الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 17، ألقاها
يتناول المقطع حديث الإمام البخاري عن مسدد بن مسرهد وشرح مراسيل الصحابة ومقبوليتها عند العلماء. ثم ينتقل إلى موضوع الحياء في العلم وفرقه بين الحياء الشرعي والخجل الذي يمنع من أداء الواجبات الشرعية.
يشرح المقطع الفرق بين الحياء الشرعي والحياء الذي يمنع من طلب العلم، ويبين أن الحياء الشرعي لا يمنع من التفقه في الدين بل يشجع عليه. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأفعال نساء الأنصار.
يشرح المقطع صلة زينب بنت أم سلمة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت ربيبته وبنت أخيه من الرضاعة. كما يذكر سؤال أم سليم للنبي عن احتلام المرأة ووجوب الغسل عليها إذا رأت الماء.
يشير المقطع إلى انتهاء الحديث عن موضوع معين في الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد بن الحسن البصري. وبعض العلم يذكر اسما اسما لمسدد لبعض آبائه. وبعض العلم يقول: إنه صحيح، وبعضهم يقول: إنه ليس بصحيح. هو مسدد بن مسرهد بن مطربل بن عربل بن مغربل بن مستورد. وهذا بعضهم يقول: إنما بعض هذه الأسماء صحيحة: مسدد بن مسرهد بن مغربل رب الحسن البصري. وأما بعض الأسماء فهي زيادة من بعض الرواة: مسدد بن مسرهد بن مطربل بن عربل. وإلى هذه حتى كان بعضهم يقول: قرية على ابن معين، هذا الاسم. فقال: هذه رقية العقرب، ليس هذا اسمًا. قال مسدد: قال الإمام البخاري: مسدد، وهو مسدد كاسمه، المسدد هو الذي يصيب. مسدد كان حافظا كبيرا من حفاظ أهل البصرة. قال: حدثنا معتمر، أو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، قال: سمعت أبي. قال: وأبو سليمان بن طرخان البصري التميمي، قال: سمعت أنسا قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة». قال: «لا أبشر الناس». قال: «لا، إني أخاف أن يتكل». وهذا الحديث هو من مراسيل الصحابة، إنه يعتبر من مراسيل الصحابة لأن أنسا أرسله. قال: ومراسيل الصحابة مقبولة عند عامة العلم، ورسول الصحابة الذين سمعوا، أن الصحابة الذين سمعوا هي مقبولة عند عامة العلم، إلا جاء عن بعضهم الضرار أبو إسحاق الإسفرايني أو غيره، وعارض في هذه المسألة، وهو قول شاذ. فمراسيل الصحابة مقبولة عند عامة العلماء. وهؤلاء الصحابة الذين سمعوا، أما الذين لم يسمعوا وإنما كانت رؤية فقط، فهؤلاء مراسيلهم كما رجح الإمام وحاتم وغيره، مراسيلهم كمراسيل كبار التابعين. مراسيلهم كمراسيل كبار التابعين، كمثلا عبد الله بن يوسف بن يوسف بن عبد الله بن سلام. يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: النبي صلى الله عليه وسلم رآه رأيا. وكذلك أيضا محمد بن عبد الله أو محمد بن أبي بكر الصديق، وكذلك محمد بن طلحة بن عبيد الله. هؤلاء ذكروا في الصحابة، لكنهم لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما رعاهم النبي صلى الله عليه وسلم رؤية، وهم صغار، على قد لا يتجاوزوا حتى السنة. فلهذا هؤلاء إنما يدخلون في جملة الصحابة لشرف الرؤية، لشرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وأما حديثهم، فهو يعتبر حديث مراسيل كبار التابعين. قال: باب الحياء في العلم. باب الحياء في العلم. وقال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». وقالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». وهذا الباب: باب الحياء في العلم، أي ما كان منه أو ما كان يمدح منه، ما كان من الإيمان. وما كان يذم، وهو أصلا ليس حياء شرعيا. فالحياء الذي يمنع من أمور شرعية، كما مثلا يمنع من إنكار المنكر حياء، لا ينكر منكر حياء، حتى باللسان، وهو يستطيع أن يتكلم، لكن استحياء ترك هذا الحياء. وإن سمي حياء، فهو ليس حياء شرعيا، لأن الحياء الشرعي كله خير، كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الحياء كله خير». كما جاء في حديث عمران بن حسين. وأما هذا، فهو خجل. وإن سمي لغة حياء، وإن سمي في اللغة حياء أيضا. كذلك هذا الحياء الذي ذكره مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». على المستحي الذي يكون مثلا عنده سؤال ولا يسأل، لم يفهم ولا يسأل. كذلك أيضا أشياء كثيرة تغيب عنه ولا يسأل عنها، أو لا يجلس حلقة العلم استحياء. وكل هذا من بعض أو الأشياء التي تصد عن العلم. فقال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». فهذا الحياء هو حياء لغوي، لكنه هو بمعنى الخجل. وأحيانا يكون هذا بمعنى الجبن. فلهذا فالحياء الشرعي كله خير، كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قول عائشة: لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، لأن الحياء الذي هم فيه حياء شرعي. فالحياء الشرعي لا يمنع من العلم. بل إنه أي الحياء الشرعي يؤيد على العلم. وكذلك أيضا يروض النفس على طاعة الله جل وعلا، وعلى الخوف من الله. فالحياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «الحياء من الإيمان». لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعظ أخاه في الحياء، قال: «لا تعظوا، فإن الحياء من الإيمان». وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «الحياء كله خير». فلهذا الحياء لا يمنع