الدرس في شعبان مسائل وأحكام 3، ليلة النصف من شعبان في الميزان . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتناول حكم الصيام بعد نصف شعبان ويبحث في صحة حديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وآراء العلماء في دلالته. يُبين آراء الفقهاء في مسألة شرعية الصيام في النصف الثاني من شعبان.
يناقش اعتقادات الناس حول ليلة النصف من شعبان وتخصيصهم لها بأعمال لم ترد في الشرع. يستعرض أقوال العلماء في حكم هذه الأعمال وخصوصًا صلاة الألفية.
يُناقش التحذير من ابتداع عبادات في شهر شعبان ويُحذر من صلاة الرغائب وصلاة مئة ركعة. يُوضح أن الفضيلة الحقيقية لشهر شعبان تكمن في صيام النبي عليه الصلاة والسلام.
يختم المتحدث حديثه بالتأكيد على أهمية ليلة النصف من شعبان ويحمد الله على نعمه. يشير إلى تنبيه الناس على الأخطاء التي يقعون فيها خلال هذه الليلة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، أشرنا إلى مسألة فضيلة الصيام، ونحن في شهر شعبان، وذلك اقتداءً بنبينا عليه الصلاة والسلام، وأيضًا اغتنامًا لفضيلة شعبان، فهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد. وإن مما أحب أن أنوه عليه وهي مسألة قد يتداولها بعض الناس وتنطبع في الأذهان، ألا وهي هل شرعية الصيام تستمر إلى الختام، أي ختام شعبان؟ وإنما هذا السؤال يطرح لمن يقف عند حديث نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». وهذا الحديث جاء من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. فالشاهد أن بعض الناس يتمسك أو يرى أن ظاهر الحديث وأن ملفوظه يدل على أن شعبان إذا انتصف لا صيام بعد انتصاف شعبان. فلا تصوموا. وإن النظر، إخواني في الله، إلى هذا الحديث يكون من عدة أوجه. المسألة الأولى: ينبغي أن ننظر إلى صحة الحديث حتى ننظر إن كان يعول عليه بالاستدلال أم لا. الصحيح والذي عليه جماعة من الأئمة من أئمة الجرح والتعديل ومن الجهابذة المحققين: أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لم يرو العلاء بن عبد الرحمن حديثًا أنكر من هذا الحديث. وقال يحيى بن معين رحمه الله تعالى، واصفًا هذا الحديث: حديث منكر، حديث منكر. وهكذا مثله ما ذهب إليه الإمام أبو داود، قال: كان عبد الرحمن بن مهدي -وهو من أئمة الحديث- لا يحدث بهذا الحديث، ما يحدث به، يعرض عنه تمامًا. وهكذا قال إمام الأثرم رحمه الله تعالى: الأحاديث كلها تخالفه، كلها تخالفه. ومن من ذهب إلى تضعيفه الإمام البيهقي والإمام الذهبي، وهكذا الإمام أبو زرعة وجماعة، فتجد أن أئمة الجرح والتعديل على إعلال هذا الحديث. وبهذا انتهينا، ولا إشكال عندي بضعفه، ما عندي إشكال. إذن مشروعية الصيام تستمر إلى ختام شعبان. بالمقابل، من بالإنصاف من أهل العلم من ذهب إلى تحسين الحديث وأنه حديث يحتج به وأنه حديث حسن، صرح جماعة من العلماء بتصحيح الحديث كالإمام الترمذي، وهكذا الحاكم وابن حبان وابن عبد البر والعلامة الألباني وسماحة الشيخ بن باز. نعم، نعترف، هؤلاء قالوا: لا، الحديث ليس بضعيف، الحديث صحيح، الحديث صحيح. لكن مع هؤلاء، وهم الفريق الثاني الذين ذهبوا إلى صحة هذا الحديث، ما أخذوا بظاهره. فأكثر هؤلاء قالوا: إن الحديث إن صح يحمل على الكراهة، ولا يحمل على التحريم. فما يستطيعون أن يحرموا أحدًا صام واستمر في صيام شعبان، قالوا: مكروه، وأن الأفضل الترك، وإن صام ما يستطيع أن نلومه. هذا قول آخر، منه من قال: هو صحيح لكنه منسوخ، منسوخ، ما يُعمل به، إسناده صحيح لكن العمل ليس عليه، كما صرح بهذا الترمذي رحمه الله. ومنهم من ذهب إلى أن هذا الحديث إنما يُعمل به في نطاق خاص، وهو ما أشار إليه جماعة من أهل العلم: أنه في حق إنسان يدخل عليه شعبان ولا يصوم حتى ينتصف شعبان، إذا انتصف شعبان الآن يبدأ بالصيام عمدًا، يتعمد اختيار هذا التوقيت، هنا قال علماء: نعم، هذا يدخل في الحديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». فالشاهد، إخواني في الله، أن المذهب الثاني مع قولهم بصحة الحديث إلا أنهم ما أخذوا بظاهره، وإنما حملوه بعدة محامل التي سمعتموها. والصحيح