب النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع كفار قريش وعرض الدخول في دين الله، ورفضهم لذلك. ويؤكد النبي على نصر الله ووعده بدخول المسجد الحرام آمنين، حالفاً بـ «الذي نفسي بيده» مبيناً أن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء.

أنواع الأيمان ومشروعية الحلف بأسماء الله وصفاته

يبيّن المقطع جواز الحلف بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلى كالعزة والرحمة والمغفرة، ويوضح أن قول النبي ﷺ "والذي نفسي بيده" يدخل في الحلف بصفة الملك لله. كما يناقش خلاف العلماء في "لعمرك" ويرجّح الأفضلية بقول "لعمري الله" استناداً للقرآن والسنة.

أحكام الحلف بالطلاق والنهي عن الحلف بغير الله

يبيّن المقطع أن الحلف بالطلاق يُعد حلفاً بصفة من صفات الله لارتباط وقوعه بأمره وقدرته، ويحرم الحلف بغير الله كالأب والأم مستدلاً بحديث النهي عن الحلف بالآباء. كما يحذر من الإكثار من الأيمان في البيع وغيره لكونها ممحقة للبركة.

النهي عن الإكثار من الحلف في البيع وآدابه

يحذر المتحدث من الإكثار من الأيمان في المعاملات التجارية حتى لو كانت صادقة، لأن كثرة الحلف تمحق البركة من البيع. ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف بأيمان مقتصدة مثل «والذي نفسي بيده»، على أن يُكمل الموضوع في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شاء على الكفار»، وقوله لبديل بن ورقاء: «إن شاء مادتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس». ففيه كما قلنا طلب الصلح مع الكفار، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضاً الكلام على الصلح في عقده، لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع الكفار، كفار قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن أظهر... فإن شاء يدخلوا فيما دخل فيه الناس»، فعلوا أن إذا أظهر الله عز وجل وأظهر دعوته فهم لهم من يدخلوا في دين الله جل وعلا. وهذا فقط من باب الجدال، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم واثق من ربه جل وعلا أنه سينصره وسينصر دينه، وأنه سيدخل المسجد الحرام مثل ما وعده الله جل وعلا. فلهذا الله عز وجل قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. و«إن شاء الله» هنا من باب التحقيق لا من باب التعليق، معناه أنكم ستدخلون إلى الحرم، إلى حرم الله جل وعلا، وإلى بيت الله، وأيضاً ستطوفون بالبيت: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً. فلهذا قال لهم نبي عليه الصلاة والسلام هنا: «فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا»، أي فقد أراحوا أنفسهم من القتال، أراحوا أنفسهم من الجم، أي أراحوا. قال: «وإنهم أبوا»، وأنا رفضوا هذا العرض وهذا الطلب، طلب الصلح. قال: «وإنهم أبوا، فوالذي نفسي بيده». وهذا دائماً يحلف النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحلف، وهذا من الحلف بالصفات، هو «الذي نفسي بيده»، لأن أنفسنا بيد الله، أنفس الناس بيد الله جل وعلا، إن شاء أزاغها وإن شاء أقامها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامها وإن شاء أزاغها»، أي أزاغ هذا القلب. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. فهذه القلوب وهذه الأنفس بيد الله جل وعلا، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحلف بهذا، ويقول أيضاً: «لا ومقلب القلوب»، «لا ومقلب القلوب»، أيضاً هذا يمين كان النبي عليه الصلاة والسلام يحلف به. وهذا من باب تنوع اليمين، جاءت الشريعة بتنوع الأيمان، الأيمان كثيرة، ليس فقط أن يقول: «والله»، هذا يعتبر من اليمين، أيضاً يقول: «بالله»، «وتالله»، أيضاً هذا من اليمين، وأيضاً يجوز أن يحلف بكل اسم من أسماء الله، يجوز أن يحلف بكل اسم من أسماء الله، يقول: «بالرحمن»، «بالرحيم»، يقول