من التفقه في الدين. فنساء الأنصار كن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن كل شيء. حتى جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟». حتى غضت أم سليم وجهها، وقالت: «فضحت النساء». يا أم سليم، فهذا ما في حياء. ولهذا مدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار، لأنهن كن في السؤال معنا، لا يخجلن في السؤال في العلم. وأما في أمور أخرى، فهن من أشد الناس حياء، فهن من أشد الناس حياء، رضي الله عنهن. لكن في الدين فكن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا محمد بن سلام. ومحمد بن سلام صحيح الذي مشى عليه كثير من هذا العلم، أنه بتخفيف اللام: سلام، وليس سلام. وجاءت رواية عنه أنه قال: إن أبي ليس بالتشديد. أنا كان يقول: إن أبي ليس بالتشديد، تشديد اللام. لكن بعض أهل العلم كالحافظ ابن رجب يقول: إنها لم تثبت. إنها لم تثبت عنه. لكن درج العلماء على أن محمد بن سلام بالتخفيف. وكذلك أيضا عبد الله بن سلام، عبد الله بن سلام الصحابي. هؤلاء محمد بن سلام البيكندي، وعبد الله بن سلام الصحابي، فهؤلاء الذين هم بالتخفيف في البخاري ومسلم. وفي واحد منظر تالح. وأما بقية ما يذكر سلام أو بهذا اللفظ، فهو بالتشديد، مثل مثلا أبو الأحوص سلام بن سليم. سلام بن سليم. قال: أخبرنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، وكان راوية الأعمش، أنه كان أثبت الناس في الأعمش. ويكتب عن الأعمش. وكان الناس إذا سمعوا من الأعمش، جاءوا إلى أبي معاوية وتأكدوا من حفظهم ذاك الحديث. قال أبو معاوية: «من أثبت الناس في الأعمش». لكنه إذا روى عن غير الأعمش، أحيانا يخلط. إذا روى عن غير الأعمش أحيانا يخلط. قال رحمه الله: قال حدثنا هشام، وهو هشام بن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى، قال: عن نبيه، وهو عروة بن الزبير، عن زينب ابنة أم سلمة. وزينب هي ربيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، بنت أبي سلمة. والنبي صلى الله عليه وسلم عمها من الرضاعة، وكذلك هو زوج أمها. زوج أمها. ولهذا لما قالت بعض النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إننا سمعنا أنك تريد»، وهذه أم حبيبة، معنى أنها كانت تعرض أختها على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها. فقال: «فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبا». فقالت: «إننا نسمع أنك تريد أن تتزوج ببنت أبي سلمة». فقال: «بنت أم سلمة، فإن لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي». فهي بنت أخيه من الرضاعة. فأبو سلمة قال: «أخي من الرضاعة، أرضعتنا ثويبة، وهي مولاة لأبي لهب». فهي زينب تقرب للنبي صلى الله عليه وسلم أولا أنها عمها من الرضاعة، النبي صلى الله عليه وسلم أخوها من الرضاعة، وهو أيضا زوج أمها. زوج أمها. فهي ربيبة، وهي من بنت أبي سلمة بن عبد الأسد. قال: عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة. وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية، وهي زوجة أم سلمة. أبو سلمة، ثم لما مات أبو سلمة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات أبو سلمة في المدينة، فتزوجها بعد ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم. قال: جاءت أم سليم، وأم سليم هي أم أنس، وهي من بني النجار، من أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي من أخوال حراب بن ملحان، حراب بن ملحان الذي قتل في غزوة القراء. لما غزا القراء السبعون الذين قتلوا، كان أحدهم حراب بن ملحان، أخو أم سليم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهم، يحب هؤلاء الأنصار القراء الذين حفظوا القرآن، وكانوا رجال صدق. وهم الذين نزلت فيهم قول الله جل وعلا: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. فأم سليم هي بنت ملحان، وستُلِف في اسمها، وقيل: بالرميصاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكأنه بالرميصاء في الجنة». وهي أم سليم، قيل: أن اسمها فاطمة، وقيل: غير ذلك. جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت الماء». قال: «فغطت أم سليم»، تعني وجهها، وقالت: «يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟». قال: «نعم، تربت يمينك، فبما يشبهها ولدها». وهذا الحديث فيه شدة ما كان عليه نساء الأنصار من الحرص على علم وعلى السؤال، ولم يمنعهن كما قالت عائشة الحياء أن يسألن عن دينهن وأن يتفقهن في الدين. فقالت: «إن الله لا يستحي من الحق». وقدمت بهذه المقدمة العظيمة حتى يتسنى لها مثل هذا الكلام. فقالت: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟». وأرادت بالاحتلام هنا احتلام المرأة، أي احتلامها بأن زوجها يجامعها، فهذا احتلام المراد به احتلام المرأة. فقالت: «نعم، إذا رأت الماء». فقالت أم سليم: «وتحتلم المرأة؟». فقال: «نعم، تربت يمينك، فبما يشبهها ولدها». على أنها تخرج مثل معنى الماء، مثل ما يخرج الرجل. والضابط أن الاحتلام قد يخرج من المرأة، وأما غالبا في الجماع لا يخرج إلى خارج. والرجل والله أعلم. هذا ما يذكر في هذا الحديث، إن شاء الله وتعالى نكمل في درس قادم والله تعالى أعلم.