صلح الحديبية مسائل وأحكام 37

صلح الحديبية مسائل وأحكام 37

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيعة الرضوان: الأسباب والملابسات

أثناء مفاوضات صلح الحديبية انتشر خبر مقتل عثمان بن عفان فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيعة تحت شجرة الدوم، فبايعه نحو 1400 صحابي على الموت والثبات. عكست هذه البيعة إخلاص الصحابة واستعدادهم للتضحية في سبيل الله ورسوله.

بيعة الرضوان: دلالاتها وثناء القرآن عليها

بايع الصحابة على الثبات وعدم الفرار فأنزل الله السكينة عليهم وأثنى عليهم في سورة الفتح وبشرهم بفتح قريب. دل ذلك على مكانة هذه البيعة وعظيم أثرها في تثبيت قلوب المؤمنين.

قطع عمر بن الخطاب لشجرة البيعة سداً للذريعة

اختلف الصحابة لاحقاً في تحديد مكان شجرة البيعة فقطعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه منعاً للغلو وسداً للذريعة المؤدية إلى الشرك. يعكس هذا التصرف حرص الصحابة على حماية التوحيد وإغلاق أبواب الفتنة.

استئناف المفاوضات وعقد صلح الحديبية مع سهيل بن عمرو

بعد وصول عثمان بن عفان وسلامته عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عقد الصلح مع سهيل بن عمرو ممثل قريش. سيُفصل في الدرس القادم بنود هذا الصلح التاريخي وآثاره على الدعوة الإسلامية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لكل خير، ونستعين به سبحانه وتعالى. فقد ذكرنا في الدرس الذي مضى في صلح الحديبية: عندما جاء سهيل بن عمرو، وسهيل بن عمرو هو من بني عبد الدار، عبدري من قريش. وجاء سهيل ومعه مجموعة من الكفار من كفار قريش، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأرادوا أن يعقدوا ذلك الصلح. وافقت قريش أن يعقدوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلح. فلما اجتمعوا، ونبي سهيل - قال تعالى: ﴿ فَاقْضُوا إِلَيْنَا ﴾ [الزخرف: 77] - وحصل شيء من المقاضة. فحصل أن أحد الفريقين - يعني فريق الكفار وفريق المسلمين، ولم يذكر الراوي من الذي بدأ - حصل أن أحد الفريقين رمى بسهم للفريق الآخر، فاستوفز الناس وقاموا وتراموا بالنبل. فأخذ المسلمون سهيل بن عمرو ومن كان عند رسول الله فحجزوه، وحجزت قريش عثمان بن عفان ومن معه من المسلمين. فحصل أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء تلك المناوشات سمع أن عثمان قد قتل. ومن جاء بهذا الخبر لم يذكر في الروايات من الذي جاء بهذا الخبر للنبي عليه الصلاة والسلام. وتوقع بعض أهل العلم أن الذي ذكر هذا بعض الكفار، كأنهم يريدون كيدًا للمسلمين، فذكروا لبعض المسلمين أن عثمان قد قتل. فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام أن عثمان قد قتل، وأن قريشًا تريد حربًا - ولهذا كانوا يرمون بالنبل - اجتمع، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة. وقد أشرنا إلى هذه البيعة في درس سابق. فنادى النبي صلى الله عليه وسلم، أو منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيعة، فاجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم عند سدرة، سدرة معروفة أنها شاء العلم، شجرة الدوم. فاجتمع الصحابة رضي الله عنهم عند النبي عليه الصلاة والسلام عند سدرة. وبعض الصحابة لم يسمع ذلك النداء، لكنه لما رأى اجتماع الناس جاء واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال جابر: قرابة 1400. فصارت بيعة الرضوان، بيعة الرضوان التي ذكرها الله عز وجل في سورة الفتح: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]. فربنا جل وعلا علم ما في قلوب هؤلاء الصحابة من الإخلاص ومن الصدق ومن اليقين بموعود الله، وأنهم رجال، رجال صدق يدافعون عن دين الله جل وعلا. لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيعة جاءوا وبايعوا، فقالوا: يا رسول الله، أبايعك على الموت؟ قال: لا. قال: على أن لا تفر. وجاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان على الموت، على الموت. وقال جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: نبايعك على الموت يا رسول الله؟ قال: لا، لكن على أن لا تفر. فقد يكون سلمة لم يسمع هذا الكلام من رسول الله، لأن الناس تواردوا معنا، لم يأتوا كلهم دفعة واحدة. لكن من سمع النداء جاء، ومن لم يسمع وراء الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم جاء. مثلما جاء في صحيح مسلم عن عمر أن عمر كان جالسًا، فرأى الناس يجتمعون، فقال لعبد الله بن عمر: يا عبد الله، اذهب وانظر لماذا اجتمع الناس عند رسول الله؟ فذهب عمر - أو ذهب عبد الله بن عمر - ورأى الناس يبايعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبايع، ثم ذهب إلى أبيه وأخبره أنهم يبايعون، فجرى عمر وأسرع حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايع. وهذه البيعة لأجل القتال مع قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل وعقد هذه البيعة لأجل أنه سمع أن عثمان بن عفان قد قتل، فلذلك حصل من النبي عليه الصلاة والسلام هذا. وأيضًا كذلك في هذا الأمر، كما قلنا، إخلاص الصحابة رضي الله عنهم وفدائهم لدين الله، وأنهم جعلوا أنفسهم لله سبحانه وتعالى، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يفروا. ومعنى أن لا يفروا: يثبتوا حتى الموت، كما جاء في بعض الروايات أنه جاء من حديث سلمة أو غيره قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان على الصبر أو الشهادة، إما صبر نثبت، أو على الشهادة، ما نفر أبدًا، ما سنفر من المعركة، الفرار ممنوع، إما صبر وثبات وإما شهادة. فهذا يدل على فدائهم رضي الله تعالى عنهم. وكذلك أيضًا فيه فضيلة عثمان رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام غضب لما سمع أن عثمان قد قتل، لكن هذا الخبر ليس صحيحًا. ولهذا لما جاء عثمان - لما جاء عثمان رضي الله عنه - لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بعد ذلك أن عثمان لا يزال حيًا، فلذلك أرجع الصلح، أرجع سهيل بن عمرو، وفك الأسارى، وعقدوا بعد ذلك الصلح الذي بينهما، بين سهيل والنبي عليه الصلاة والسلام. فهذه الحادثة من الحوادث التي حصلت في صلح الحديبية، وهي بيعة الرضوان. وهذه البيعة عقدت تحت الشجرة. وهذه الشجرة اختلف الناس فيها: هل كانت معروفة أو ليست معروفة؟ ولهذا جاء في الصحيحين أن سعيد بن المسيب قرأ الناس يصلون في مسجد ويتتابعون، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: هذا مسجد الشجرة، مسجد الشجرة. قال: وكيف عرفوا أن هذا المسجد مسجد الشجرة؟ فقال: حدثني أبي - أي المسيب بن حزم - قال: حدثني أبي أنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في الحديبية، ثم جاءوا في السنة القابلة، لما ذهبوا إلى عمرة القضاء، ثم قال: جاءوا من السنة الثانية، قال: فبحثنا عنها فلم نعرفها، ما عرفنا هذه الشجرة، ذهب عنهم تذكير هذه الشجرة. فقال سعيد: أنتم أعلم أم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجاء عن جابر أنه قال رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم: قال: لولا أني عميت لأريتكم الشجرة. فقد يكون كما قال الحافظ ابن حجر: أن بعض الصحابة عرف مكانها وبعضهم لم يعرف مكانها. لكن بعد ذلك أن عمر رضي الله عنه في عهد عمر قطعها، عمر، كما جاء بأسانيد صحيحة عن عمر أنه صلى، وهو ذاهب إلى الحج، فرأى الناس يذهبون إلى مكان، قال: ما بالهم يذهبون؟ معنى بعدما صلى الفجر رأى الناس يقومون ويذهبون، قال: إلى أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: إلى مسجد الشجرة، يعني المكان الذي بايع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله لأقطعنها. عمر قال: لأقطعن هذه الشجرة، لأجل أن لا يأتي أحد إليها، لأنها مصدر قد يكون فيه شيء من الغلو بعد ذلك. فقطعها عمر، أي أمر بقطعها، رضي الله تعالى عنه. فهذا الذي حصل في هذه البيعة ومكانها الذي حصل. وكما قلنا بعد ذلك لما جاء عثمان بن عفان وتركه أهل مكة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رجع إلى الصلح مع سهيل بن عمر. وإن شاء الله في درس لاحق أيضًا نذكر ما تقاضوا عليه من ذلك الصلح. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة، والحمد لله رب العالمين.