الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع بداية مفاوضات الصلح عند قدوم سهيل بن عمرو وقول النبي ﷺ «قد سهل أمركم»، مع توضيح أن الصلح كان مشروعًا للمصلحة مستندًا إلى آية قرآنية تمنع القتال لوجود مستضعفين بمكة. ويذكر إرسال النبي ﷺ رسلًا سابقين كعثمان بن عفان قبل قدوم سهيل للتفاوض الرسمي.
يبيّن المقطع أن النبي ﷺ بدأ كتبه وعقوده بالبسملة اقتداءً به، واستحب العلماء كتابتها في جميع المكاتبات والعقود. ويوضح كراهة السلف كتابة البسملة في الشعر المنكر أو الكتب المشتملة على إساءة للنبي أو الصحابة لأنها تبرك باسم الله ولا توضع في أمر منكر.
يشرح المقطع ثبوت كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» في المراسلات النبوية للملوك والمسلمين، ثم يوضح سبب اعتراض مشركي قريش على لفظ «الرحمن» في صلح الحديبية. ويعزو إنكارهم إلى العناد أو الجهل أو ظنهم أنه يشير إلى مسيلمة الكذاب الملقب برحمن اليمامة مستشهدًا بتفسير ابن كثير وكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
يختتم المتحدث عرض الأوجه التي ذكرها أهل العلم في نفي اسم الله الرحمن، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر من الشرح في هذا الدرس. ويعده باستكمال الموضوع في دروس لاحقة بإذن الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الكلام على صلح الحديبية. لما جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد سهل أمركم» أو «قد سهل من أمركم». ثم قال سهيل: «أكتب بيننا وبينك كتابًا». جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: «أكتب بيننا وبينكم كتابًا». جاء لأجل الصلح، لأجل الكتاب الذي يكتب بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الخطة التي كان يريدها النبي عليه الصلاة والسلام: أن يصطلح مع كفار قريش. قد تقدم معنا أن بينا حكم الصلح مع الكفار، وأنه مشروع إذا احتاج المسلمون إلى ذلك واقتضت المصلحة ذلك. قد ذكرنا أيضًا بعض الأسباب التي من أجلها حصل هذا الصلح، ومن ذلك ما ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ﴾. لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليضخل الله في رحمته من يشاء. معنا قد يضخل هؤلاء في رحمته، وقد أيضًا كذلك تقتلون بعض أهل الإسلام، فلذلك أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يصالح قريشًا، فصالحهم. وأرسل إليهم عثمان بن عفان كما تقدم معنا في قصة، وأيضًا أرسل إليهم كذلك وورقاء بن بدر الفزاري وغيرهم، أو وورقاء بن بدر، أقصد الذي أرسله إلى قريش. فأرسل إليهم أكثر من واحد، ثم جاءه عروة، وجاءه أيضًا مكرز بن حفص، ثم جاءه سهيل. وهذا باتفاق مع قريش على أنه يذهب سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعاقده في الصلح. فلما جاء، قال له: «اكتب بيننا كتابًا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب». وكان الكاتب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. فقال له: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: «والله لا ندري ما الرحمن الرحيم، ولكن اكتب: باسمك اللهم». في هذا المقطع: أن النبي عليه الصلاة والسلام بدأ بهذا الكتاب بالبسملة تبركًا باسم الله جل وعلا، وهذه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في جميع الاتفاقات والكتب وغير ذلك، أنه يبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». إذا أراد سنة أن يكتب عقدًا، سواء كان عقد نكاح، أو عقد بيع، أو عقد إجارة، أو عقد صلح، أو غيرها من العقود، فأولًا يبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في كتبه، وفي مصالحاته أيضًا. فأولًا يبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». ولهذا استحب العلماء أن يكتب البسملة في كل ما يكتب، سواء كان في المكاتبات، أو في الكتب، أو في غير ذلك. إلا أن بعض السلف كان يكره أن يكتب البسملة في الشعر، أن تكتب البسملة في الشعر، ويقصدون الظاهر -والله أعلم- الشعر الذي فيه الكذب، وفيه الكلمات السيئة من هجو الناس وسبهم، وكذلك من الغزل الذي يكون في الأشعار، وكذلك أيضًا من الأمور المنكرة التي تكون في الأشعار. أما إذا كان شعرًا خيرًا محضًا، فلا بأس أن يقدمه بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». وهكذا أيضًا الكتب التي فيها إساءة، الكتب التي فيها إساءة إلى الآخرين، أو كذلك وأعظم إساءة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وغير ذلك، فمثل هذه لا يصلح أن تكتب فيها «بسم الله الرحمن الرحيم»، لأن «بسم الله» إعانة من الله وتبرك باسم الله جل وعلا، ولا يصلح أن يكون التبرك باسم الله سبحانه وتعالى في أمر منكر، وفي أمر فيه أشياء سيئة. لهذا، كما قلنا، كان السلف رحمهم الله يكرهون أن تكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في الشعر. وإلا فهي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في كتاباته التي يكتبها إلى الملوك، وفي مصالحاته عليه الصلاة والسلام، وفي الكتب التي يكتبها لبعض المسلمين، مثل ما كتب لأبي شاء وغيره، فكان يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم». وهذا يدل على أن هذه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي لأهل الإسلام أن يحرصوا عليها، فلا يخلو الكتب من ذكر البسملة، لأنها استعانة بالله جل وعلا. ثم قال: قال: «لا ندري ما الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «اكتب: باسمك اللهم». وهنا قوله: «لا ندري ما الرحمن الرحيم»، هذه فسرت بأمرين. مثل قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾. فقولهم: «وما الرحمن»، إنكار. لكن لماذا ينكرون اسم الرحمن؟ فقال بعض المفسرين: إن إنكار قريش وغيرهم في هذا الباب، لأجل أنهم يظنون أن الرحمن هو مسيلمة الكذاب، صاحب اليمامة، كانوا يسمونه «رحمن اليمامة»، فيظنون أنه هو، فلذلك كانوا يقولون أو ينكرون اسم الرحمن. ولهذا، الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية، ذكر أن كفار قريش ومن قبلهم كانوا يعرفون اسم الرحمن، وقد ذكر أشعارًا من أشعار الجاهلية فيها ذكر الرحمن. وهذا يبين أن إنكارهم هذا إنما هو لأجل العناد، عنادًا، أو يكون جهلًا، أن بعضهم يجهل هذا الاسم لعدم استعماله، لعدم أن استعمالهم لهذا الاسم، فهم ينكرون اسم الرحمن الرحيم، ينكرون أسماء الله أو بعض أسماء الله وصفاته. ولهذا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر في بابه «إنكار الأسماء»، ذكر هذه الآية: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾. فإما أنهم جهلوا هذا الاسم، تجاهلوه، لأنهم لم يستعملوه، فانكروه، أو أن إنكارهم كان عنادًا، أو كما قلنا، كما قال بعض السلف: إنهم كانوا يظنون أنه مسيلمة الكذاب، وهو رحمن، كان يقال له «رحمن اليمامة». فهذه الأوجه التي ذكرت عند أهل العلم في نفيهم لاسم الله عز وجل الرحمن. فهذا إن شاء الله ما يذكر، ونكمل إن شاء الله بإذن سبحانه وتعالى في دروس أخرى. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.