شعبان مسائل وأحكام 4

شعبان مسائل وأحكام 4

الدرس في شعبان مسائل وأحكام 4، شعبان وغفلة الأنام . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استحباب العبادة في أوقات الغفلة

يُناقش أهمية العبادة في الأوقات التي تكثر فيها الغفلة، ويُستفاد من ذلك قاعدة فقهية تُشجع على الطاعة في أوقات الغفلة. جاء استدلال بحديث أسامة بن زيد وفعله عليه الصلاة والسلام في صيام شهر شعبان.

مضاعفة الأجور في أزمنة الغفلة وأماكنها

تحث الشريعة على كثرة العبادة والطاعة وتضاعف الأجور في أزمنة الفتن والغفلة لأن الناس يكونون في غفلة عن العبادة. جاءت الأحاديث والآثار لتحث على إحياء هذه الأزمنة والأماكن بالطاعة.

حكمة إحياء أوقات الغفلة بالعبادة وتضاعف الأجر

يشرح حكمة الشرع في الحث على إحياء أوقات الغفلة بالعبادة مثل شهر شعبان، ويذكر ثلاثة أسباب لمضاعفة الأجر في هذه الأوقات. الأسباب هي تجنب الرياء، ومشقة العبادة في الغفلة، وإحياء الأرض بطاعة الله.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الخشوع والتضرع لله تعالى وختم الدرس بما يدل على الرجاء في القبول.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا في هذا المقام، إخواني في الله، نتذاكر وإياكم ما يتعلق بهذا الشهر المبارك، ألا وهو شهر شعبان. قد مضى معنا ما يتعلق بفضيلة هذا الشهر والزمان، وأنه شهر ترفع فيه الأعمال. وأيضًا بالمقابل ينبغي أن نعلم أن هذا الشهر هو شهر الغفلة، فتكثر فيه الغفلات، كما مضى ذلك معنا في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس»، فهو شهر تقع فيه الغفلة، ولهذا صامه عليه الصلاة والسلام. ومن هنا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن كثرة صيامه عليه الصلاة والسلام لحصول الغفلة فيه. من هنا استفاد جماعة من أهل العلم فائدة عظيمة، مفادها أنه في الأوقات التي تكثر فيها الغفلة، يستحب فيها العبادة والتعبد لله عز وجل. وهذا المعنى قد جاء ذكره في أدلة أخرى، يستدل بها على هذه القاعدة: أنه في أوقات الغفلة يستحب فيها الطاعة والعبادة. مثاله ما كان من فعله عليه الصلاة والسلام، أنه يومًا من الأيام أخر صلاة العشاء تأخيرًا طويلًا، حتى دخل عليه بعض الصحابة وأخبروه بأنه قد نام النساء والصبيان، فنام. فحينها أقامها نبينا عليه الصلاة والسلام، وأخبرهم بسبب تأخيره لصلاة العشاء: بأنه الآن لا أحد ينتظرها إلا أنتم. مثال آخر فيما يتعلق في زمن الغربة، عندما يضعف الدين وتقل الطاعة وتكثر الأهواء والأطماع، فيكون المستمسك بالدين قليل. ما هم هنا؟ قامت الشريعة بذكر الأجور الكثيرة الحاثة والحاضة على ضرورة التمسك بالدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «طوبة للغرباء». فسرت بعدة تفاسير، منها: طوبة أي جنة، وقيل: طوبة هي شجرة ظلها ألف سنة، يسير الراكب تحت ظلها ولا ينقطع. وقيل غير ذلك. كذلك مثله ما يكون في زمن الفتن، ثبت في صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». العبادة في الهرج، الهرج ها هنا في هذا الموطن، فسر بأيام الفتن. ففي أيام الفتن العبادة والتعبد فيها كأجر من هاجر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. لماذا المضاعفة؟ لأنه في زمن الغفلة تقل وتضعف عند الناس العبادة والتعبد. فلما كان هذا الوقت وقت غفلة، فوقت الغفلة عن العبادة والطاعة، حثت الشريعة بكثرة الأجور على أن الناس يقبلوا بكليتهم على الله وعلى رسوله بالطاعة والعبادة. وهكذا قس، فتجد أن الأزمان التي تقع فيها الغفلة، فالشرع استحب أن تحيى بالطاعة والعبادة، حتى في أماكن الغفلة، مثل أماكن السوق، وهو من أعظم أماكن غفلة الناس، الصياح والضجيج، وقل من يذكر الله عز وجل في هذه الأماكن، وهي الملهية عن طاعة الله وعن ذكر الله. جاءت الآثار على أنه من ذكر الله وأتى بدعاء السوق، كان له الأجر الكبير: ألف حسنة، ومحيت عنه ألف سيئة، إلى غير ذلك. على من يرى تصحيح هذا الحديث؟ لماذا هذه المضاعفة في الأجور؟ قالوا: لأنه سيذكر الله في مكان غفلة. من تأمل في الأدلة الشرعية العامة، يرى أنها تصب في هذا المصب: أنه في الأماكن - أماكن الغفلة - وأزمان الغفلة، أن الشرع يحث فيها على العبادة والتعبد لله جل وعلا. ومن هنا قاس العلماء، لم يكتفوا بهذه الأشياء التي نص عليها من خلال الأحاديث، وإنما أجروا القياس على كل زمان غافل أو مكان غافل، فإنه يشرع لك - يا عبد الله - أنك تحييه بشيء من العبادة والتعبد، فإن لك الأجر المضاعف. ذكر الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى عن جمع من السلف، أنهم كانوا يستحبون إحياء ما بين المغرب والعشاء بطاعة الله، لأنه كان في أوقات أزمان غافلة. وها نحن كذلك في مثل هذه الأزمان، بعد الشروق مثلًا، أو بعد الفجر، لربما تجد المساجد فارغة من المصلين، فلا يمكث إلا القليل. هذا زمن غافل، يستحب فيه أن تكثر من ذكر الله جل وعلا. ما يستفاد من حديث أسامة، عندما قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس»، فلما أشعر نبينا عن وجود غفلة الناس عن هذا الشهر، أحياه نبينا عليه الصلاة والسلام بالعبادة والتعبد. تأتي مسألة مهمة، وهي: لماذا الشرع حث ورغب وحض على إحياء أوقات وأزمان الغفلات؟ حتى أنه ضاعف الأجر وضاعف الثواب؟ العلماء في هذه المسألة ذكروا عدة علل. منها: أن صاحبها يكون من أبعد الناس عن الرياء والسمعة، لأنه سيتعبد الله في وقت الغفلة، غفلة الناس، ما هناك أحد إلا القليل الذين هم معه في هذا المضمار. ففي غفلة الناس عندما تتعبد الله جل وعلا، أنت ما تنتظر من أحد لا رياء ولا سمعة ولا ثناء ولا شكور. ما هناك حشود ولا هناك حضور، وإنما الذي يجعلك تتعبد الله هو قوة إيمانك. السبب الثاني: أن التعبد في أزمان الغفلة يحتاج من الإنسان إلى قوة من القدرة والمشقة، لأن طبيعة الإنسان - وخاصة ونحن نتحدث عن أهل الإسلام - في باب العبادة والتعبد، تجد أن المسلم إنما ينشط في الهيئة الجماعية، في الجماعة. أنت تنشط وهكذا، وهذا المتبادر. ولهذا دائمًا الشريعة تحف على الهيئة الجماعية لأنها أبرك وأنها أيسر في العبادة والتعبد. الأمر الثالث مما يذكره العلماء من أسباب مضاعفة الأجور والثواب في حق من يتعبد الله في أزمان الغفلة: أن في هذه الفعلة - وهو أنك تحيي العمل الصالح في أزمان الغفلة - فيه أنك تحيي الأرض وتحيي المعمورة وتحيي الأوقات بطاعة الله جل وعلا، وأن لا تتعطل. وهذه حكمة عظيمة في شرع الله عز وجل: أن الله عز وجل يطلب من العباد أنهم يكونوا على عبادة بحيث تبقى هذه الدنيا العبادة فيها لا تنقطع تستمر. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.