الذي سمعتموه في بداية المبحث ما ذهب إليه الجهابذة من أهل العلم: بأن هذا الحديث معل، بأنه معل ولا يثبت. وأن الإنسان يغتنم شعبان بكثرة الصيام، لما مر معنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «وما رأيت أكثر صيامًا منه في شعبان»، وقالت: «كان عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان إلا قليلاً»، إلا قليلاً. فالأحاديث الكثيرة كما قال إمام الأثرم: كل الأحاديث تخالفه، تخالف حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوم». هنا، إخواني في الله، أذهب إلى مسألة تلتحق بما نحن بصدده، لا زلنا مع «إذا انتصف شعبان»، النصفية أو قل: تعبر بالشعبانية، وهي ليلة النصف من شعبان، كهذه الليلة. هذه الليلة نجد أن فئامًا من الناس يميزونها بعظيم الامتيازات من الاعتقادات، ومن تخصيص الأقوال والأفعال والأحوال والإتيان بعبادات وشرائع وتقوّص، وكل ذلك مما لم ينزل الله به من سلطان. وقد تنوعت، ولست في هذا المقام بصدد تتبع الأعمال التي ابتدعها الجهال في مثل هذه الليلة، في ليلة النصف من شعبان، وإنما حسبي أن أذكر ما ذكره جماعة من أهل العلم حول مسألة ما تكون من الاعتقاد بفضيلتها. فبعض الناس يعتقد أن هذه الليلة ليلة فضيلة، فتجده يتجشم عناء الاهتمام والعناية والرعاية والاحتفالات، تختلف من جيل إلى آخر، ومن عادة إلى أخرى، من بلدة إلى أخرى. فبعض الناس يجعل لهذه الليلة شيئًا من الهالة من هالة التعظيم والتقديس، والأمر كذلك لا، الأمر ليس كذلك، هي كباقي الليالي. انظر كيف الليالي السابقات مرت عليه، هي هي، ما هناك مزية، وما هناك ماذا بيان؟ لمزيد اعتراف، يقول ابن وضاح رحمه الله تعالى: ويحدث عن زيد بن أسلم قال: ما أدركت أحدًا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ما كان هذا يعرف لا عن مشايخنا ولا عن علمائنا. ونحن كذلك، هذا الذي عهدنا من مشايخنا وعلمائنا، ما كان منهم أحد يكترث بهذه الليلة، فلا يرفع لها رأسًا، ولا يرقى لها ببال. قال: ما أدركت أحدًا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان. وقال أبو شامة رحمه الله تعالى، وهو ينقل عن إمام الحافظ أبي الخطاب أنه قال: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح. ما عندي في ميزان الشرع والتحقيق والبحث العلمي ما عندي حديث صحيح يدل على فضيلة ليلة النصف من شعبان. ومما أذكره من هذه البدع الذي اخترعها فئام من الجهال، وننظر إلى أقوال العلماء، هناك صلاة تنشأ مثل هذه الليلة تسمى بالصلاة الألفية، الألفية، وهذه الصلاة الألفية سميت بهذا الاسم الألفية لأنه يقرأ فيها بقول «هو الله أحد» ألف مرة، هي مئة ركعة، مئة ركعة يقرأ فيها بقول «هو الله أحد» ألف مرة، سميت بالصلاة الألفية، ويقال عنها بصلاة البراءة، بصلاة البراءة. والذي ابتكر هذه العبادة نعم يرى أنه استند إلى حديث، وهو ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «يا علي، من صلى ليلة النصف من شعبان مئة ركعة بألف قل هو الله أحد قضى الله له كل حاجة طلبها تلك الليلة». وقد نجد مثل هذه الأوقات في التواصل في الواتساب أو التليجرام أو انستجرام ينشرون مثل هذه المنشورات التي فيها الاستغلال ليلة النصف من شعبان بهذه الصلاة. ننظر إلى أقوال العلماء في حكمهم على هذه الصلاة، وعلى حكمهم على هذا الحديث المروي. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه «الفوائد المجموعة»: حديث موضوع، موضوع، بمعنى مكذوب، قال: حديث موضوع ورجاله مجهولون. قال الإمام السيوطي واستمع للإمام السيوطي قال بالمثل: قال حديث الموضوع رواته مجاهيل وضعفاء، حديث الموضوع ورواته ضعفاء ومجاهيل. وقال كذلك ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: ومنها أحاديث صلاة النصف من شعبان، يذكر الأحاديث الموضوعة، أشار عرضًا، قال: ومنها أحاديث صلاة النصف من شعبان، ثم قال: والعجب من شم رائحة العلم بالسنة أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها. عجب، هل هذا رجل شم رائحة العلم، فضلاً أن يكون من أهل العلم وينتسب للعلم وأهله، ثم إذ به يصليها، من أين تصليها بهذا