الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع تفاصيل مفاوضات صلح الحديبية حول صيغة البسملة ونسب النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن مدة الصلح كانت عشر سنوات وهي الحد الأقصى عند الجمهور، مع توضيح ضوابط جواز مصالحة الكفار عند الحاجة بشرط التوقيت والمصلحة الشرعية.
يسرد المقطع واقعة طلب سهيل بن عمرو كتابة "محمد بن عبدالله" بدلاً من "رسول الله" فامتثل النبي صلى الله عليه وسلم للمصلحة، ويستعرض استدلال ابن عباس بهذه الواقعة على الخوارج الذين كفّروا علياً لتنازله عن لقب "أمير المؤمنين" في التحكيم، مبيناً أن التنازل في اللفظ لا يسقط الحقيقة الشرعية.
يتناول المقطع الخلاف حول عبارة "كتب رسول الله" في الصلح، حيث استدل بها البعض على كتابة النبي بيده مما أدى لتكفير بعضهم، بينما رد العلماء بأن المرجح أن الكاتب هو علي بن أبي طالب أو محمد بن مسلمة، وأن النبي محا "رسول الله" بيده وأمر علياً بكتابة "محمد بن عبد الله".
يذكر المؤلف أن ما سبق هو خلاصة ما يُذكر في هذا المقام والفقرة، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر، مفوضاً العلم الكامل لله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، أخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الزهري وغيره في حديث صلح الحديبية. قال: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: "هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتابًا". فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الكاتب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "بسم الله الرحمن الرحيم". قال سهيل: "أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب". فقال المسلمون: "والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "اكتب: باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: "والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فهذا الاتفاق الذي حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، وكان النائب عنهم هو سهيل بن عمرو. وقد ذكر ابن إسحاق في روايته أن الكتاب الذي كُتب كان فيه أنه عشر سنوات، بمعنى الاتفاق الذي بينهم، والصلح يكون عشر سنوات. وقد تقدم معنى أن عامة أهل العلم يقولون: لا يجوز أن يصالح الكفار على شيء مطلق، على ما يصالحون على صلح مطلق ليس فيه توقيت؛ لأن الله عز وجل أوجب قتالهم. لكن إذا احتاج المسلمون إلى الصلح، فإن لهم أن يصطلحوا مع الكفار بضوابط معينة، ولا بد أيضًا أن يكون هناك وقت معين. ففي هذا الصلح الحديبية جاءت أكثر الروايات أنها عشر سنوات، وجاءت بعض الروايات أنها سنتان، لكن الصحيح أنها عشر. ولهذا ذهب الجمهور، والشافعي رحمه الله، إلى أنه لا يجوز بعد العشر، أنه لا يوقت بعد عشر سنوات، إنما أكثر شيء عشر سنوات، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أي صالح ويهادن الكفار على عشر سنوات. وسواء كان المسلمون على ضعف، أو كذلك كانوا أقوياء واحتاجوا إلى هذا الصلح، أحيانًا يحتاج المسلمون إلى الصلح مع بعض الكفار إما خشية جانبهم، وإما يجعلونهم حماية على بلادهم، أو غير ذلك من الأسباب والمصالح التي يراها إمام المسلمين. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام صالح أهل الشرك، مع أن أهل الشرك قد وهنتهم الحرب، قد نهكتهم الحروب، وقد قتل أكثر صناديدهم الذين هم يأمرونهم بالكفر، فمع ذلك إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام صالحهم في تلك المصالحة. فلذلك لا بد أن تكون مؤقتة. صالح النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء، فقال أولًا: "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل بن عمرو: "والله ما أدري ما هو الرحمن". وقد ذكرنا هذا فيما تقدم من الكلام في إنكار قريش "الرحمن" اسم الله عز وجل الرحمن. ثم قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "اكتب"، بعدما أمر كاتبًا وهو علي على الصحيح، وقيل إنه محمد بن مسلمة، ولعل كلاهما يكتب؛ لأنه صح عن سهيل بن عمرو بعدما أسلم أنه كان يقول: "عندنا كتاب الصلح الذي بيننا وبين رسول الله بخط محمد بن مسلمة". محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه. فقال: "هذا ما قضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: "والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله". وهنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يتنازل عن الرسالة كما يظنه بعضهم، بعض الخوارج. لما حصل الاتفاق بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، كتب الكاتب: "هذا ما اتفق عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان"، ولم يكتب "أمير المؤمنين"، فتنازل علي عن إمارة المؤمنين. فقال الخوارج، ناس من الخوارج الذين لا يفقهون دين الله: "ما دام أنه تنازل عن إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين، أنا إما أمير مؤمنين أو أمير كافرين، ما دام أنه تنازل عن إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين". فهذا التنازل فقط في الكتابة، تنازل في الكتابة. ولهذا ابن عباس استدل عليهم بهذا الصلح. قال ابن عباس: "أنتم ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب رسول الله؟" فقالوا: "ننقم عليه أنه محا نفسه من إمارة المؤمنين، محا نفسه في الكتاب، في الاتفاق، محا نفسه من إمارة المؤمنين، فإن لم يكن أميرًا للمؤمنين فهو أمير للكافرين". فقال لهم ابن عباس: "النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية لما قال له سهيل بن عمرو: اكتب محمد بن عبد الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله لا أكتب، وإنما أكتب محمد رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: أرني هذه الكتابة". لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يكتب، فأراه عليا فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. فقال ابن عباس: "فهل معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم محا رسالته، محا أنه رسول الله؟ لا، هذا في الكتابة فقط ولأجل الصلح". فلذلك استدل لهم بهذا، فقالوا: "خرجوا"، قالوا: "خرجنا". أنا فهموا هذا الأمر، فلم يكن هذا في الواقع، وإنما في الكتابة محا نفسه في الكتابة. وهنا مسألة أخرى حصل فيها الخلاف، من باب الفائدة: أن الذي كتب، كما قلنا، الذي كتب صلح الحديبية هو علي، وقيل إنه محمد بن مسلمة. لكن جاءت روايات، ومنها في البخاري، فقال: "فكتب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب رسول الله". هكذا جاءت: "كتب رسول الله". والنبي عليه الصلاة والسلام لا يكتب لأنه أمي، كما جاء في القرآن، والله عز وجل أيضًا بيّن أنه لا يخط بيمينه ولا يكتب، ولو كان يخط بيمينه لارتاب المبطلون. لكن الله عز وجل لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرف الكتاب ولا القراءة، معنى لا يقرأ المكتوب ولا يكتب. فلذلك بعض العلم أخذ بهذا الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب، وأنكر عليه آخرون إنكارًا شديدًا، حتى أن بعضهم، أي بعض العلماء، كفره. قال: "هذا ينكر ويكذب القرآن، يقول: كيف النبي صلى الله عليه وسلم كتب، والله عز وجل يقول أنه أمي وأنه لا يخط ولا يكتب بخطه، فكيف يقول أنه كتب؟". وهذا لا يحتاج إلى مثل هذا التهويل. فقال بعض العلم: حتى لو قال: "كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقد يكون هذا إعجاز من الله، أن الله عز وجل جعله يكتب وهو أمي. ولهذا جاء عن بعض السلف، عن عون بن عبد الله والشعبي وغيرهم، كانوا يقولون: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب، حتى كتب في الكتب"، معناه أنه عرف يكتب. والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أذكى الناس، ومن أيضًا أعرفهم بالعلوم وبالحفظ، فقد يكون أيضًا أن الله عز وجل في آخر عمره يعلمه الكتابة، جعله يتعلم الكتابة، وهذا ليس ببعيد. لكن هذا فقط من باب الرد على هؤلاء. وإلا فالصحيح الذي جاءت به الروايات الصحيحة أن الذي كتبه هو علي بن أبي طالب، وبيّن ذلك إسحاق بن راهويه وغيره في مسنده أن الكاتب كان عليًا، وقيل كما قلنا محمد بن مسلمة، وليس أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب. وإنما الذي ذكره ابن إسحاق وغيره، وجاء في حديث ابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: "أين رسول الله؟" فأراه إياها، فمحاها النبي عليه الصلاة والسلام بيده، محاها النبي عليه الصلاة والسلام بيده، ثم كتب علي: "محمد بن عبد الله"، بعدما أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتبها. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا المقام وفي هذه الفقرة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.