صلح الحديبية مسائل وأحكام 39

صلح الحديبية مسائل وأحكام 39

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صلح الحديبية: تأجيل العمرة وأحكام العهد مع المشركين

يتناول المقطع اتفاق النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو على تأجيل الطواف بالبيت إلى العام المقبل، مبيناً أن المؤمن يقدم رضا الله على رضا الناس ولا يخشى لوم لائم. كما يوضح جواز الأخذ بعهد الكافر إذا كان معروفاً بالصدق، مستدلاً بآيات تبين أن المشركين غالباً لا يوفون بالعهود، وأن من استقام منهم في العهد يُستقام له.

وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الغدر في الإسلام

يؤكد المقطع أن الوفاء بالعهد من أبرز صفات المؤمنين، بينما الغدر والخيانة من صفات المنافقين استناداً للقرآن والسنة. ويبين أن المسلم ملزم بالوفاء ببيعته للإمام وطاعته ما استطاع، محذراً من عواقب الغدر يوم القيامة كما ورد في حديث ابن عمر.

عاقبة الغدر يوم القيامة والوفاء بالعهود في السيرة النبوية

يوضح المقطع فضاحة الغدر وعقوبة الغادر يوم القيامة حيث يُشهر به بلواء تحت استه، ويستعرض التزام النبي صلى الله عليه وسلم بصلح الحديبية ووفاء المشركين ثم نقضهم للعهد بقتل خزاعة مما أدى لفتح مكة. ويختم بالتحذير من غدر اليهود والروافض وعدم ثقتهم بالعهود، مؤكداً أن الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين.