الحديث المتهالك المتآكل الموضوع المكذوب المصنوع الذي ما تلفظ به نبينا قط عليه الصلاة والسلام حاشا، وإنما هو من صنع المجاهيل والضعفة، فلا يفعل ذلك إلا من كان من عداد الجهلة، وهؤلاء لا يؤتسى بهم أبدًا. وهكذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «المجموع»: قال رحمه الله تعالى: الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وصلاة النصف من شعبان مئة ركعة، يتحدث عن هاتين الصلاتين: صلاة الرغائب والصلاة الألفية وصلاة النصف من شعبان مئة ركعة. قال: هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا تغتر بذكرهما في «قوت القلوب» أو «إحياء علوم الدين»، ولا بالحديث المذكور، فإن كل ذلك باطل، كل ذلك باطل، أي فيما جاء في الحديث وما جاء في مشروعية الصلاة. فشاهد إخواني في الله أن أقوال العلماء واضحة جلية في بيان أن هذه بدعة، وإنما هذا أنموذج، أنموذج واحد فقط أذكره لكم من عبادات كثيرة. وإلا عندي عدة عبادات قد سطرها العلماء وحذر العلماء منها، ومن أين حذر العلماء من واقع الناس؟ ذاك يأتي بصلاة، ذاك يأتي بصيام، ذاك يأتي بزكاة، ذاك يأتي بصدقة، ذاك يأتي بأشياء كثيرة، وكل ذلك -سبحان الله- كل ذلك فعلوه وهم على خلاف السنة. السنة هنا السنة الصيام، سم سم يا عبد الله ما سيصم، انظر لاستحواذ الشيطان، عجيب والله عجب، يعني تأتي إلى من أمثال هؤلاء الذي يذهب يمنة ويسرة، يذهب بعيدًا وتجر، وذاك يذهب غربًا وتسحبه سحبًا، يا عباد الله إلى أين تريدون شعبان؟ هذه الفضيلة ثبت في البخاري، ثبت في مسلم، ثبت في السنن، بإجماع العلماء على أن النبي كان يكثر من صيام شعبان، عليك بهذا، احرص، احرص على هذا أبدًا، ما سيحرص، لكن استحوذت عليه شياطين الإنس والجن، يذهب يمينًا إلى البدع وإلى المنكرات وإلى المحدثات. أختم المجلس إخواني في الله بخاتمة أخيرة، وهي أن من فضائل شعبان فضيلة واحدة، فضيلة نصف شعبان، فضيلة واحدة، وهي مختلف بها بين العلماء، لكن وقع الخلاف في الحديث المروي، وهو ما جاء في السنن عند ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يطلع ليلة نصف من شعبان فيغفر لكل عبد فيغفر لعباده إلا لمشرك أو مشاحن». هذا الحديث نعم وقع فيه الخلاف، هل هو صحيح؟ هل هو ضعيف؟ النزاع قوي بين العلماء من أهل العلم، أعله بعلل فيه الوليد بن مسلم، فيه إنباط الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ممن انتصر لصحته، قال: صحيح، وأن هذا الحديث لأبي موسى الأشعري له شاهد من حديث معاذ بن جبل، ومن هنا ومن هنا يرى أن هذا الحديث صحيح. وقد جرى على ذلك علماء كالمنذري رحمه الله تعالى، وبعض العلماء على صحة هذا الحديث، مفاده أن الله يطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لمشرك أو مشاحن. هذا الحديث لو سلمنا بصحته، فهذا لا يقدم ولا يؤخر فيما ذكرنا، لأن هذا الحديث لا يتعلق بعمل، وإنما يتعلق بفضل، فضيلة، فضل من الله عز وجل خص الله به هذه الأمة المحمدية، نور على نور. شعبان شهر فاضل، ومما زاده شرفًا على صحة الحديث أن الله يغفر يغفر لعباده، إذن ما الذي تفعله؟ لا تفعل شيئًا، لا تفعل شيئًا، ستأتي المغفرة تأتيك، وهذه هبة من الله عز وجل، فلا يأتي يقول: خلص، أنا سأقوم الليل، لا تفعل شيئًا، اجعل هذه من الله، إن الله اطلع ليلة نصف من شعبان فغفر لعباده، هذه هبة من الله عز وجل. فلا يأتي آت مثلاً ويستدر بصحة الحديث على أنه يأتي بعبادة، بدليل، بدليل يا عبد الله، من حدث بالفضل؟ من حدث نبيك عليه الصلاة والسلام؟ من الذي فعل؟ هل خص شعبان أو نصف شعبان؟ هل خص بقيام، بصيام، بصدقة، بنفقة؟ الجواب: لا، ما خصها بشيء. إذن نأخذ هذا الحديث على العين والرأس، ونحمد الله، نحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا بهذه الهبة منه، فضل محض من ربنا جل في علاه. فهذا إخواني في الأهم المسائل التي أعرج عليها في مثل هذه الليلة، وهي ليلة النصف من شعبان، وإنما نبهت عليها لكثرة ما سمعت من تداعيات الناس بالأخطاء والسلوكيات التي ما ينبغي أن تكون فيها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.