مثلاً: «والعزيز»، «والغفار»، هذا كله يمين. وأيضاً يجوز الحلف بصفات الله جل وعلا، يقول: «وعزة الله»، ويقول كما قال الشيطان: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وفي الحديث قال جبريل: «فبعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها»، إلا طمع أن يدخلها إلى الجنة. وأيضاً كذلك بأي صفة من صفات الله له أن يحلف بها، بالعزة، بالمغفرة، بمغفرة الله، برحمة الله، بقوة الله، كل ذلك يجوز أن يحلف به. فالحلف بصفات الله عز وجل جائز، الحلف بصفات الله بأسمائه سبحانه وتعالى كله جائز. وأيضاً هذا من هذا الباب، «والذي نفسي بيده»، أي لأن الأمور بيد الله، ففيه صفة ملك الله عز وجل، وأن كل شيء لا يخرج عن أمره سبحانه وتعالى، فيقول العبد: «والذي نفسي بيده». وهناك أيضاً بعض العبارات كان استعملها للجاهلية في القسم، مثل: «لعمري الله»، «لعمري الله كذا». واختلف العلماء في مسألة في قول الإنسان: «لعمرك»، هل هو يمين أم أنه ليس يميناً؟ فقال بعض العلماء: يمين، ويراد به «لعمرك»، أي أن الله عمرك، يحلف بأن الله عمره. وقيل: «لعمرك» ليس من باب اليمين، وإنما من باب الحث عليه، أن الله عز وجل أعطاه هذا العمر. لكنه لما يقول: «لعمرك»، ففيه كأنها يمين، فلهذا أجاز العلماء هذا اليمين لأن الناس اعتادوا. وقد جاء أيضاً في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، في سورة الحجر. فلهذا قال العلماء أنه يجوز أن يقول هذا، والأفضل أن يقول: «لعمر الله». ويقول أيضاً: ومن الحلف أيضاً أن يحلف بكل ما يدل على صفة الله، ولهذا جعل كثير من هالعلم من يحلف بالطلاق فهو حلف بصفة من صفات الله، وهو وقوع الطلاق، الطلاق لا يقع إلا بأمر الله. فالذي يقول مثلاً: «طلاق علي»، أو يقول: «امرأة طالق إن فعلت كذا»، لكن هذا قال العلماء يحتاج إلى نية، فإن كان نيته تطليق امرأته فتكون طالقاً، وإن كان قصده اليمين فتكون يميناً. كيف تكون يميناً؟ لأن الطلاق لا يقع إلا بأمر الله، فهو عندما يحلف بالطلاق يحلف بأمر الله جل وعلا، أي بوقوع الطلاق، يحلف بأمر الله، وأيضاً بقدرة الله جل وعلا على كل شيء. وأما الحلف بغير الله جل وعلا وبغير أسماء وصفاته فهو محرم، لا يجوز، لا يجوز أن يحلف الإنسان بأبيه ولا بأمه ولا بغير ذلك. وقد جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع عمر يحلف بأبيه، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». «ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، يعني يسكت عن الحلف، لا داعي أنه يقول: «والله». والمؤمن أيضاً ينبغي عليه أن لا يجعل الله محلاً لليمين دائماً في لسانه، يحلف على كل شيء، سوى كان هذا الشيء يستحق الحلف أو لا يستحق. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، أي لا تحلف إلا في شيء محقق. فبعض الناس تجده يحلف في كل شيء، في كل ما يريد أن يتكلم به يقول: «والله»، «وربي»، وكذا، فهذا ليس صحيحاً. وخاصة إذا كان لإنفاق السلع، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة»، أو قال: «منفعة للسلعة، ممحقة للبركة». اليمين التي تكون دائماً، الإنسان البائع دائماً يحلف: «والله بكذا»، «والله اشتريتها بكذا»، فإن كان كذباً فهو إثم عظيم، يحلف بالله عز وجل كذباً، وإن كانت صحيحة فهو لا ينبغي أن يكثر من الحلف، فإن الحلف كثرة الحلف ممحقة للبركة. هو يريد أن ينفق سلعته فيقول: «والله اشتريتها بكذا»، «والله معنى أخذتها بكذا»، «وعطيت فيها كذا»، فهذا إن صدق فلا ينبغي له أن يكثر من الحلف، فإن الحلف كثرة الحلف تكون ممحقة للبركة التي يكون فيها هذا البيع. فلهذا فاليمين تكون كما قلنا بأنواع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف به مثل هذا الحلف: «والذي نفسي بيده». فإن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين. شكراً