خاتمة الدرس وتقرير الحكم بالدليل

يختتم المتحدث كلامه بتقرير أن الحكم المذكور مستند إلى الدليل الشرعي، مع تفويض العلم المطلق لله تعالى. ويختم بالحمد والثناء على الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فأخذنا في الدرس الذي مضى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لسهيل بن عمرو في اتفاق أو صلح الحديبية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنتطوف به»، فقال سهيل: «والله لا تتحدث العرب أن نؤخذ ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل». فهذا الذي اتفق عليه النبي عليه الصلاة والسلام وسهيل بن عمرو: أنهم لا يطوفون في هذا العام، أي لا يدخلون مكة في هذا العام، وإنما يدخلون مكة في العام المقبل. وقد ذكرنا فائدة في قول النبي صلى الله عليه وسلم، معنى قوله أو قول سهيل: «والله لا تتحدث العرب أن نؤخذ ضغطة»، وإذ أن المؤمن ينظر إلى رضا الله عز وجل ولا ينظر إلى رضا الناس ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله، بل هم يخشون الله جل وعلا. فما دام أن الأمر فيه رضا لله فهم يفعلونه، ولا يخشون أحداً إلا الله، ولا يخافون لوم لائم. وأيضاً في هذا المقطع: أن النبي عليه الصلاة والسلام هنا أخذ بقول هؤلاء الذين هم أهل الشرك، أخذ بقولهم ووعدهم، وهذا فيه لا بأس أن المؤمن يأخذ كلام الكافر ويأخذ عهده إذا كان يعلم أنه من أهل الصدق أو الذين يصدقون. ولهذا الله عز وجل بين أن المشركين غالباً لا يصدقون في عهودهم ويخونون هذه العهود، فقال جل وعلا: ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ﴾. ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ أي: إذا كانوا على استقامة في العهد لا يخونون ولا يخدعون، فهؤلاء لا بأس أن تتعاهد معهم. ولهذا قال الله عز وجل للنبي: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ﴾. فإن إذا كانوا خونة لا يوفون بالعهود فلا تفعل ولا تتفق معهم ولا تعاهدهم لأنهم خونة، فقال: ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾، فلا تترك هؤلاء الذين هم أهل فساد وأهل خيانة. ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾. فلهذا أهل الشرك غالباً لا يأخذون بالعهد ولا يوفون به. لكن لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل مكة، وقال: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرومات الله إلا أعطيتهم إياها»، رضي النبي صلى الله عليه وسلم بعهدهم. وهكذا من عرف عنه أنه يأخذ بالعهود ولا ينقضها فلا بأس أن يتعاهد معه. فآل الإسلام أكثر الناس أخذاً بالعهد، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ﴾. وقد أيضاً أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن عدم الأخذ بالعهد والخيانة ليست من صفات أهل الإيمان، وإنما من صفات أهل النفاق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فلهذا فالغدر ليس من صفات أهل الإيمان، وصفات المسلمين سواء كان فيما بينهم البين، أو سواء كان فيما بينهم وبين إمامهم أو غير ذلك، فإن الغدر لا يجوز، ولا يجوز أن يغدر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشاً أوصاهم أن لا يغدروا، أوصاهم أن لا يغدروا، لا يغدر أبداً، الغدر ليس من شيم أهل الإسلام ولا من صفاتهم. وأما كذلك مع الأئمة، فإن أئمة المسلمين أيضاً إذا بويعوا لا يجوز للمسلم أن يغدر بهم وينقض هذه البيعة بأفعال ليست صحيحة، أو ينقض هذه البيعة بأعذار واهية. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده» - معنى عاهده على هذه البيعة وأعطاه - «فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فليطعه ما استطاع». وهذا يدل على أن المسلم لا بد أن يفي بعهده، وأن الخيانة ليست من صفات أهل الإيمان، والغدر ليس من صفات أهل الإيمان. ولهذا جاء في الصحيحين أن عبد الله بن عمر لما بايع الناس لعبد الملك بن مروان، واستتبت البيعة له، جمع أولاده وقال لهم: «إني مبايع لهذا الرجل» - معنى بعدما استقرت الأمور - «قال: إني مبايع لهذا الرجل، ولا أرى أحداً منكم يتخلف عن مبايعته ويغدر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لكل غادر لواء يوم القيامة يقام عند استه، يقال: هذه غدرة فلان، لكل غادر لواء يوم القيامة» - في الموقف أو في وقت الحساب أو غيرها من هذه الأماكن العظيمة - «فيؤتى بالغادر ويوضع كالعلامة، لكل غادر لواء يعقد لواء تحت استه، استه: معنى المكان الذي يجلس، معنى تحت مجلسه، فيوضع هذا اللواء: هذه غدرة فلان، هذه غدرة فلان، معنى يشهر به يوم القيامة أنه إنسان غادر». وهذا من أعظم ما يبين أن الغدر ليس مما يتحمله المسلم، ولا ينبغي للمسلم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على العهود، فلهذا النبي - ربنا جل وعلا قال: ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾، هؤلاء الذين عاهدتم في صلح الحديبية. قال الله عز وجل: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾، ما دام أنهم على ما قالوا فاستمروا في هذا العهد ما لم ينقضوا. واستمروا سنة وشيئاً قليلاً، معنى وفوا بعهدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي ويطوف بالبيت من العام المقبل. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء أو عمرة القضاء، دخل النبي صلى الله عليه وسلم معه أصحابه واعتمر في السنة السابعة، ووفى أولئك المشركون بذلك. ثم بعد ذلك نقضوا، ثم بعد ذلك نقضوا العهد، فقتلوا أناساً من خزاعة في الحرم، قتلوا أناساً من خزاعة في الحرم، فنقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل بعد ذلك، تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودخلوا إلى مكة، وفتحت مكة بعد ذلك. فلهذا كما قلنا: أن الأصل أن هؤلاء لا يثق بهم ولا يثق بعهودهم، مثل اليهود، اليهود أخزاهم الله لا يثق بعهودهم، ليس لهم عهد ولا ذمة، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون. فاليهود لا يلتزمون بعهد ولا ذمة، بل الغدر صفة فيهم. وتبعهم أيضاً الروافض أخزاهم الله، الروافض أيضاً ليس لهم عهد ولا ذمة، وغالباً يستخدمون التقية، يستخدمون التقية لأجل خداع أهل الإسلام وخيانة أهل الإسلام. فلهذا فليس لهم عهد ولا ميثاق، وهم يغدرون ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة إذا تسلطوا، وإذا استطاعوا أن يقتلوا أهل الإسلام فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. فلهذا أهل الإسلام هم الذين يحافظون على العهود، وإذا حصل كما قلنا أن هناك من الكفار من يفي بالعهود فلا بأس أن يتعاهد معه. فهذا الذي دل عليه الدليل، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.